Posted inرأي مخالف

الإمارات لا تسعى لاقتراض المال من واشنطن وإنما تريد إرسال رسالة

لا تريد الإمارات قرضا، لكنها بالتأكيد ترغب في الحصول على قدرات الحوسبة اللازمة للذكاء الاصطناعي وطائرات من طرز "إف-35" ومزيدا من الصواريخ الاعتراضية، وأن تحظى بمعاملة مرنة من لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة بمرونة، والقائمة تطول

الجميع يتحدث عن اتفاقية مقايضة العملات التي ورد أن الإمارات تناقشها مع الولايات المتحدة، لكن معظم الوسائل الإعلامية أخطأت في فهم حقيقة الأمر. فقد وصفتها العديد من الصحف — ونحن هنا نقصد نيويورك تايمز ووول ستريت جورنال — بأنها "قرض" و"شريان حياة"، لكنهم أساؤوا الصياغة.

فأولا؛ تمتلك الإمارات وفرة من الدولارات في البنوك، بإجمالي وصل إلى 300 مليار دولار بنهاية فبراير، لذا فالهدف ليس تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي. وثانيا: لم تستهلك الدولة سوى جزء ضئيل من ذلك المبلغ رغم توقف بعض مصادر النقد الأجنبي منذ بدء الحرب.

كما يمكن للإمارات الاقتراض من أسواق الدين العالمية بسهولة وبتكلفة منخفضة. فعلى سبيل المثال، قدم المستثمرون عروضا لشراء ما يقرب من 5 أمثال القيمة المعروضة في مزاد شهر أبريل لصكوك الخزينة الإسلامية الإماراتية البالغة قيمته 1.1 مليار درهم. وقد سعرت وزارة المالية الشريحة المستحقة في عام 2033 بفارق سعري طفيف بلغ 10 نقاط أساس فوق سندات الخزينة الأمريكية، لترسي بذلك أساسا مرجعيا لتسعير السندات طويلة الأجل المقومة بالدرهم.

إذن فلماذا قد تحتاج الدولة إلى "شريان حياة مالي" وهي تملك 300 مليار دولار في خزينتها؟ فكروا في الأمر من هذا المنظور: معظم الحيازات الدولارية لدى الإمارات قابعة في البنك المركزي أو حبيسة في محافظ الصناديق السيادية الكبرى، مثل جهاز أبوظبي للاستثمار ومبادلة، والقابضة (إيه دي كيو)، والعماد. وفي الوقت نفسه، يعاني النظام المصرفي نقصا في التدفقات الدولارية الواردة من تجارة النفط والسياحة بسبب الحرب، لكن البنوك ما زالت بحاجة إلى تسوية المعاملات التجارية وسداد المدفوعات وتجديد التزاماتها الدولارية. وماذا عن اتفاقية المقايضة إذن؟ إنها لن تكلف شيئا، وقد لا تستخدم أبدا، أي أنها بمثابة "تأمين رخيص".

فعادة ما تكون "اتفاقيات مقايضة العملات بين البنوك المركزية مجرد أدوات احترازية لضمان وجود السيولة عند الحاجة، وليست آليات تمويلية طارئة"، حسبما ذكر لنا أمجد ناصر مستشار الخدمات المصرفية والتمويل واستراتيجيات الاستثمار والتجارة، مضيفا أنها "تسمح للأطراف المتعاقدة بالحصول على العملة الأجنبية (التي غالبا ما تكون الدولار) مقابل العملة المحلية، على أن يسترد كل طرف عملاته في تاريخ لاحق. أي أن المقايضات تعد تأمينا احترازيا وليست مصدرا تمويليا أساسيا".

ما تريده الإمارات هو توفير بطاقة ائتمان مضمونة للحكومة. فما تواجهه الإمارات حاليا هو عدم توافر السيولة بالصورة التي تريدها، وليس نفاد النقد الجاهز، حسبما كتب ريان ليماند، المستشار السابق لحكومة الإمارات ومؤسس ورئيس شركة نيو فيجن لإدارة الثروات، في منشور على لينكد إن اقتبسناه سابقا. ويضيف ليماند: "الأمر لا يتعلق بمنح أموال، بل هو قرض للحصول على عملة مؤمن بوديعة من عملة أخرى، دون مخاطر ائتمانية على أي من الطرفين"، مشيرا إلى أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لديه اتفاقيات مقايضة قائمة مع البنك المركزي الأوروبي وبنوك اليابان وإنجلترا وكندا والبنك الأهلي السعودي، ولم تكن أي منها تتلقى "مساعدات"".

ومن جانبه أضاف ناصر أن اتفاقية المقايضة مع الاحتياطي الفيدرالي ستكون مصدة احتياطية مطمئنة، لأنها ستعزز الثقة في النظام المالي الإماراتي رغم قوة احتياطيات النقد الأجنبي والمركز الخارجي للدولة. ويشير ناصر في النهاية إلى أن هذه الاتفاقية من شأنها أن تعزز المرونة الاستراتيجية للإمارات وسط تغيرات مشهد التجارة العالمية والتقلبات المتزايدة.

ما مصلحة الولايات المتحدة؟

بداية، لا تريد الولايات المتحدة أن ترى دولا حول العالم تبدأ التخلص من سندات الخزانة الأمريكية، بسبب تداعيات حربها على إيران. إذ قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أمام مجلس الشيوخ أن "خطوط المقايضة، سواء كانت من الاحتياطي الفيدرالي أو الخزانة، تهدف إلى الحفاظ على استقرار أسواق التمويل [الدولارية] ومنع بيع الأصول الأمريكية بطريقة عشوائية. أي أن المقايضة ستفيد كلا من الإمارات والولايات المتحدة".

كما أن "هذه التحركات المالية قد تشير إلى سعي الإمارات لتعزيز تحالفها مع الولايات المتحدة بعد الهجمات الإيرانية خلال الحرب"، حسبما كتبت سيلين بتايش الخبيرة الجيواقتصادية وحمزة القعود المحلل الاقتصادي المعني بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مذكرة بحثية اطلعت عليها إنتربرايز، حيث أضافا أن المقايضة تمثل وسيلة لواشنطن "لمواجهة النفوذ الصيني في المنطقة"، لاسيما في ظل وجود تسهيلات قائمة مع بنك الشعب الصيني.

كذلك حذرت صحيفة وول ستريت جورنال من أن الإمارات ألمحت إلى أنها تدرس تسعير النفط باليوان الصيني، وانتشر هذا الادعاء كالنار في الهشيم، ليعزز السردية المستمرة منذ سنوات بأن روسيا والصين وبعض الأسواق الناشئة تحاول إقصاء الدولار من صدارة العملات العالمية المفضلة للتجارة والاحتياطيات.

لماذا قد تلوح الإمارات بتسعير النفط باليوان؟ يهدف ذلك إلى تحسين موقفها على طاولة المفاوضات. فمن ناحية، لا يمكن لأي إدارة أمريكية قبول أي تحد لهيمنة البترودولار. ومن ناحية أخرى، تتطلع الإمارات إلى تعزيز موقفها التفاوضي على عدة جبهات استراتيجية. وتشمل الأولويات الرئيسية ضمان استمرارية الحصول على الشرائح والمعالجات اللازمة لحلول الذكاء الاصطناعي (والتي كانت عقبة مستعصية حتى قررت أبوظبي النأي بنفسها عن التكنولوجيا الصينية)، بالإضافة إلى إعادة تزويد أنظمة الدفاع الجوي بالصواريخ الاعتراضية، والحصول أخيرا على طائرات "إف-35" (علما بأن هذا المسعى مازال يواجه عثرات). وبعيدا عن الأغراض الدفاعية، تريد الإمارات أن تحظى استثماراتها في الولايات المتحدة (التي جاءت بناء على طلب ترامب) بمعاملة تفضيلية من الجهات التنظيمية المتشددة، لا سيما لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة، و ترخيصات مسبقة لتسهيل الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية التقنية الحيوية. وفي نهاية المطاف، تسعى الإمارات لحجز مقعد لها على طاولة صياغة مستقبل المنطقة بعد الحرب. لذا فإن زيارة ولي عهد أبوظبي إلى بكين مطلع هذا الشهر كان لها مبررات وجيهة.

التوجه أكبر من الإمارات أو الولايات المتحدة

تعمل الإمارات أيضا على تعزيز مصداتها الاحتياطية المالية و"إبرام مزيد من اتفاقيات مقايضة الدرهم بعملات أخرى غير الدولار"، حسبما أوضح ناصر، مشيرا إلى وجود توجه أوسع نحو "إلغاء هيمنة الدولار" وتعميق الروابط المالية مع الأسواق الآسيوية. وتشمل الاتفاقيات الأخيرة مقايضة بقيمة 20 مليار درهم مع البحرين، بالإضافة إلى تسهيلات بقيمة 18 مليار درهم مع الصين في عام 2023 ومقايضة بقيمة 4.9 مليار دولار مع تركيا العام الماضي.