رغم اقتصار قائمة الطروحات العامة الأولية المرتقبة في الإمارات هذا العام على شركة واحدة فقط، تبدو التوقعات بشأن الطروحات اللاحقة واعدة. فقد وافق مصرف أبوظبي الإسلامي الأسبوع الماضي على مقترح لجمع 1.75 مليار درهم عبر إصدار حقوق أولوية، شريطة الحصول على موافقة المساهمين ومصرف الإمارات المركزي، في حين تدرس شركة تعليم، مشغل المدارس المدرج في سوق دبي المالي، طرحا ثانويا للأسهم ضمن عدة خيارات متاحة لدعم خططها التوسعية التي تتراوح قيمتها ما بين 1.5 مليار وملياري درهم، حسبما صرح به رئيسها التنفيذي آلان ويليامسون لنشرة إنتربرايز مؤخرا. ورغم عدم وجود جدول زمني واضح لذلك، تمثل الخطوة مؤشرا آخر على أن خطط جمع رؤوس الأموال لا تزال حاضرة بقوة لدى الشركات الإماراتية، إذ لا تزال الطروحات اللاحقة والثانوية خيارا عمليا.
وتأتي هذه التحركات بعد نصف أول هادئ من العام، لم تشهد فيه الإمارات سوى صفقة طرح لاحق كبرى واحدة، تمثلت في جمع مصرف الشارقة الإسلامي 701 مليون دولار من خلال إصدار حقوق أولوية بقيمة 2.59 مليار درهم، وهو أكبر طرح إضافي للأسهم في المنطقة خلال النصف الأول، وكنا قد أشرنا إلى أن هذه الخطوة، المدعومة من حكومة الشارقة، تهدف لتعزيز احتياطيات رأس المال ودعم نمو الأصول.
ولم يقتصر الأمر على الإمارات فحسب، بل أدت الحرب إلى جمود نشاط أسواق المال في المنطقة. إذ هوت إصدارات الأسهم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 71% على أساس سنوي في النصف الأول من العام، بعدما دفعت الحرب الإقليمية الشركات المصدرة إلى إعادة تقييم خططها. كما تراجع نشاط الطروحات العامة الأولية تراجعا حادا. وأبطأت الشركات الإماراتية بالفعل من وتيرة خططها، فقد أفادت تقارير بتعليق شركة دبي القابضة خطط إدراج أصولها في قطاع التجزئة، وتأجيل شركة الإمارات العالمية للألمنيوم طرحها العام الأولي حتى العام المقبل على أقل تقدير، فضلا عن تعليق شركة بن غاطي خطط طرحها في وقت سابق من هذا العام. فيما لم يتبقَ سوى طرح عام أولي واحد قد يرى النور، إذ أعلنت شركة دبي للاستثمار في مايو التزامها بالمضي قدما في طرح حصة تبلغ 24% في مجمع دبي للاستثمار قبل نهاية عام 2026، شريطة الحصول على الموافقات التنظيمية واستمرار المحادثات مع البنوك والمستثمرين. وكانت الشركة قد أشارت إلى احتمالية الإدراج في أكتوبر.
الأخبار الجيدة: يتوقع المحللون انتعاش الطروحات الثانوية واللاحقة في الربع الرابع من العام. ويرى جنيد أنصاري، مدير استراتيجية الاستثمار والبحوث في كامكو إنفست، ومقرها الكويت، أنه ستكون هناك المزيد من الطروحات الثانوية إذا تحسنت الأوضاع الإقليمية، لا سيما من الشركات المدرجة المملوكة للدولة. والسيناريو المرجح بالنسبة له أن تكون الشركات الكبرى والمرتبطة بالحكومة وذات السيولة العالية في طليعة التحركات، على أن تتبعها الإدراجات الجديدة بعد استقرار التوقعات لفترة أطول.
ويبدو أن الهدوء الذي شهده السوق في وقت سابق يعكس تأجيل النشاط وليس تراجع الطلب. إذ يقول طاهر عباس، رئيس قسم الأبحاث في أوبار كابيتال، إن التوترات الجيوسياسية كانت العامل الرئيسي وراء عزوف الشركات الراغبة في طرح أسهمها، في حين يرى أنصاري أن المساهمين ينتظرون تعافي التقييمات وتحسن الرؤية بشأن طلب المستثمرين الرئيسيين قبل إتمام الصفقات. ويشير أيضا إلى تضخم التقييمات في وقت سابق من العام، وضعف عوائد التوزيعات النقدية، واتساع الفارق بين أسعار العرض والطلب، فضلا عن اتجاه المخصصات نحو الأسواق الأمريكية والأسواق المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
لماذا قد تتصدر الطروحات اللاحقة والثانوية المشهد؟
تتمتع هذه الطروحات بأفضلية من حيث سهولة التنفيذ عندما تكون الأسواق متقلبة. ويقول أنصاري إن الطروحات الثانوية "أسهل بكثير في تنفيذها في ظل الأسواق المضطربة مقارنة بالطروحات العامة الأولية"، مضيفا أن الطلب على الطروحات اللاحقة يمكن أن يتجاوز بسهولة نظيره على الطروحات الأولية في البيئة الحالية. ومن المرجح أن تؤدي عمليات بناء سجل الأوامر المتسارعة، والصفقات الكبيرة المنفذة بين عشية وضحاها، إلى استئناف نشاط السوق، نظرا لسرعة تنفيذها ومحدودية مخاطر التسعير، حسبما أوضح أنصاري.
السبب؟ يُعزى هذا إلى تمتُع الشركات المعروفة بأفضلية خلال فترات التقلبات. إذ يمكن للمستثمرين في الطروحات اللاحقة تقييم السجل التشغيلي للشركة، وأرباحها المعلنة، وسيولتها، والسعر المرجعي لأسهمها، وفقا لعباس. بينما تواجه الطروحات الأولية الجديدة تدقيقا أكبر فيما يخص التقييم وأداء السهم بعد الإدراج.
ويتوقع عباس أيضا انتعاش النشاط بحلول الربع الرابع، لكنه يقول إن التعافي سيكون "أكثر انتقائية ومرتبطا بصفقات محددة" بعدما أدى التصعيد الأخير إلى رفع سقف التحديات أمام الشركات الراغبة في طرح أسهمها. ويضيف: "بات التقييم هو العامل الحاسم اليوم، وليس نوع الطرح سواء كان أوليا أم ثانوي". ويتفق معه رواد كسوف، رئيس تنفيذ الإصدارات لدى شركة أرقام كابيتال، قائلا إنه يرى طلبا قويا على كلا النوعين من الطروحات، لكن المستثمرين يركزون بشكل متزايد على "التقييم ووضوح الأرباح".
ويتوقع كسوف أيضا أن تظل الصفقات الكبيرة والطروحات اللاحقة ذات أهمية خاصة، مع تنفيذ صفقات بيع استراتيجية كبرى حيثما وُجد مبرر واضح للصفقة.
خطة التخارج الاستراتيجي
أصبحت الطروحات الثانوية واحدة من أكثر الاتجاهات صمودا في أسواق المال الإماراتية على مدار العام الماضي، وهناك سبب وجيه وراء شعبيتها الكبيرة. فالطروحات الثانوية في الإمارات لم تعد مجرد وسيلة لتخارج أحد المساهمين، بل أصبحت تركز أكثر على زيادة التداول الحر، وتوسيع قاعدة الملكية المؤسسية، ودعم أهلية الانضمام للمؤشرات، وإعادة تدوير رأس المال.
وهناك بالفعل نهج عملي يثبت ذلك؛ فقد زادت إصدارات الطروحات اللاحقة في الإمارات بنحو 3 أضعاف خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، وقاد المساهمون الحكوميون جانبا كبيرا من هذا النشاط. فعلى سبيل المثال، أدى تخارج شركة مبادلة من شركة دو في صفقة بلغت قيمتها 3.15 مليار درهم إلى رفع نسبة التداول الحر لشركة الاتصالات إلى 27.7%، مما مهد الطريق لإدراجها في مؤشر "إم إس سي آي" الشهر الماضي. كما كان هذا أول طرح ثانوي مكتمل التغطية التسويقية في الإمارات، مما شكّل خروجا عن نهج عمليات بناء سجل الأوامر المتسارعة التي تُستخدم عادة في عمليات التخارج الإقليمية.
ملامح الربع الرابع
لا تتوقعوا أن تفتح الأبواب على مصراعيها. فمن المرجح أن تكون الصفقات الأولى سريعة وموجهة لكيانات كبرى، بدلا من التخارجات الاستراتيجية الضخمة. فعادة ما تأتي عمليات التخارج الكبرى في مرحلة لاحقة من دورة استئناف النشاط، لأنها قد تخلق فائضا في المعروض وتبعث إشارة بأن التقييمات ربما وصلت إلى ذروتها، وفقا لأنصاري. ويتوقع كسوف أن تظل هذه الصفقات مقتصرة على الشركات ذات السيولة العالية والمدرجة في المؤشرات الرئيسية، حيث يمكن لها أن تحسن التداول الحر والملكية المؤسسية بصورة جوهرية.
وتتماشى خطط مصرف أبوظبي الإسلامي لجمع رأس المال التي ذكرناها آنفا مع هذا التوجه؛ نظرا إلى أنه كيان معروف يتمتع بالسيولة ولديه سعر مرجعي واضح (بتخفيض قدره 28.8% عن آخر سعر إغلاق له قبل الإعلان عن إصدار حقوق أولوية)، وهو نوع الصفقات الذي يتوقع كل من أنصاري وكسوف أن يقود استئناف النشاط في السوق.
وربما يكمن الاختبار الأكبر في حجم رؤوس الأموال المتاحة عند عودة النشاط إلى السوق. فالطروحات العامة الأولية المؤجلة، وعمليات البيع الثانوي، والطروحات الخليجية المرتقبة، ستتنافس جميعها لجذب المستثمرين في الوقت ذاته تقريبا. وهذا بالضبط ما يتوقعه أنصاري بمجرد تحسن الأوضاع، إذ يقول: "ستكون هناك منافسة على رؤوس الأموال في المنطقة".