بدأ اتجاه ترميز الأصول المادية ونقلها إلى شبكات البلوك تشين يتسع ليشمل صناديق الثروة السيادية، في تحول ظهرت بوادره بالفعل. إذ حوّلت مبادلة كابيتال أحد صناديقها في الأسواق الخاصة إلى أصول مرمزة عبر شراكة مع شركة كايو المزودة للبنية التحتية للبلوك تشين. وأتاحت هذه الخطوة الصندوق الذي كان مقتصرا في السابق على مستثمرين مؤسسيين محددين أمام شريحة أوسع بكثير.
وبالانتقال إلى أسواق خليجية أخرى، نفذت السعودية أول عملية نقل لملكية صك عقاري مرمّز ضمن سجل سيادي في أوائل عام 2026. وفي الوقت نفسه، يتجه مركز قطر للمال لإدراج آلية ترميز العقارات، لتعزيز السيولة وتسهيل الدخول إلى هذا القطاع.
تأتي هذه التطورات ضمن توجه عام وليس حالات فردية، إذ تتطلع الصناديق السيادية الخليجية إلى تقنية الترميز لتعزيز مرونة محافظها الاستثمارية، ضمن أجندات تحول رقمي أوسع نطاقا، حسبما صرحت جولي كساب، رئيسة قطاع صناديق الثروة السيادية لدى ديلويت، لإنتربرايز في وقت سابق. وتعمل الصناديق حاليا على تقييم واختبار جاهزية البنية التحتية والوضوح التنظيمي والحوكمة قبل التطبيق الكامل للتقنية ضمن أطرها التشغيلية.
رهان طويل الأجل وليس حلا سريعا
تتعامل الصناديق السيادية مع الترميز كأداة إضافية تُكمل استراتيجيات إدارة رأس المال المنضبطة التي تميز صناديق الثروة السيادية، وفقا لما قالته كساب لإنتربرايز. وأضافت أن الفائدة الرئيسية للترميز تكمن في إمكانية توسيع قاعدة المستثمرين وإتاحة الخيارات لتسييل أجزاء صغيرة من الأصول.
وتبرز كذلك ميزة الحفاظ على السيطرة الاستراتيجية، إذ تتمكن الصناديق من الإبقاء على هياكل الحوكمة والملكية طويلة الأجل، مع جذب رؤوس أموال جديدة لتغذية التدفقات النقدية وتعزيز أصول محددة، بحسب كساب. وبإيجاز، يتيح الترميز مشاركة دولية أكبر دون المساس بالسيطرة الاستراتيجية على الأصول الوطنية.
كفاءة التشغيل: إلى جانب الاحتفاظ بالسيطرة الاستراتيجية على الأصول وإتاحة التوسع في المحافظ الاستثمارية بفضل رؤوس الأموال الخارجية، يمكن لهذه الأداة تعزيز الكفاءة التشغيلية من خلال أتمتة المدفوعات، وتسهيل إجراءات انضمام المستثمرين وتوظيف رؤوس الأموال، وفق ما قاله خورخي كاراسكو، العضو المنتدب لدى "إف تي آي" للاستشارات، لإنتربرايز.
الشرائح والقطاعات المستهدفة
من قد يشارك في هذا التوجه؟ ترى كساب أن المستثمرين المؤسسيين ممن لديهم تفويضات لاستثمار أصول رقمية، لا سيما الكيانات الآسيوية والأوروبية ذات الخبرة في البنية التحتية والعقارات المرمزة، هم الأكثر إقبالا في الوقت الحالي على التفاعل مع الأصول المرمزة في دول الخليج.
كما تبدي المكاتب العائلية أيضا بوادر اهتمام مبدئي بهذا التوجه، إلا أن التوسع في تبني هذه التقنية يعتمد على التوافق التنظيمي وزيادة الشفافية على مستوى الأصول، بحسب تصريحات كساب.
وعلى صعيد القطاعات، يمكن للترميز أن يلعب دورا محوريا في مشاريع البنية التحتية واسعة النطاق، والمشاريع العقارية، وصناديق الأسواق الخاصة، مما يتيح للمستثمرين السياديين الوصول إلى رؤوس الأموال العالمية مع الحفاظ على السيطرة طويلة الأجل، بحسب كاراسكو.
وشهد ترميز العقارات بداية قوية في الإمارات على وجه الخصوص، إذ اكتسب القطاع رواجا كبيرا عقب تدشين دائرة الأراضي والأملاك في دبي المرحلة الأولى من مبادرتها للترميز العام الماضي. وانتقلت المبادرة منذ ذلك الحين إلى المرحلة التالية التي تسمح بتداول الحصص العقارية المرمزة في السوق الثانوية.
ويمتد هذا الزخم حاليا إلى مجالات أخرى، تشمل الودائع المرمزة والذهب.
التنظيم عنصر جوهري للانتشار على نطاق أوسع
أشارت كساب إلى أن تطبيق الترميز يعتمد على اليقين القانوني، واللوائح التنظيمية الواضحة، والأطر القابلة للتطبيق عبر الحدود، وثقة المستثمرين. وستحتاج صناديق الثروة السيادية الخليجية إلى أطر تقييم وتحقق مستقل، تتكامل مع أنظمة أمانة الحفظ وإعداد التقارير، لضمان تعبير الرموز الرقمية عن القيمة الفعلية للأصول في الوقت الحقيقي.
وفيما يتعلق بالرموز التي تعكس القيمة اللحظية للأصول، يشير كاراسكو إلى أن العمليات التي تجمع بين حسابات صافي قيمة الأصول، وتدفقات البيانات، وآليات السك والفداء الخاضعة للرقابة، تساعد في تقييم الرمز الرقمي بدقة.
البعد الدولي: تضيف كساب أن التنسيق بين الجهات التنظيمية والبنوك المركزية عبر النطاقات القضائية المختلفة يظل أمرا حاسما للتوسع عبر الحدود والانتشار على نطاق أوسع، مشيرة إلى الحاجة لوضع قواعد مشتركة للحفظ والإفصاح والتسوية وحماية المستثمرين. وأكد كاراسكو أن توفر الأطر التنظيمية المعمول بها مهم جدا لصناديق الثروة السيادية، لا سيما في المعاملات عبر الحدود.
تحرك استباقي: أشار كاراسكو إلى أن البنوك المركزية في دول الخليج قد حددت بالفعل أطر ترخيص الأوراق المالية المرمزة أو تعكف حاليا على تطويرها.
التحديات القائمة
نظرة موجزة على التحديات المستقبلية: تنبع أبرز تحديات التوسع من القيود التنظيمية المفروضة على الأصول التي يمكن إتاحتها، خاصة للمستثمرين الأفراد، بحسب كاراسكو. ولتحقيق مشاركة واسعة من هذه الفئة، ينبغي تسهيل الوصول إلى الأصول، إلى جانب تطور منصات التوزيع المنظمة لإتاحة خيارات المشاركة للأفراد.
ما الخطوة التالية؟
قد يتحول الترميز إلى أداة رئيسية لتوظيف رؤوس الأموال السيادية بحلول عام 2030، حسبما قال كاراسكو، مما يتيح مشاركة أوسع للمستثمرين في المشاريع السيادية الضخمة مع زيادة سرعة دوران رأس المال وخيارات التخصيص والشفافية. وأضافت كساب أنه مع تكيف الاستراتيجيات مع اقتصاد رقمي بدرجة أكبر، سينضم الترميز إلى مجموعة أوسع من الأدوات لتسهيل توظيف الأموال وتوسيع المشاركة الدولية.
هل يحل الترميز محل الهياكل الحالية؟ يمكن للأصول المرمزة العمل جنبا إلى جنب مع السجلات العقارية وهياكل الصناديق القائمة، لتؤدي أدوارا مختلفة داخل المنظومات الاستثمارية، بحسب كساب. ومع تطور الأطر التنظيمية، قد تنتقل السجلات إلى شبكات البلوك تشين، وفقا لكاراسكو. وفي منطقة الخليج، تمهد المبادرات الأولية، مثل تحديث السجلات العقارية، الطريق أمام تقنية الترميز لإحداث تحول في البنية التحتية لملكية الأصول.
وباختصار، فإن زيادة اعتماد صناديق الثروة السيادية على الترميز تعكس التطور الأوسع في البنية التحتية المالية ونماذج توظيف رؤوس الأموال، بحسب ما قالته كساب.