بعد أن أمضت فينا مونغانالي (لينكد إن) معظم مسيرتها المهنية في تأسيس وإدارة الشركات في قطاعات التجزئة والتصنيع والتصدير، كانت على وشك التقاعد في عام 2016. إلا أن عودتها إلى عالم الأعمال قادتها في النهاية إلى وجهة لم تتوقعها على الإطلاق؛ ألا وهي قطاع النفايات. أسست فينا بصحبة زوجها وشريكها شركة سينسيرك، وهي شركة قابضة مقرها أبوظبي، تستثمر في محفظة متنوعة تشمل مجالات تحويل النفايات إلى طاقة، ووقود الطيران المستدام، وقريبا الغاز الحيوي المضغوط. وترتكز جميع هذه الاستثمارات على مبدأ بسيط، أن النفايات لها قيمة، شريطة إيجاد طريقة مجدية تجاريا لاستخلاص تلك القيمة.
وفي فقرة روتيني الصباحي الأسبوعية، التي نحاور خلالها أحد البارزين في مجتمعنا لنعرف كيف يبدؤون يومهم، كما نطرح عليهم بعض الأسئلة المتعلقة بأعمالهم، تحدثنا هذا الأسبوع مع مونغانالي حول تحولها بالصدفة إلى رائدة أعمال في مجال استخلاص القيمة من النفايات. وإليكم مقتطفات محررة من حوارنا:
إنتربرايز: لنعد إلى البداية.. ما الذي دفعك للعمل في مجال استخلاص القيمة من النفايات؟
مونغانالي: أنا رائدة أعمال منذ سن الثانية عشر؛ فأسست مدرسة للرقص، وعملت قليلا في مجال التلفاز، ثم أدرت في النهاية شركة ضخمة للتصدير والبيع بالتجزئة. وتركت كل هذه الأعمال في عام 2016 تقريبا، لأنني اعتقدت أنني "اكتفيت من العمل لمدى الحياة". أردت حينها أن أصبح ربة منزل، وأن أفعل كل ما اعتقدت أنني فوته، لكن اتضح أنني فاشلة في ذلك. لذا، بدأت في توجيه رائدات الأعمال والاستثمار في الشركات الناشئة ذات الأثر المجتمعي.
وفي عام 2021 تقريبا، بدأنا أنا وزوجي نفكر فيما نريد فعله خلال السنوات العشرين القادمة من حياتنا. وأتيحت لنا فرصة للاستحواذ على شركة للطاقة المستدامة في المملكة المتحدة، فأمضينا نحو 18 شهرا في دراسة هذا القطاع قبل أن نقرر المضي قدما في الصفقة. ومن هنا ولدت فكرة سينسيرك، إذ يتمثل هدفنا في خلق مستقبل راشد يقوم على مبادئ الاقتصاد الدائري.
إنتربرايز: ماذا يعني ذلك عمليا؟ وما الذي تنطوي عليه أعمال سينسيرك؟
مونغانالي: نركز على الشركات التي تستخلص القيمة من النفايات. ويتمثل قطاعنا الأول في توليد الطاقة من النفايات، إذ تستقبل شركتنا في المملكة المتحدة النفايات الصلبة القادمة من البلديات، والتي ننتجها أنت وأنا يوميا، وتحولها إلى كهرباء عبر عملية التغويز. ونعالج حاليا نحو 250 ألف طن من النفايات سنويا، لنولد ما يتراوح بين 26 و28 ميغاوات من الكهرباء.
أما قطاعنا الثاني فهو وقود الطيران المستدام. يمتلك قطاع الطيران خيارات محدودة جدا لخفض الانبعاثات الكربونية، وتعتمد الفكرة هنا على استخدام النفايات أو الكربون المتوفر بالفعل بدلا من استخراج المزيد من الكربون من الأرض عبر إنتاج الوقود الأحفوري. لذا، عقدنا شراكة مع شركة نوفوس أفييشن كابيتال لتأسيس منصة ساف وان، وسينطلق مشروعنا الأول في مدينة كاكينادا بجنوب الهند، حيث سنستخدم زيوت النفايات، بما في ذلك زيت الطهي المستعمل، لإنتاج وقود الطيران المستدام. ونستعد حاليا لبدء عمليات قطاعنا الثالث والمتمثل في الغاز الحيوي المضغوط، والذي سيعتمد في إنتاج الغاز على المخلفات الزراعية، مثل قش الأرز ومخلفات قصب السكر.
إنتربرايز: ما أكثر شيء فاجأك في العمل بهذا القطاع؟
مونغانالي: إنه قطاع صناعي ثقيل، ومع ذلك توجد العديد من النساء في المناصب القيادية والإدارية. وأعتقد أن النساء يملن بفطرتهن إلى الاستدامة، فنحن نعرف جيدا كيف ندور الموارد. وأدهشني أيضا مدى إقبال الشباب على هذا القطاع، إذ يراسلوننا باستمرار بحثا عن فرص العمل والتدريب. ففي هذا القطاع ما تحققه اليوم سيفيد الناس بعد مئات السنين، وبه قدر هائل من التدبر في المستقبل، وهذا أكثر ما أحبه فيه.
إنتربرايز: ما الذي يمكن للإمارات تحسينه فيما يخص مسألة الاستدامة؟
مونغانالي: يجب أن يبدأ فرز النفايات من المنازل. ففي أثناء عيشي بسويسرا، كانت القواعد المتعلقة بالنفايات صارمة للغاية. إذا لم تُغلق حاوية القمامة بإحكام مثلا قد تتعرض لغرامة. وكانت المسؤولية تقع على عاتق الأفراد لضمان فرز النفايات على النحو السليم. وأرى أننا نحتاج إلى جعل هذا السلوك جزءا من حياتنا اليومية، وإلا سينتهي المطاف بكل المخلفات في حاوية واحدة.
إنتربرايز: حدثينا عن روتينك الصباحي.. كيف يبدأ يومك؟
مونغانالي: أحمل في قلبي روح جنوب الهند؛ إذ لا بد أن أمسك بالصحيفة وكوب القهوة بيدي في الصباح. ولا زلت أقرأ صحيفة واحدة على الأقل من الغلاف للغلاف وأنا أستمع لبعض الموسيقى. ورغم أنني لست شخصا صباحيا، فهكذا أبدأ يومي. ونظرا لأننا نعمل مع أفراد وكيانات في مناطق زمنية مختلفة، أخصص صباحي أيضا لمتابعة رسائل البريد الإلكتروني والرسائل النصية قبل أن يبدأ اليوم.
ولم أعتمد يوما على قوائم المهام، لأنني أعتقد أنها تقيد الإنسان؛ فالناس يشعرون بالتوتر حين يعجزون عن إنجاز جميع المهام في قوائمهم، وأنا أكره هذا الشعور. وإذا كان هناك أمر عاجل وأخشى نسيانه، أرسل رسالة لنفسي عبر تطبيق واتساب. هذه هي قائمة مهامي.
إنتربرايز: كيف يختلف إيقاع حياتك الحالي عن سنواتك الأولى في إدارة الشركات؟
مونغانالي: كانت أعمالي السابقة تضم نحو 40 مركزا للبيع بالتجزئة، وهو ما يعني مواجهة المشكلات يوميا؛ كعدم فتح متجر ما، أو ظهور مشكلة تنظيمية، أو وقوع أزمة في التصنيع. لذا كنت أعالج الأزمات باستمرار فور استيقاظي وحتى خلودي إلى النوم. أما الآن، فنحن نعرف تماما ما نريده، ونتأنى في اختيار من نوظفهم، ونشجع فرقنا على اتخاذ القرارات بأنفسهم.
إنتربرايز: ما هو الشيء الثابت في يومك والذي يمنحك التوازن والاستقرار؟
مونغانالي: بخلاف قراءة الصحف والقهوة، أتحدث إلى جميع بناتي يوميا. ومؤخرا، اعتدت إضاءة مصباح كل صباح. لا أعرف بالضبط لماذا بدأت أمارس تلك العادة، لكني أفتقدها عندما أسافر. أما بالنسبة لروتيني فأنا لا أتبع روتينا معقدا؛ فلا أمارس التأمل أو تمارين التنفس، لأنني لا أريد إلزام نفسي بعادات قد يصبح الحفاظ عليها مرهقا. وإنما أحب الأشياء البسيطة، كأن أشتري أي زوج من الأقراط، إذ إنني أجمع الأقراط المقلدة، وهذا يكفيني تماما.
إنتربرايز: وكيف تصفين ذهنك بعد انتهاء يوم العمل؟
مونغانالي: لا أريد أن أخلد إلى النوم وأنا أفكر في الكتاب التالي الذي يجب أن أقرأه عن الإدارة، أو في ذلك الإنجاز العظيم الذي يحققه الآخرون. بل أريد أن أنام وعقلي خال تماما. لذا أكتفي بمشاهدة عمل كوميدي، أو مسلسل جريمة، أو أي شيء آخر لا يتطلب الكثير من التفكير. ففي نهاية اليوم، لا تسيطر علي سوى فكرة واحدة: أنا بحاجة للنوم الآن. ولحسن الحظ، أنام بعمق كالأطفال.
ترشيحات مونغانالي
ما تشاهده: أعمال الدراما والجريمة، وما تعرضه نتفليكس من أعمال خفيفة "لا تتطلب حضور الذهن"، وأشارت بالأخص لمسلسل Reacher.
أفضل نصيحة تلقتها: لا تبدأ عملا تجاريا بمفردك أبدا. ابحث عن شريك مؤسس يكمل مهاراتك ولا يفكر مثلك ببساطة. فالأعمال التجارية كائنات عملاقة، يمكن لها أن تبتلعك وتستنزف طاقتك، ولا ينبغي أن تكون وحيدا في هذه الرحلة.
نصيحة أخيرة: خصص 5 دقائق على الأقل للمرح كل يوم. وتقول مونغانالي في هذا الصدد: "لقد بنينا حياتنا حول ما يجب علينا القيام به. لذا ارقص، أو حل ألغاز السودوكو، أو استمع إلى أي موسيقى. المهم أن تقضي بعض الوقت الممتع".