Posted inالخبر الأبرز اليوم

الإمارات تنسحب من الأوبك لمنح الأولوية لزيادة القدرة الإنتاجية على حساب الحصص

من المرجح أن يكون التأثير على المدى القريب طفيفا بسبب الاضطرابات الجارية، لكن الناتج المحلي الإجمالي قد يشهد دفعة إيجابية كبيرة على المدى البعيد

كانت خطوة خروج الإمارات من منظمة الأوبك وتحالف أوبك بلس متوقعة منذ فترة طويلة، حسبما ذكر لنا محللون، لكنها تأتي في توقيت حرج، في ظل ما تشهده أسواق النفط من اضطرابات شديدة وما يواجه اقتصاد الإمارات من ضغوط غير متوقعة بسبب الحرب الإقليمية.

فلطالما كانت الإمارات في خلاف مع أعضاء الأوبك بسبب سياسة تقليص حصص الإنتاج التي منعتها من الإنتاج بكامل طاقتها، رغم أنها عضو مؤسس في المنظمة منذ حوالي 60 عاما. لذا "فمن المرجح أن هذه الخطوة كانت قيد التحضير منذ فترة طويلة"، حسبما قال لنا هاري تشيلينغيريان المحلل الاستراتيجي المختص بأسواق النفط العالمية والرئيس السابق لقسم الأبحاث في مجموعة أونيكس.

وأضاف تشيلينغيريان أن "الإمارات كانت بحاجة إلى تحرير إنتاجها من قيود نظام الحصص، ليس فقط من أجل العقود الآجلة لخام مربان الذي تنتجه، وإنما أيضا من أجل تنميتها الاقتصادية على المدى الطويل، واستخدام عوائد النفط لتمويل تحولها الاقتصادي طويل الأمد". ويأتي ذلك رغم توجه الأوبك نحو تحديد الحصص بناء على القدرة الإنتاجية، بهدف تحسين مواءمة الكميات المستهدفة مع الإنتاج الفعلي.

لكن التعديلات على نظام الحصص، والزيادات التي أقرها التحالف مؤخرا، كانت مجرد مسكِّن مؤقت وليست حلا حقيقيا. "ففي اجتماعات الأوبك السابقة، كانت الزيادات المتفق عليها مع السعودية لرفع مستوى الإنتاج المرجعي للإمارات وحصتها المقررة حلا قصير الأجل لمشكلة أكبر طويلة الأمد؛ وهي زيادة القدرة الإنتاجية للإمارات لتوفير السيولة اللازمة لعقود مربان الآجلة المتداولة في بورصة أبوظبي إنتركونتيننتال والخاصة بالخام المتفق على تسليمه فعليا"، حسبما أضاف.

كلمة السر هي المرونة، وقد وردت بوضوح في بيان الإمارات الرسمي عن هذه الخطوة. إذ جاء في البيان أن القرار "يعكس تطور سياسات قطاع الطاقة في الإمارات، بما يعزز المرونة في الاستجابة لديناميكيات السوق، مع استمرار المساهمة في استقراره بطريقة مدروسة ومسؤولة". وبغض النظر عما كانت تستند إليه حصة الأوبك، فقد كانت حصة محدودة على أي حال، أي قيد يمنع الإمارات من تخفيض الإنتاج أو إيقافه أو زيادته متى احتاجت إلى ذلك.

السياق: كانت الإمارات تخطط لزيادة قدرتها الإنتاجية إلى 5 ملايين برميل يوميا بحلول عام 2027، بدلا من 4.85 ملايين برميل حاليا. كما أنها اضطرت، مع عدة دول أخرى، للتعويض عن الإنتاج الزائد، إذ التزمت الدولة مؤخرا بسلسلة متدرجة من تخفيضات الإنتاج بدءا من أكتوبر 2025 وحتى يونيو 2026 لتعويض البراميل المنتجة فوق حصتها المقررة ضمن تحالف أوبك بلس.

هذه المرونة مطلوبة الآن أكثر من أي وقت مضى: فقد كان من المتوقع أن يكون اقتصاد الإمارات الأسرع نموا في دول مجلس التعاون الخليجي خلال العام الجاري، أما الآن، فيتوقع الكثيرون أن يواجه حالة من الركود أو الانكماش هذا العام بسبب تأثير الحرب على القطاع غير النفطي واضطرابات سوق النفط.

"وقد تسهم زيادة مرونة الإنتاج في تعويض التباطؤ في قطاعات مثل السياحة والتجارة والعقارات، مع تحقيق أقصى عوائد ممكنة من قطاع النفط والغاز والاستفادة من [الفرص الناتجة من] اضطرابات السوق بعد فتح المضيق بالكامل"، حسبما يقول حمزة القعود، الخبير الاقتصادي المعني بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في مذكرة بحثية (بي دي إف).

وفي ظل الاضطرابات الحالية، لا تستطيع الإمارات تصدير سوى نصف إنتاجها فقط تقريبا؛ لذا فمن المستبعد أن تؤدي هذه الخطوة إلى أي تغييرات ملموسة في الأمد القريب قبل انتهاء حصار المضيق. ولكن فور انتهائه، "سوف ترتفع معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي الإجمالية إلى مستويات أعلى بكثير، ما سيعزز قوة المؤشرات الحيوية مثل الأرصدة المالية (التي تحقق فائضا بالفعل على أي حال)"، وفقا لما صرح به إدوارد بيل، كبير المحللين الاقتصاديين ورئيس قسم الأبحاث في بنك الإمارات دبي الوطني.

توضيح بشأن الضغوط التي يواجهها اقتصاد الإمارات

تمتلك الإمارات سيولة وافرة، إذ تقدر وكالة ستاندرد آند بورز غلوبال الأصول السائلة لدى الدولة بنحو 211% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن المشكلة الأكبر، كما ذكرنا مرارا وتكرارا، تكمن في تأثر القطاع النفطي بالاضطرابات و تضرر سمعة الملاذ الآمن المأخوذة عن البلاد.

ويرى القعود أن "الدلائل الأخيرة على خروج رؤوس الأموال والتباطؤ الناجم عن الحرب تؤكد الحاجة إلى ضخ سيولة مالية"، مضيفا أن "هذا يتجلى في تزايد إصدارات الديون، وإجراءات الدعم الحكومي، والتقارير الواردة عن مناقشات حول ترتيبات مالية خارجية محتملة (مثل فتح خط لمقايضة العملات مع الاحتياطي الفيدرالي). لذا فإن زيادة إنتاج النفط يمكن أن تعزز القدرة المالية مباشرة وتدعم نشاط القطاع الخاص".

الخطوة تتعلق أيضا باستراتيجية الطاقة وطموحات الذكاء الاصطناعي لدى الدولة

تؤكد الإمارات منذ فترة أن العالم بحاجة إلى استثمار المزيد في الطاقة. وقد كررها سلطان الجابر وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة والرئيس التنفيذي لشركة أدنوك أمس، وأضاف في منشور على منصة "إكس": "أولوياتنا في أدنوك لم تتغير: تلبية احتياجات الطاقة المتنامية لعملائنا وشركائنا في أنحاء العالم بموثوقية ومسؤولية وطموح لتقديم المزيد ... بما يشمل النفط والغاز والكيماويات والطاقة منخفضة الكربون والمتجددة".

وسبق أن أكد الجابر مرارا أن طفرة مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي القادمة ستحتاج إلى المزيد من الطاقة، بكميات كبيرة. لذا فبينما يتجادل واضعو السياسات حول الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة، تتبنى الإمارات رؤية واحدة فقط مفادها أن احتياجات العالم من الطاقة ستزداد ولن تقل، والطلب لن يختفي. إذ ذكر الجابر في معرض أديبك نوفمبر الماضي أن استهلاك النفط من المتوقع أن يظل أعلى من 100 مليون برميل يوميا لما بعد عام 2040، بينما من المتوقع أن يرتفع الطلب على الغاز الطبيعي المسال بنسبة 50%.

يأتي هذا بينما "يعاني السوق العالمي نقصا في الإمدادات حاليا"، حسبما قال وزير الطاقة سهيل المزروعي في مقابلة مع "سي إن بي سي" (شاهد، 8:55 دقيقة)، مضيفا أن "هذا الوضع يتطلب سرعة الاستجابة للمتغيرات".

كما ينفي المسؤولون الدوافع الأخرى التي قد تنسب للقرار

إذ أضاف المزروعي أن "هذا القرار ليس له علاقة بأي من إخوتنا وأصدقائنا داخل المنظمة... فنحن نكن أقصى درجات الاحترام للسعوديين لقيادتهم لتحالف الأوبك".

وقد اختارت الإمارات هذا التوقيت لإعلان القرار لتتجنب أي تأثير شديد على أسعار النفط وعلى أعضاء منظمة أوبك، بحسب المزروعي، مستشهدا بإغلاق مضيق هرمز وما أسفر عنه من نقص الإمدادات في السوق.

وأوضح قائلا: "نؤمن بأن استقلالية اتخاذ القرار والتحلي بمسؤوليتنا تجاه تحقيق توازن السوق سيتيحان لنا اتخاذ إجراءات أفضل من خلال العمل بمفردنا بدلا من مواصلة العمل ضمن إطار المنظمة".

ما تأثير هذه الخطوة على الأوبك؟

بحكم الواقع التشغيلي، سيؤدي هذا الانسحاب إلى فقدان ما يتراوح بين 3 و4 ملايين برميل يوميا من القدرة المتاحة للمناورة عند الأزمات، كإغلاق هرمز أو انفجار خطوط الأنابيب، كما صرح ذكر فولفغانغ ليماخر، الرئيس السابق لقطاع سلاسل التوريد والنقل في المنتدى الاقتصادي العالمي، في تصريح لنشرة إنتربرايز

وفي الوقت نفسه، يبدو أن بقية أعضاء المجموعة يفتقرون إلى القوة اللازمة لمواجهة التحديات الحرجة: فإيران والعراق ليس لديهما ما يكفي من القدرات الفائضة المؤثرة، مما يعني أن قدرة الأوبك على معالجة نقص الإمدادات ستتضاءل مباشرة دون وجود الإمارات في المنظمة، حسبما صرح سيرجي فاكولينكو من مؤسسة كارنيغي لوكالة رويترز.

قراءة في واقع المعطيات: يرى ليماخر أن "معظم المشاركين يفتقرون إلى القدرات الإنتاجية الفائضة ويحتاجون إلى التنسيق الجماعي لحماية أنفسهم من التقلبات التي لا يمكنهم تجاوزها كل على حدة".

تقلبات متوقعة: سيؤدي خروج الإمارات إلى ضعف ركائز الأوبك الأساسية، وهو ما يشير إلى أن سوق النفط قد يصبح أكثر تقلبا عند انحسار الاضطرابات الحالية، مع تضاؤل قدرة المنظمة على إدارة الإمدادات، حسبما ذكر خورخي ليون المحلل في شركة ريستاد إنرجي لوكالة رويترز.

وتكمن مشكلة الأوبك فيما إذا كانت هذه الخطوة ستؤدي إلى "مزيد من التفكك في المنظمة"، حسبما كتب ديفيد أوكسلي كبير الخبراء الاقتصاديين المعنيين بالمناخ والسلع لدى كابيتال إيكونوميكس في مذكرة اطلعت عليها إنتربرايز.

"وإذا بدأ منتجون آخرون في منح الأولوية للحصة السوقية على حساب الالتزام بالحصص المقررة، ستتزايد الشكوك حول مدى قدرة الأوبك على الحفاظ على نظام السوق من خلال تعديل حصص الإنتاج بالتنسيق بين الأعضاء"، حسبما قال أولي هانسن رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك. وإذا انتشر عدم الالتزام بالحصص المقررة بين الأعضاء، فإن قدرة المنظمة على تشكيل السوق ستتحول من فرض الالتزام إلى إصدار بيانات صورية لا أكثر.

لذا فربما يشهد سوق النفط خلال الفترة المقبلة ضعف التنسيق وازدياد التركيز على المنافسة؛ فدعونا نتابع كيف ستدير الإمارات إنتاجها، وما إذا كانت السعودية ستعدل استراتيجيتها للتعويض.