Posted inضيافة وسياحة

وتيرة تراجع الوظائف السياحية في الإمارات أبطأ بست مرات من انخفاض إنفاق الزوار

الفنادق تحتفظ بموظفيها لتجنب تكاليف إعادة التوظيف الباهظة لاحقا، وهو رهان لن ينجح إلا إذا جاء التعافي في موعده

يتخذ أصحاب العمل بقطاع السياحة في دبي خيارا مدروسا؛ إذ يرون أن الاحتفاظ بالموظفين خلال الفترة العصيبة الحالية أقل تكلفة من تسريحهم وإعادة توظيفهم عند عودة الطلب. وفي هذا السياق، يتجه معدل التوظيف بقطاع السياحة في الإمارات إلى الانخفاض بنسبة 4.9% فقط على أساس سنوي خلال العام الجاري، ليقتصر بذلك على فقدان نحو 46 ألف وظيفة فقط، حتى مع التوقعات بتراجع إنفاق الزوار الدوليين بنسبة 31% ليصل إلى 39.2 مليار دولار، وفقا لحساباتنا المستندة إلى بيانات المجلس العالمي للسفر والسياحة وأكسفورد إيكونوميكس. وهذا يعني أن الإنفاق يتراجع بوتيرة أسرع بست مرات تقريبا من وتيرة انخفاض الوظائف.

وتجسد هذه الفجوة ما يعنيه المجلس العالمي للسفر والسياحة حين يصف معدلات التوظيف بأنها "متماسكة". إذ أوضح المجلس لنشرة إنتربرايز أن الوظائف "لا تتراجع بنفس وتيرة انخفاض الإنفاق بالضرورة". ويبدو أن مشغلي الفنادق يحتفظون بالموظفين المدربين خلال الأزمة الحالية التي يتوقعون أن تكون مؤقتة، استنادا إلى مبدأ أن تكلفة التخلي عن الكفاءات وإعادة توظيفهم لاحقا تفوق تكلفة الاحتفاظ بهم طوال فترة الركود.

تذكر: أشرنا مؤخرا كذلك إلى الحفاظ على أسعار الغرف الفندقية وسط الأزمة ذاتها؛ إذ تراجعت متوسطات الأسعار اليومية للغرف بنسبة 7% فقط على أساس سنوي في النصف الأول من العام رغم انخفاض معدلات الإشغال بنسبة 30.3%، مع مبادرة حكومة دبي إلى تقديم إعفاءات من الرسوم بقيمة 2.5 مليار درهم دعما للقطاع.

أهمية ذلك: يبدو التماسك الذي يظهره القطاع حتى الآن على هذين الصعيدين محكوما بمدى زمني واحد، وهنا يتحدث علي صديقي، مدير الأبحاث في كافنديش ماكسويل، بشفافية وصراحة عن حدود هذا المدى الزمني. إذ يقول لنا: "عادة ما يستمر الحفاظ على ثبات الأسعار حتى يصبح ذلك مستحيلا"، موضحا أنه "كلما طالت فترة انخفاض الطلب، تتفاقم صعوبة حماية متوسط الأسعار اليومية للغرف دون التنازل عن جزء من الحصة السوقية وتآكل إجمالي الإيرادات". وينطبق المنطق ذاته على الرواتب، فالفنادق ستواصل الاحتفاظ بالموظفين ما دامت السيولة المتاحة تسمح بذلك، لتبدأ بعدها عمليات التسريح. بعبارة أخرى، فإن الحفاظ على معدلات التوظيف يمثل رهانا على أيّ الكفتين ستصمد لفترة أطول: مدة الأزمة أم حجم السيولة النقدية المتاحة.

كذلك فتثبيت الأسعار وسط انهيار الطلب يحمي قاعدة الإيرادات استعدادا لمرحلة التعافي؛ لأن اللجوء إلى الخصومات سعيا لرفع معدلات الإشغال قد يؤدي إلى حرب أسعار يصعب التعافي منها. وفي ظل ضعف الطلب واشتداد المنافسة، اعتمدت بعض الشركات على "العروض الترويجية الموجهة لتحفيز الطلب"، حسبما ذكر صديقي، لكنه أشار إلى أن ذلك يأتي كخيار أخير. إذ قال: "يعكس هذا ترتيبا مدروسا للأولويات، فعادة ما تكون الأسعار هي الورقة الأخيرة الذي قد تقبل إدارات الفنادق بالتفريط فيها".

ساهمت أرباح العام الماضي القوية والدعم الحكومي في تعزيز هذا الصمود: يقول صديقي إن "معظم مشغلي الفنادق استقبلوا عام 2026 بوضع مالي قوي جدا بعد الأداء الممتاز في عام 2025، مما منحهم متسعا لاستيعاب الضغوط قصيرة الأجل قبل اتخاذ قرارات هيكلية بشأن العمالة". كما أسهم الدعم الحكومي إسهاما حاسما في دبي، حيث تمكن أصحاب الفنادق من الحفاظ على مستويات الأسعار والموظفين بفضل حزم التحفيز الحكومية التي بلغت قيمتها 2.5 مليار درهم على شريحتين؛ تمثلت الأولى في حزمة بقيمة مليار درهم في أبريل لتأجيل سداد رسوم الفنادق والدرهم السياحي، تلتها حزمة أكبر بقيمة 1.5 مليار درهم لإعفاء الفنادق والمطاعم ومنظمو الرحلات السياحية من رسوم المبيعات والرخص والتصاريح، ورسوم الدرهم السياحي، إضافة إلى إعفاءات من رسوم بعض الفعاليات، وفقا لتقرير كافنديش ماكسويل.

ملامح الفترة المقبلة

يرى صديقي أن "المؤشر الأقرب والأسهل رصدا سيتمثل في استئناف رحلات الطيران وزيادة السعة التشغيلية، لا سيما في ظل وجود ارتباط وثيق بين حركة النقل الجوي والطلب على الفنادق. وحين تعود شركات الطيران إلى تسيير الرحلات التي علقتها أو قلصت عددها، فسيكون هذا مؤشرا مبكرا على تحسن الطلب ومعدلات الإشغال الفندقي".

تذكر: تعتزم العديد من شركات الطيران استئناف رحلاتها إلى دبي خلال النصف الثاني من العام بعدما قررت تعليقها في النصف الأول، وإن كان بعضها قد أرجأ خطوة الاستئناف مع استمرار التصعيد، كما نجحت شركة طيران الإمارات بالفعل في استعادة حوالي 85% من سعتها التشغيلية الطبيعية. إلا أن عودة الرحلات لا تعني بالضرورة عودة الطلب؛ فقد تأخر تعافي الطلب الفندقي عن انتعاش حركة الطيران، وترى شركة "إتش في إس" الاستشارية أن التعافي سيكون مرهونا بعودة ثقة المسافرين وليس مجرد استئناف الرحلات الجوية. وعن ذلك يقول صديقي: "فور تحسن الثقة وبدء عودة حركة السفر إلى طبيعتها، نتوقع أن تتعافى معدلات الإشغال أولا، مع تنافس المشغلين على استعادة حجم أعمالهم، ومن المرجح أن يتبع ذلك تعافي متوسط الأسعار اليومية للغرف".

لكن الخطر يكمن في احتمالية استنفاد الدعم قبل ظهور بوادر التعافي. وفي هذا السياق، يقول صديقي: "حتى ذلك الحين، سيتوقف استقرار القطاع على مدى صمود الطلب المحلي والخليجي الذي خفف من وطأة الصدمة في النصف الأول من عام 2026؛ لأن أي ضعف في هذه الدعائم قبل عودة السياحة الدولية سيُعرّض القطاع لضغوط مضاعفة في النصف الثاني". وتتوقع كافنديش ماكسويل أن يتراوح معدل الإشغال الفندقي في دبي للعام بأكمله بين 60.4% و66.2%، ومتوسط السعر اليومي بين 600 و675 درهما، علما بأن كلاهما يمثل تراجعا عن المستويات القياسية المسجلة في عام 2025. أما عن المستويات الدقيقة التي ستستقر عندها أرقام العام ضمن هذا النطاق المتوقع، فهي مرهونة بثلاثة عوامل حاسمة: هل ستمدد الحكومة الإعفاءات من الرسوم في دبي أم ستقرر إنهاء العمل بها؟ وما إذا كان استئناف مسارات الطيران سيتزامن مع موسم الشتاء في الربع الأخير، وما إذا كانت الثقة ستعود قبل نفاد السيولة المتاحة لدى المشغلين.

الجدوى الاستثمارية على المدى الطويل ما زالت قائمة. أوضح صديقي أن المشاريع قيد التنفيذ "ما زالت مستمرة"، مشيرا إلى أن خطط افتتاح فندق كابيلا في دبي تمثل دليلا على "استمرار جاذبية الإمارة للاستثمارات طويلة الأجل". ويقتصر الحذر حاليا على المراحل الأولية، إذ "يتأنى بعض المستثمرين وقتا أطول قبل الالتزام بمشاريع جديدة، لإعادة تقييم فرضيات دراسات الجدوى"، لكن صديقي يصف هذا التوجه بأنه "مجرد توقف مؤقت وليس عزوفا دائما".