اتسع نطاق شبكة تجارة النقل البيني وعمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى في الإمارات بوتيرة سريعة كوسيلة لضمان استمرار تدفق براميل الخام الإقليمية. لكن هذا الحل البديل بات يواجه الآن المخاطر الجيوسياسية نفسها التي صُمم لتفاديها؛ إذ أدرجت إيران 45 سفينة ضمن قائمتها السوداء، من بينها ناقلات تابعة لأدنوك، لانتهاكها القواعد المعلنة الخاصة بعبور مضيق هرمز، مهددة السفن التي تنفذ عمليات النقل من سفينة إلى أخرى بفرض غرامات عليها أو احتجازها أو مصادرة حمولاتها.
ما هي تجارة النقل البيني؟ اعتمدت أدنوك في استراتيجيتها التصديرية على نموذج النقل البيني بعدما تسببت الحرب في تعطيل حركة العبور المعتادة في مضيق هرمز. وبموجب هذا النظام، تنقل السفن الخام من داخل الخليج إلى نقاط مخصصة لإعادة الشحن مثل إمارة الفجيرة، حيث يتسلمه المشترون دون الحاجة إلى تسيير سفنهم عبر منطقة الخطر، وفي مقدمتهم أكبر شركات الشحن البحري الحكومية في الصين، شركتا كوسكو و"سي إم إي إس"، اللتان تجنبتا عبور المضيق تماما. وسمح هذا الحل البديل لأدنوك ببيع أكثر من 100 مليون برميل عبر المناقصات، حتى مع انهيار حركة المرور في المضيق. وفي حديثه لنشرة إنتربرايز، وصف فولفغانغ ليماخر، الرئيس السابق لقطاعي النقل وسلاسل التوريد في المنتدى الاقتصادي العالمي، هذا النموذج بأنه "[شكل من أشكال] تقليل المخاطر"، لا سيما وأنه يتيح للبائعين والمشترين ضمانات أقوى بشأن تسليم الشحنات فعليا، مع إضافة خيار آخر إلى سلسلة التوريد.
لكن التهديد الإيراني قد يؤثر على حجم عمليات النقل من سفينة إلى أخرى، إذ تعتزم 3 شركات تكرير هندية على الأقل وشركة طاقة عالمية كبرى تجنب السفن المدرجة على القائمة السوداء الإيرانية الجديدة، بما في ذلك عمليات النقل من سفينة لأخرى، وفقا لرويترز.
وأوضح ليماخر أن التهديد الإيراني قد يدفع المزيد من ملاك السفن إلى توخي الحذر بشأن استلام الشحنات من الناقلات المدرجة في القائمة السوداء، مما يقلص عدد السفن المتاحة لتلك العمليات، مضيفا أن "المسألة الآن ليست ما إذا كانت عمليات النقل ستتوقف، بل ما إذا كانت شركات التأمين والمستأجرين وأصحاب الشحنات سيواصلون التعامل معها. ويبدو أن ما ورد عن عزوف بعض الشركات عن التعامل مع السفن المدرجة على القائمة يشير إلى أن هذه المخاطر بدأت بالفعل تؤثر على القرارات التجارية".
جاء هذا التهديد في وقت بدأ فيه نموذج أدنوك يتسع وبدأت تتبناه شركات نفط إقليمية أخرى. إذ نقلت أرامكو السعودية الخام عبر المضيق على متن سفن مخصصة للنقل البيني قبل نقله قبالة سواحل الفجيرة أو صحار الشهر الماضي، واتبعت قطر للطاقة مؤخرا نفس النهج، لتعرض أولى شحناتها من الخام عبر عمليات النقل من سفينة إلى أخرى خارج مضيق هرمز. وتقدر ناتاليا كاتونا، محللة السلع في موقع أويل برايس، أن كميات الشحنات المنقولة من سفينة إلى أخرى تضاعفت لتصل إلى 3 ملايين برميل يوميا في يونيو، ارتفاعا من 1.5 مليون برميل يوميا في مايو، ونحو 500 ألف برميل يوميا في عام 2025.
لكن النموذج كان ينطوي على قدر من المخاطرة منذ البداية
يقول ليماخر: "كل حلقة إضافية في سلسلة التوريد ترفع التكاليف وتضيف مخاطر جديدة"، مشيرا إلى تكاليف مثل الوقود ومعدات وطواقم النقل من سفينة إلى أخرى، وسفن الدعم وعمليات المسح ووقت الانتظار والتأمين وغرامات التأخير. بالإضافة إلى ذلك، فإن نقل عملية التسليم خارج مضيق هرمز لا يكفي وحده للحد من التعرض للمخاطر الجيوسياسية. ويضيف ليماخر: "قد ننجح في تقليل المخاطر الأمنية التي تواجهها [السفن] في مضيق هرمز، لكن مواقع النقل الجديدة ستصبح هي الهدف. فلا يوجد حقل نفط أو غاز آمن في الوقت الحاضر، وقد تنظر شركات التأمين إلى لأمر من هذه الزاوية".
بالأرقام: أشارت كاتونا إلى أن معدلات التأمين ضد مخاطر الحرب في مضيق هرمز بلغت ما بين 7.5% و12.5% من قيمة السفينة في منتصف أغسطس. كما يُباع النفط الخام بأسعار أقل؛ صحيح أن الدول التي تمتلك خطوط أنابيب بديلة أو أساطيل من الناقلات، تستطيع بيع خامها بأسعار أعلى، لكن المنتجين الذين يعتمدون على الاستئجار الفوري يضطرون إلى تقديم خصومات أكبر بكثير لتعويض المشترين، "لا سيما عندما يكون الملاك غير راغبين في دخول الخليج بأي ثمن تقريبا"، كما أوضحت كاتونا.
وأضافت كاتونا: "لذلك يمكن النظر إلى نموذج [تجارة النقل البيني] كآلية لضمان استمرار تدفق الصادرات، لا لزيادة القدرة على التصدير"؛ فحتى مع الاعتماد على عمليات النقل من سفينة إلى أخرى، بلغ متوسط التدفقات المقدرة للنفط الخام والسوائل البترولية عبر مضيق هرمز 4.9 مليون برميل يوميا فقط في الربع الثاني من عام 2026، مقارنة بنحو 21.6 مليون برميل يوميا قبل بدء الصراع.
ولهذا السبب تحديدا تعمل الإمارات على حل بديل طويل الأجل، مع تسريع وتيرة البناء في خط أنابيب "غرب-شرق" الجديد الذي سيضاعف سعة تصدير الخام من الفجيرة، علما بأن تشغيله من المقرر أن يبدأ خلال العام المقبل.
لكن هذا الخط يحل مشكلة أدنوك، لا مشكلة المنطقة بأكملها. فالأهمية الاستراتيجية للفجيرة أعمق من أن تقتصر على خط أنابيب واحد، وهو ما يفسر سعي منتجين آخرين إلى الاستفادة منها أيضا.
وضع الفجيرة ضمن المشهد الأوسع
يتحول تكثيف الاعتماد على الفجيرة إلى حل إقليمي مشترك، وليس مجرد مشروع لأدنوك يستفيد منه منتجون آخرون بالصدفة. فالكويت، التي لا تملك طريقا لتجاوز مضيق هرمز لتصدير خامها، تجري حاليا محادثات لتوجيه الخام عبر السعودية وسلطنة عمان والفجيرة بدلا من ذلك، وفقا لصحيفة ذا ناشيونال.
لكن هل تملك الفجيرة الطاقة الاستيعابية الكافية؟ تبلغ سعة تخزين النفط في الإمارة حاليا نحو 18 مليون متر مكعب، وفقا لبيانات ميناء الفجيرة، وهناك نحو 1.5 مليون متر مربع من الأراضي المستصلحة المخصصة لمزيد من التوسع بحلول عام 2028.
وهذا ما يجعل الفجيرة أكثر من مجرد نقطة لالتقاء الناقلات في عرض البحر. فهي ثالث أكبر مركز لتزويد السفن بالوقود في العالم بعد سنغافورة وروتردام، بفضل الاستثمارات الضخمة الممتدة منذ ثلاثة عقود لتطوير خطوط الأنابيب ومرافق التخزين والأرصفة. ورغم أن ميناء صحار العماني الواقع على بعد 150 كيلومترا جنوبا يسعى من سنوات إلى مزاحمتها على تلك المكانة، فإن الحرب دفعت المزيد من خام المنطقة نحو كلا الميناءين في آن واحد.
لكن التخزين ليس هو العائق، بل غياب التنسيق. لا تتوفر إحصاءات دقيقة ومستمرة لعدد السفن الراسية في الفجيرة، لكن البيانات المتاحة تشير إلى الاتجاه نفسه. فقد سجلت صور الأقمار الصناعية في 25 أغسطس ست عمليات نقل متزامنة قبالة الفجيرة وحدها، ضمن 20 عملية نقل متزامنة عبر خليج عمان في ذلك اليوم، بما يشمل عمليات عند صحار وميناء شناص العماني، وفق بيانات رصدتها منصة مسبار، ارتفاعا من نحو أربع ناقلات رصدتها أقمار بلومبرغ قبالة الفجيرة وصحار معا في منتصف يوليو. وتتنافس حاليا المزيد من الناقلات على مواقع الرسو نفسها وعلى العدد المحدود من الطواقم المدربة.
وأوضحت كاتونا أن التوسع في النموذج يتطلب العثور على مزيد من الناقلات ومعدات النقل المتاحة، فضلا عن زيادة عدد ملاك السفن والطواقم المدربة وشركات التأمين المستعدة لقبول مخاطر العبور. وذلك بالإضافة إلى قيود أخرى مثل ملاءمة الظروف الجوية لتنفيذ عمليات النقل، وتزامن حركة السفن وعمليات الصيانة.
هل من انفراجة قريبة؟ تجري موانئ دبي العالمية محادثات لبناء ميناء جديد متعدد الأغراض ومحطة منفصلة للحاويات في الفجيرة، مما سيضيف المزيد من سعة الرسو والأرصفة. لكن ذلك الميناء المحتمل ما زال في مرحلة المحادثات؛ إذ جرى الاتفاق على الشروط دون تأكيد التمويل حتى الآن. كما أن خطط موانئ دبي العالمية تركز على الحاويات والبضائع العامة وليس النفط الخام، ما يجعل مدى مساهمة هذه التوسعات في تخفيف الضغط على مناطق الرسو المستخدمة في عمليات النقل من سفينة إلى أخرى غير واضح حتى الآن.
أما فيما يخص توفير الناقلات، فتتخذ أدنوك خطوات استباقية؛ إذ استأجرت نحو 15 ناقلة نفط خام هذا العام وحده لضمان استمرار تجارة النقل البيني، كما خصصت شركة أدنوك للإمداد والخدمات نحو 2.7 مليار دولار للاستحواذ على سفن جديدة خلال العام الجاري، بما في ذلك ست ناقلات نفط خام عملاقة أتمت شراءها في الأسابيع القليلة الماضية، وهي نفس فئة الناقلات العملاقة التي تتسلم الخام المنقول عبر عمليات النقل البيني في مناطق الرسو مثل الفجيرة.