يتجاذب قطاع المطاعم في الإمارات اتجاهان متعاكسان، في ظل تداعيات الاضطرابات الإقليمية التي تعيد تشكيل أنماط الاستهلاك وهياكل التكاليف في جميع أنحاء الدولة. فصالات تناول الطعام باتت أكثر هدوءا، وأعداد السياح في تراجع، بينما تسابق المطاعم الزمن لاستيعاب الزيادات في تكاليف الخدمات اللوجستية، بالتزامن مع التقلبات الحادة وغير المتوقعة في مستويات الطلب.
وكالة فيتش تتوقع استمرار الضغوط: حذر السيناريو السلبي لوكالة فيتش للتصنيف الائتماني (بي دي إف) — والذي يفترض إغلاق مضيق هرمز لمدة ثلاثة أشهر ثم إعادة فتحه تدريجيا، وبلوغ أسعار النفط 100 دولار للبرميل حتى نهاية عام 2026 — من أن قطاعي المطاعم والفنادق في دول مجلس التعاون الخليجي يواجهان تهديدا ملموسا جراء الاضطرابات الممتدة، إذ يتعرضا لضغوط متزامنة ناجمة عن ضعف الطلب، واضطرابات سلاسل التوريد، وتأخر مسارات التعافي.
والأكثر تضررا من الوضع الحالي هي مشروعات المطاعم الفاخرة التي تعتمد بكثافة على السياح، والذين يتسمون بارتفاع نفقاتهم مقارنة بالمقيمين. ويرجع ذلك إلى أن قطاع الضيافة عموما سيواجه "ضغوطا شديدة" طوال العام، وفقا لما أوضحته إيلينا ستوك، المديرة في وكالة فيتش، والتي وصفت الوضع بأنه "سيناريو كارثي لقطاع الضيافة بأكمله"، مضيفة أن "التدفقات السياحية انقطعت كما لو أن هناك جائحة متفشية خلال العام".
وقد اضطرت بعض الفنادق إما للإغلاق تماما أو لفترة مؤقتة بدعوى إجراء أعمال الصيانة، في خطوة يُرجح أن هدفها هو خفض التكاليف في ظل تهاوي معدلات الإشغال بقدر كبير عن مستويات ما قبل الحرب، إذ هبطت من متوسط مواسم ذروتها البالغ 90% إلى نحو 16% في مارس. كما علقت المطاعم الواقعة داخل الفنادق المتاحة عملياتها، بما في ذلك مطاعم فندق أتلانتس الشهير بدبي.
نظرة مستقبلية قاتمة: قد يتراجع إجمالي الاستهلاك في الإمارات بنحو 12% هذا العام مقارنة بالتوقعات السابقة، إلا أن حوالي 70% من هذا التراجع يُتوقع أن ينجم عن ضعف استهلاك السياح وليس المقيمين، حسبما أفاد محللون في شركة ريدسير للاستشارات الاستراتيجية خلال ندوة عبر الإنترنت حضرتها نشرة إنتربرايز. وأشار المحللون إلى أنه من المتوقع أن تظل التدفقات السياحية أقل بنسبة 35%-40% مقارنة بمستويات عام 2025، وأنه من المحتمل أن يستغرق الأمر حتى عام 2029 لتتعافى السياحة تماما.
كما تلقى قطاع الفعاليات بالأخص ضربة قاسية. فيقول عمر شهاب، مؤسس مطعم بوكا، لنشرة إنتربرايز: "لقد تدمر مجال أعمال الفعاليات بالكامل".
ولم تسلم كذلك مطاعم الفئة المتوسطة من هذه الضغوط، نظرا لعدم قدرتها على تسعير خدماتها في مستوى المطاعم الفاخرة، وكذلك افتقارها إلى حجم الأعمال الذي تحظى به سلاسل الوجبات السريعة أو المشروعات المرتبطة بسلسلة القيمة في قطاع المطاعم، وفقا لستوك، التي أضافت أن "الفئة المتوسطة تتعرض دوما لقيود وضغوط".
وعلى الجانب الآخر، لم تتضرر بالقدر نفسه منصات التوصيل وسلاسل الوجبات السريعة والمطاعم المحلية التي تخدم الأحياء السكنية، إذ أثبتت تحليها بمرونة أكبر بفضل استقرار الطلب من المقيمين، ما يسرع من تحول الإمارات نحو اقتصاد استهلاكي يركز بشكل أكبر على تلبية احتياجات الأسر، حسبما يرى المحللون.
البيانات تعكس هذا الواقع بالفعل
بدأت مؤشرات تلك الضغوط تظهر في الخدمات المقدمة داخل المطاعم. إذ انخفضت طلبات تناول الطعام داخل المطاعم على منصة سيرف في الإمارات بنسبة قاربت 8% لتبلغ 4.57 مليون طلب في الربع الأول من العام، في حين تراجع عدد المطاعم التي تقدم هذه الخدمات من 621 إلى 577 مطعما، وفقا لبيان صحفي.
وتراجع إجمالي إيرادات تناول الطعام داخل المطاعم من 614 مليون درهم إلى 574 مليون درهم خلال الربع. ومع ذلك، لم يتأثر متوسط الإنفاق لكل طلب، بل ارتفع ارتفاعا طفيفا من 124 درهما إلى 125.5 درهم. ولا يشير هذا إلى تراجع إنفاق المستهلكين المحليين، وإنما إلى انخفاض عدد المطاعم وعدد الطلبات، نتيجة لضعف السياحة وتغير سلوكيات تناول الطعام، ما أثر سلبا على الإقبال على المطاعم.
على النقيض من ذلك، ارتفعت طلبات التوصيل عبر شبكة سيرف في الإمارات بنسبة 18% على أساس سنوي خلال الربع الأول من العام لتصل إلى 1.9 مليون طلب، رغم انخفاض عدد المطاعم التي تقدم خدمة التوصيل من 342 إلى 332 مطعما. وتمثل خدمة التوصيل الآن 29% من إجمالي طلبات المطاعم التي تعالجها المنصة في الإمارات، ارتفاعا من 25% قبل عام. كما ارتفع إجمالي إيرادات التوصيل عبر الشبكة بنسبة 15% على أساس سنوي ليصل إلى 150.7 مليون درهم خلال الربع، بينما ارتفع متوسط الإيرادات الفصلية لكل مطعم يوفر خدمة التوصيل بنسبة 18% ليصل إلى 454 ألف درهم.
ومرة أخرى، لا يبدو أن المستهلكين أصبحوا ينفقون مبالغ أكبر على كل طلب توصيل. فمتوسط قيمة طلبات التوصيل لم تشهد سوى تراجع طفيف من 79.55 درهم إلى 79.37 درهم، ما يشير إلى أن النمو يعود بالكامل تقريبا إلى زيادة وتيرة الطلب وليس زيادة حجم المشتريات.
وبالنسبة للمطاعم، يمثل هذا الفارق أهمية قصوى؛ فحسبما أوضح محللو ريدسير خلال الندوة "هذه أزمة إيرادات، وليست أزمة ثقة من جهة المقيمين"، موضحين أن معظم التباطؤ المتوقع في إنفاق المستهلكين يرجع إلى تراجع الطلب من جانب السياح وليس انخفاض إنفاق المقيمين.
لكن عادات الاستهلاك تتغير بين المقيمين
يتزايد توجه المستهلكين نحو خيارات الإنفاق الأبسط التي لا تتطلب الالتزام لفترات طويلة، مثل تناول القهوة السريعة بالقرب من المنزل، أو الأطعمة التقليدية المريحة، أو ارتياد مطاعم الفئة المتوسطة، أو طلب توصيل الطعام إلى المنزل. ويفسر شهاب ذلك قائلا: "لا أحد يرغب في تحمل التزامات كبيرة".
وتتوقع ستوك أيضا أن يتجه المستهلكون بشكل متزايد نحو الخيارات الأقل تكلفة مع ارتفاع الأسعار، وهو ما سيؤثر بشكل أكبر على مطاعم الفئة المتوسطة والمطاعم الفاخرة، بينما قد يفيد ذلك الوضع مطاعم الوجبات السريعة والمشروعات المرتبطة بسلسلة القيمة. وترى أن الشرائح الأقل تكلفة مهيأة أكثر لتحمل الظروف الحالية.
كما يجعل هذا التحول حركة الإقبال على المطاعم غير متوقعة على الإطلاق. ويقول المسؤولون بالقطاع إن الأرقام الإجمالية لأعداد مرتادي المطاعم قد تكون مضللة، فعطلات نهاية الأسبوع التي تتسم أحيانا بالازدحام تغطي على الضعف العام لنشاط المطاعم. ويضيف شهاب أن المطعم "يصل إلى طاقة استيعابه القصوى ليوم أو يومين كحد أقصى".
وتتفاقم الأزمة أيضا بسبب استمرار العديد من الشركات في العمل عن بُعد. فقد أُخليت المكاتب في مركز دبي المالي العالمي مجددا الأسبوع الماضي إثر التحذيرات الواردة من وزارة الدفاع بشأن تصديها لصواريخ وطائرات مسيرة، بل إن بعض الشركات حسبما علمنا لم تعد إلى مكاتبها على الإطلاق حتى الآن، وتحديدا تلك التي أُدرجت سابقا على "قائمة الأهداف" الإيرانية.
ولهذا تتعامل المطاعم حاليا مع أنماط للطلب شديدة التقلب، فتزدحم في عطلات نهاية الأسبوع، ثم يتراجع بعدها الإقبال، وتقصر الفترات التي يقضيها المستهلكون في تناول الطعام، وتتسم الحجوزات التي تتلقاها بعدم الانتظام. ويقول شهاب عن هذا الوضع إن "مهام جدولة المواعيد صارت عبئا كبيرا بسبب حالة الغموض هذه"، مضيفا أن "التخطيط أصبح مستحيلا [...] لا سيما عندما يتعلق الأمر بالأموال وجدولة ورديات الموظفين".
التكاليف هي العبء الأكبر
تقول ستوك إن "العامل الذي يسهم بأكبر قدر من الضغط هو التكاليف اللوجستية". فلا تزال المطاعم في جميع أنحاء الإمارات تعتمد بكثافة على المكونات المستوردة وسلاسل التوريد التي تتضمن أطرافا من خارج البلاد، ما يجعلها عرضة بشكل مباشر لارتفاع تكاليف الشحن والوقود والنقل. وتقدر ستوك أن ما بين 20% و50% من الزيادات في التكاليف عبر القطاع قد تُعزى في النهاية إلى الاضطرابات اللوجستية وتلك المتعلقة بالوقود وحدها.
وعلى عكس تجار التجزئة، لا تمتلك المطاعم دائما المرونة اللازمة لتغيير الموردين أو المكونات بين ليلة وضحاها بسهولة. ويقول شهاب في هذا الصدد إن المطاعم "لا يمكنها تغيير المكونات يوميا، ولا يمكنها تغيير الموردين يوميا كذلك".
وتؤكد المطاعم أن الموردين صاروا يمررون إليها بالفعل التكاليف المرتفعة على الفور. فيشير شهاب إلى أنه "سمع عن مطاعم تتسلم بضائع [...] وقد رُفعت أسعارها مسبقا". وقال أحد الموردين الذي تحدثنا إليهم مؤخرا من شركة كارني ستور للحوم الفاخرة إنهم يحاولون استيعاب التكاليف، لكن من الناحية الواقعية، من المرجح أن تظل الأسعار مرتفعة لأشهر حتى بعد انتهاء الاضطرابات وعودة الإمدادات إلى وضعها الطبيعي.
وضع البقاء
أسفر هذا المشهد عن قطاع يركز بشكل متزايد على الصمود من الناحية التشغيلية. فبدأت المطاعم في إعادة تصميم قوائم الطعام، وتبسيط الأطباق، وتقليص جداول التوظيف، وتخفيض ساعات العمل، والتفاوض أكثر مع الموردين، والاعتماد بكثافة على العروض التي تركز على القيمة، وفقا لما ذكرته وكالة رويترز مؤخرا.
ويقول شهاب إن "الناس يبحثون عن البساطة في الوقت الحالي"، مشيرا إلى أن المطاعم صارت تتيح قوائم طعام وأطباقا أبسط، وعروضا مجمعة، وتتعامل مع الحجوزات بمرونة أكبر. وأضاف أن "الجميع يحاولون حقا استغلال كافة الأفكار الممكنة".
كما أصبحت المطاعم أكثر حزما فيما يتعلق بالحد من الهدر والرقابة على المخزون. فيقول أليكس بونوماريف، الرئيس التنفيذي لشركة سيرف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن الظروف الحالية تجبر المطاعم على أن تصبح "أكثر دقة وحذرا في إنفاقها".
لكن إذا كان المزيد من الأشخاص يفضلون توصيل الطلبات بدلا من تناول الطعام بالخارج، فهل يمكن لمطاعم أكثر أن تغير نهجها؟
الأمر ليس بهذه البساطة. فيوضح بونوماريف أنه "في الإمارات تحديدا، من الصعب للغاية التوسع في خدمات التوصيل توسعا مكثفا"، مشيرا إلى مدى تشبع السوق. ويتفق معه شهاب قائلا إنه "لم يعد من الممكن ببساطة عرض قائمة طعامك لخدمات التوصيل فحسب".
ولهذا تتحمل المطاعم الجديدة بالسوق تكاليف تسويق باهظة، وتكلفة عالية لجذب العملاء، ومنافسة شرسة من العلامات التجارية الراسخة. ويرى شهاب أن المطاعم التي "لم تقم بواجبها خلال السنوات القليلة الماضية، سيتطلب الأمر منها جهدا وتكلفة أكبر بكثير".
من قد يخرج فائزا من هذه الأزمة؟
تبدو سلاسل الوجبات السريعة على وجه الخصوص أكثر قدرة على التكيف، بفضل مرونة قوائم أطعمتها وسرعة استجابتها التشغيلية، وقدرتها على تغيير مسارها بسرعة أكبر من المطاعم الفاخرة، حسبما ترى ستوك.
كما أن قطاعي التوصيل والتجارة السريعة قد يكونا من أكبر الرابحين على المدى الطويل من هذه الاضطرابات. وترى شركة ريدسير أن الظروف الحالية تسرع التحول الأوسع في الإمارات نحو أنماط الاستهلاك المدفوعة باحتياجات الأسر وبالرغبة في توفير المال والوقت. وتقول الشركة الاستشارية إن "تأثير الصراع الحالي على قطاع التجارة السريعة يشبه تأثير جائحة كوفيد على قطاع تجارة التجزئة الإلكترونية".
وتتوقع ريدسير نمو التجارة السريعة بوتيرة أسرع بنسبة تتجاوز 40% مقارنة بالتوقعات السابقة لهذا العام، مدفوعة بتزايد توجه المستهلكين نحو توفير الوقت والجهد، وتفضيلهم للقرب وسرعة تلبية الطلبات.
وقد تؤدي الظروف الحالية أيضا إلى تسريع عمليات الاندماج في كل من منظومة المطاعم وخدمات التوصيل. ويوضح بونوماريف أن "عددا أقل من المطاعم صار يتعامل مع طلبات أكثر بكثير، ما يولد إيرادات أعلى لكل فرع، ويمنح تلك المطاعم حصة أكبر من سلسلة التوريد".
ومما يدعم ذلك أن القطاع كان يتمتع بالفعل بوفرة في العرض.. بل فرط في العرض وفقا لبعض الآراء. فيقول شهاب إن "العرض يفوق الطلب بكثير" في قطاع الأغذية والمشروبات، مشيرا إلى أن هذا الخلل قد يصبح إحدي سمات الدورة القادمة لقطاع المطاعم في الإمارات. ولا تزال الإمارات واحدة من أكثر أسواق المطاعم تنافسية في العالم، ففي السنوات الماضية شهد السوق فيها معدلات إغلاق مرتفعة غير مسبوقة، حتى خلال فترات النمو الاقتصادي القوي.
ويشير شهاب إلى أن الوضع "كان دائما ما ينطوي على تحديات"، لكن الاختلاف هذه المرة في رأيه هو أن قدرة السوق بأكمله على التحمل تخضع للاختبار.
وتمتلك السلاسل الأكبر حجما مزايا هيكلية في مثل هذه الفترات، منها إمكانية التفاوض على المشتريات، وتوفر الكفاءات التشغيلية، ووجود بنية تحتية أقوى لخدمات التوصيل، وضوابط مركزية للتكاليف، وسهولة توفير رأس المال. وتتفق ستوك مع ذلك مشيرة إلى أن "الحجم دائما [يعد ميزة]"، ويضيف بونوماريف أن "العلامات التجارية الأقوى ستزداد قوة".
كما أن السلاسل الكبرى في وضع أفضل لحماية هوامش أرباحها من خلال التفاوض على صفقات الشراء، وتقليل تكاليف العمالة، وتحمل الضغوط قصيرة الأجل، بينما المطاعم الأصغر تضطر للتكيف فورا مع المتغيرات.