سجلت وتيرة التوظيف في الإمارات أول انكماش ربع سنوي منذ أكثر من أربع سنوات. إذ أظهر مؤشر التوظيف في دول الخليج للربع الثاني الصادر عن شركة كوبر فيتش، والذي اطلعت عليه نشرة إنتربرايز، تراجع نشاط التوظيف في الإمارات بنسبة 4% على أساس ربع سنوي خلال الربع الثاني، وهو التراجع الأكبر في مستويات التوظيف منذ أغسطس 2020. غير أن الدوافع وراء هذه الأرقام تبدو أكثر تعقيدا؛ إذ تمضي الشركات في عمليات البحث عن المرشحين حتى المراحل النهائية، ثم تقرر في النهاية عدم تعيين أي منهم.
تواصل الشركات إجراء مقابلات التوظيف حتى المرحلة الاخيرة "لكنها لا تتخذ قرار التعيين النهائي"، حسبما علق تريفور ميرفي، الرئيس التنفيذي لشركة كوبر فيتش، في تصريحات لنشرة إنتربرايز. ويرى ميرفي أن حالة الجمود والترقب الحالية مستمرة منذ عدة أشهر، وتجاوزت التوقعات الأولية بانتهائها في يونيو ثم يوليو، لتصبح حالة مستمرة ليس لها إطار زمني واضح.
الأسباب: يوضح ميرفي لنشرة إنتربرايز أن السبب لا يعود إلى صدمة واحدة مفاجئة، بقدر ما يعود إلى تكرار توقف واستئناف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. وأضاف أن "عدم اليقين هو العامل الأكبر في زعزعة الثقة، فقد تبدل المشهد فجأة، من صراع عسكري مباشر إلى توقيع مذكرة تفاهم للسلام. ثم جرى إغلاق [المضيق] وفتحه، ثم إغلاقه وفتحه مجددا"، مشيرا إلى أن دوامة التوقف والاستئناف هذه أسوأ من الصراع المستمر الذي تكون توقعاته أكثر وضوحا. وقال: "إن تكرار التوقف والاستئناف يجعل الوضع في غاية الصعوبة".
ويبدو مشهد التوظيف متباينا في المنطقة، ويرتبط بمدى تعرض كل دولة لاضطرابات طرق التجارة. فقد تراجع التوظيف في دول الخليج بنسبة 3% إجمالا في الربع الثاني، وسجلت قطر انخفاضا بنسبة 6% نتيجة اعتمادها على صادرات الطاقة والشحن إلى دول الخليج، فيما تراجع التوظيف في الكويت والإمارات بنسبة 4%، وفي البحرين بنسبة 2%. وفي المقابل، كانت السعودية وسلطنة عمان الدولتين الوحيدتين اللتين سجلتا نموا في معدلات التوظيف بنسبة 1% لكل منهما، ويعزى ذلك بشكل كبير إلى قدرتهما على تجاوز تداعيات أزمة مضيق هرمز. كما انخفض مؤشر مديري المشتريات في الإمارات لشهر يونيو إلى 50.8 نقطة، وهو أدنى مستوى يسجله خلال أكثر من خمس سنوات، في حين رفع البنك المركزي توقعاته للتضخم لعام 2026 إلى 2.3%، نتيجة ضغوط سلاسل الإمداد المرتبطة بالأوضاع الإقليمية.
وباستثناء هذه الأرقام الإجمالية، يتبين أن نشاط التوظيف لم يتوقف تماما، بقدر ما اقتصر على الوظائف التي لا يمكن للشركات الاستغناء عنها؛ إذ وجهت الشركات تمويلاتها نحو الوظائف المرتبطة بالتسليم الفعلي للمشاريع، وحماية الإيرادات، والرقابة المالية، والمتطلبات التنظيمية، واستمرارية العمليات، في حين أصبح من الصعب تبرير خطط التوسع. وبالنسبة للقطاعات المختلفة، نما نشاط التوظيف في قطاع التمويل بنسبة 5%، وفي قطاع إدارة الاستثمارات بنسبة 6%، مدعوما بنشاط الصناديق في أبوظبي العالمي ومركز دبي المالي العالمي، بينما ارتفع معدل التوظيف في قطاع التعدين بنسبة 5% بفضل تراخيص التنقيب في السعودية، وجميعها أنشطة حيوية مرتبطة بالإنتاج الفعلي ويمكن للشركات تبرير الجدوى من استمرارها.
القضية الأبرز: الذكاء الاصطناعي
ثمة بصيص أمل وسط هذه الأرقام القاتمة؛ إذ نمت وتيرة التعيين في الوظائف المرتبطة بالبيانات والذكاء الاصطناعي بنسبة 4%، رغم تراجع التوظيف في وظائف البرمجيات بنسبة 6%، ووظائف الخدمات السحابية بنسبة 4%.
وقد يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي يقاوم الانكماش الحالي، إلا أن ميرفي لا يبدو مقتنعا بذلك، فيقول إن "شركات التكنولوجيا الكبرى تبالغ في تسويق الذكاء الاصطناعي، مثلما بالغت في تسويق خدمات الأمن السيبراني والبيانات والاستشارات طوال مسيرتي المهنية". وأضاف أن "معدل النمو البالغ 4% الذي سجلناه قد يكون مجرد تعاف بعد هدوء الربع الأول"، أو ربما يعكس واقعا قاسيا للسوق، يتمثل في أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة تلجأ إليها الشركات بسبب حالة الجمود الراهنة، كطريقة للحفاظ على أعداد الموظفين الحالية أو خفضها مع ضمان استمرارية العمل.
ويرى آخرون أن الزخم الذي يشهده قطاع الذكاء الاصطناعي ملموس بالفعل في أسواق مثل الإمارات، وأنه بدأ قبل التباطؤ العام في سوق العمل. وفي هذا السياق، صرح بيفيك شارما، رئيس قسم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لدى "بي دبليو سي الشرق الأوسط"، قائلا إن "زخم الذكاء الاصطناعي في الإمارات يشير إلى بذل الجهد لدمج هذه التقنية في مختلف قطاعات الاقتصاد، وليس فقط في قطاع التكنولوجيا"، مشيرا إلى أن الطلب يتركز الآن على المواهب "القادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي في العمليات والخدمات وصنع القرار". ووفقا لمؤشر "بي دبليو سي" لوظائف الذكاء الاصطناعي حول العالم لعام 2026، تضاعفت نسبة الوظائف الشاغرة في الإمارات التي تتطلب مهارات الذكاء الاصطناعي ثلاث مرات، لترتفع من 1.0% في عام 2021 إلى 3.2% في عام 2025.
غير أن أرقام "بي دبليو سي" تحمل بعض المحاذير: فالمؤشر يغطي الفترة بين عامي 2021 و2025، مما يعني أن إطاره الزمني ينتهي قبيل التحول الأخير في مسار السوق، ويصف السنوات التي كانت لا تزال الإمارات توفر فيها فرص عمل جديدة، ولا يعكس حالة الجمود التي شهدها الربع الثاني من عام 2026. وحتى بالاستناد إلى بيانات الشركة نفسها، نجد أن نمو هذه الحصة يرتكز على قاعدة آخذة في الانكماش؛ فقد انخفض إجمالي إعلانات الوظائف المعروضة في شتى المجالات المتأثرة بالذكاء الاصطناعي بين عامي 2024 و2025، وكان التراجع أشد حدة في المهن الأكثر تأثرا بالذكاء الاصطناعي من غيرها. وبالتالي، فإن اقتناص الذكاء الاصطناعي لحصة أكبر من السوق في ظل انكماشها ربما لا يكون مؤشرا على نمو القطاع، بقدر قد يكون مؤشرا على حدوث تغير هيكلي في السوق نفسه.
خلفية: يتتبع مؤشر كوبر فيتش فرص العمل الجديدة في دول الخليج بناء على بيانات التوظيف الخاصة بالشركة، ويقيس الوظائف التي تسعى الشركات لشغلها فعليا في الوقت الحالي، وهذا ما يفسر رصده لحالة الجمود في الربع الثاني، والتي قد تغفلها الاستطلاعات الأوسع نطاقا التي تعتمد على إحصاء إعلانات الوظائف أو البيانات السنوية. أما مؤشر "بي دبليو سي" فيركز على إعلانات الوظائف، بغض النظر عن شغلها في النهاية من عدمه.
ماذا بعد؟
أصبح الذكاء الاصطناعي يؤثر فعليا في قرارات التوظيف في العديد من الشركات الإماراتية، ويتجلى أحد أوجه هذا التأثير في تقليص أعداد الوظائف. وبالنسبة لمنصة ثروة لإدارة الثروات الواقع مقرها في أبوظبي، هناك معيار أساسي الآن لاتخاذ القرار بشأن تعيين أي موظف جديد؛ إذ يقول الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة مارك شهوان في تصريحاته لإنتربرايز: "لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كنا نحتاج هذا الموظف أم لا، بل أصبح عمَّا إذا كان من الممكن أداء تلك الوظيفة بالذكاء الاصطناعي".
استخدمت منصة ثروة نموذجا للذكاء الاصطناعي مؤخرا لإجراء تدقيق لموقعها الإلكتروني باللغة العربية، وهي مهمة كانت تُسند إلى وكالات متخصصة حتى وقت قريب. ويوضح شهوان أن "الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى خفض التكاليف" في بعض المهام، مضيفا أن "هذه نوعية المهام التي يمكن إنجازها الآن في ساعة واحدة بدلا من أن يستغرق الأمر بضعة أسابيع".
وسيصير صقل مهارات فرق العمل أمرا بالغ الأهمية للعديد من الشركات مع تحول مهارات الذكاء الاصطناعي إلى متطلب أساسي، بغض النظر عن المسمى الوظيفي. فيقول شهوان إن تطبيقات الدردشة الآلية لدى ثروة تتولى حاليا نحو نصف الاستفسارات الواردة، مع حرص الشركة على الإبقاء على الدعم البشري وتوسيعه إلى جانبها. وفيما يخص التعيينات الجديدة، فإن ثروة لم تعد تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كفئة مستقلة بذاتها. ويقول شهوان عن ذلك: "يقول مهندس في ثروة من أصدقائي المقربين إنه لم يكتب ولو سطر برمجي واحد منذ فترة طويلة، لأن الذكاء الاصناعي أصبح يساعده في ذلك"، وأضاف أن "المسميات الوظيفية مثل مهندس الذكاء الاصطناعي ووظائف الذكاء الاصطناعي عموما ستختفي على الأرجح مع دمج هذه التقنية في كافة الوظائف".
أما شارما من "بي دبليو سي" فيرى أن "الفرصة الحقيقة لا تقتصر على تعيين نخبة من خبراء الذكاء الاصطناعي بتكاليف باهظة، بل تكمن في تزويد القوى العاملة عموما بهذه المهارات"، مؤكدا أن "[المؤسسات] التي تجمع بين توظيف المتخصصين في مجالات محددة وصقل المهارات على نطاق واسع ستكون في وضع أفضل للاستفادة على المدى الطويل"، وهو ما يتوافق تماما مع رؤية شهوان بأن الإلمام بالذكاء الاصطناعي سيصبح "جزءا من كافة الأدوار الوظيفية".
وفي حين أن هذا التوجه نحو صقل المهارات سيؤدي إلى تقليص العلاوات التي كانت تدفعها بعض الشركات مقابل مهارات الذكاء الاصطناعي العامة، فمن المرجح أن يحظى التنفيذيون في المناصب العليا ممن يمتلكون مهارات مميزة في الذكاء الاصطناعي بفرصة لطلب رواتب أعلى، ولفترة أطول قليلا على الأقل. وتقدر "بي دبليو سي" علاوة الأجور التي تدفعها الشركات مقابل مهارات الذكاء الاصطناعي في قطاع الخدمات المالية الإماراتي بنحو 92%، مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 16.8%. وردا على سؤال حول المنافسة في التوظيف وعلاوات الأجور، أجاب شهوان أنه يرى "أن الأمر يتعلق بالأقدمية والخبرة، أكثر من كونه يرتبط فقط بالذكاء الاصطناعي. فنظرا لأهمية هذا المجال بالنسبة للإدارة العليا والاستراتيجية بشكل عام، فإن الأجور المجزية ستكون من نصيب القادرين على التأثير وتوجيه فرق العمل، ومن يمتلكون المعرفة التقنية في الوقت ذاته".
ما سنتابعه في سوق التوظيف على المديين القصير والطويل: في المستقبل القريب، سيعتمد الأمر على وقف إطلاق النار، وليس التكنولوجيا. ويقول ميرفي عن ذلك: "من الصعب جدا أن يعود زخم التوظيف دون التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار". ويرجح ميرفي تعافي السوق تدريجيا ببطء، مع استقرار نشاط التوظيف خلال الربع الثالث، وتحسنه في الربع الأول من العام المقبل. ومع بدء التعافي، ستتضح المؤشرات طويلة الأجل، وما إذا كنا سنشهد تغيرات هيكلية في السوق، مثل استمرار نمو وظائف الذكاء الاصطناعي بينما تنكمش الفرص في سوق العمل عموما.