بدأت الشركات تشعر بوطأة ارتفاع تكاليف الوقود، لكن التأثير الأكبر ما زال يتغلغل في مفاصل الاقتصاد. فمن المتوقع أن تتكشف التأثيرات التتابعية لارتفاع تكاليف الوقود على قطاعات الشحن والغذاء والطيران وتجارة التجزئة تدريجيا خلال الأسابيع المقبلة، بدلا من أن تظهر دفعة واحدة، حسبما ذكر فيجاي فاليشا، رئيس قسم الاستثمار لدى سنشري فايننشال، في تعليق لنشرة إنتربرايز الإمارات الصباحية.
تذكر: شهدت أسعار الوقود في الإمارات ارتفاعا حادا في بداية الشهر الجاري، إذ قفزت أسعار الديزل بنسبة تجاوزت 70% والبنزين بنحو 30%، في ظل القفزات الملحوظة في أسعار النفط والغاز العالمية.
وأدت القفزة الكبيرة في أسعار الديزل إلى زيادة تكلفة نقل البضائع، ما تسبب في ارتفاع أسعار الشحن وخدمات التوصيل، التي عادة ما يظهر فيها تأثير زيادة الأسعار قبل القطاعات الأخرى، حسبما أضاف فاليشا. كما يتزامن ذلك مع اضطرابات الشحن التي ترفع بدورها تكلفة نقل الوقود والبضائع، ما يزيد من نفقات التأمين والنقل؛ وهو ما يعني أن الضغوط بدأت تؤثر في سلاسل التوريد، حتى لو لم تصل بالكامل إلى المستهلكين بعد.
ويأتي قطاعا النقل والخدمات اللوجستية في طليعة القطاعات المتأثرة بالضغوط؛ إذ أوضح فاليشا أن "بعض مقدمي خدمات النقل واللوجستيات بدأوا يفرضون رسوما إضافية مرتبطة بالوقود"، في حين بدأت بعض الشركات الصناعية ترفع أسعارها أيضا، بما في ذلك شركات مرتبطة بالبتروكيماويات والتعبئة والتغليف".
ويتفق معه محللون آخرون في أن قطاعات النقل واللوجستيات والإنشاءات وخدمات التوصيل هي الأكثر عرضة للتأثر، نظرا إلى أن الوقود يمثل حصة كبيرة من تكاليف تشغيلها، حسبما ذكر حمزة دويك، رئيس قسم التداول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى ساكسو بنك، في تعليق لنشرة إنتربرايز الإمارات الصباحية، مشيرا إلى أن القطاعات كثيفة استهلاك الوقود، والتي تشمل أيضا تجارة التجزئة، قد يمثل الوقود فيها ما بين 20% و40% من تكاليف التشغيل. وفي حين رفضت شركة ديليفرو التعليق على تأثير ارتفاع الأسعار على عملياتها، لم يتمكن فريق إنتربرايز من التواصل مع شركات أخرى مثل طلبات ونون قبل موعد النشر.
ثم تأتي قطاعات التجزئة والغذاء في المرتبة التالية، لا سيما مع تأثر قطاع الغذاء في ظل اعتماد الإمارات على الواردات. إذ تواجه المتاجر الكبرى ارتفاعا في تكاليف التوصيل والتغليف، كما أن الارتفاعات العالمية في أسعار الأسمدة والنقل تسهم في رفع أسعار الغذاء، وإن كان تأثيرها غير فوري، بحسب فاليشا.
وأشار دويك إلى أن الكثير من الشركات ما زالت تتحمل جزءا من الزيادة للحفاظ على تنافسيتها، لكن من المستبعد أن يستمر هذا الوضع إذا ظلت التكاليف مرتفعة، لا سيما للشركات العاملة في توزيع الأغذية والخدمات اللوجستية. وفي هذا الصدد، سبق أن صرح لنا مالك إحدى منصات تجارة اللحوم الفاخرة المستوردة بأن شركته استوعبت التكاليف المتزايدة حتى الآن رغم ارتفاع تكاليف الشحن.
وفي الوقت نفسه تواجه الفنادق والمطاعم ارتفاعا في تكاليف المستلزمات والخدمات اللوجستية، تزامنا مع انخفاض حاد في أعداد السياح الوافدين، ما يؤثر بشدة على هوامش ربحها.
فهذا الوضع يحصرها بين مطرقة الحاجة إلى خفض الأسعار لجذب المزيد من الزوار، وسندان تراكم تكاليف الغذاء والنقل والمواد الخام. ولعل هذا يفسر لجوء العديد من الفنادق إلى إغلاق أبوابها مؤقتا، لتستغل فترة التوقف لخفض التكاليف والتركيز على أعمال التجديد والصيانة، مثل فنادق برج العرب وبارك حياة وغيرها.
كما أعلنت سلسلة أتلانتس أمس تعليق العمليات مؤقتا في سبعة مطاعم، مشيرة إلى أنها "ستراجع حجم طلب النزلاء وتحسن استراتيجية قطاع المطاعم لديها"، ثم ستعلن إعادة الافتتاح بناء على ما سيؤول إليه ذلك، حسبما نقلت صحيفة خليج تايمز عن بيان رسمي.
متى سيشعر المستهلك بتداعيات هذا الارتفاع؟
نحن أمام سلسلة متتابعة من الارتفاعات السعرية المدفوعة بزيادة التكاليف؛ فالوقود يمثل عنصرا مباشرا في قطاعات النقل والمرافق، التي تشكل معا حوالي 10% من سلة المستهلك، وفقا لفاليشا. ومن المرجح أن يظل التأثير على مؤشرات الاقتصاد الكلي محدودا في الأمد القريب، لكن فاليشا حذر من أن الضغوط المطولة قد تؤدي إلى اتساع نطاق التأثيرات مع انتقال ارتفاع تكاليف النقل واللوجستيات تدريجيا إلى المستهلكين.
وأضاف فاليشا أن الأسر من المرجح أن تشعر بالتداعيات أولا من خلال ارتفاع تكاليف التنقل، ثم من خلال ارتفاع أسعار السلع والخدمات. كما تواجه شركات الطيران ارتفاعا في تكاليف وقود الطائرات، ومن المتوقع أن ينعكس على أسعار التذاكر بمرور الوقت.
إلى متى قد يستمر هذا؟ على حسب مآلات الحرب. إذ يرى دويك أن هذه قد تكون لدغة قصيرة الأمد نظرا إلى أن الإمارات مؤهلة لاحتواء تقلبات أسعار الوقود، لكن الاضطراب المطول قد يؤدي إلى ضغوط مستمرة على تكلفة المعيشة.
وحتى لو استقرت الظروف، فقد يستغرق الأمر وقتا حتى تعود سلاسل التوريد إلى طبيعتها وتخف ضغوط التسعير، بحسب فاليشا. وأضاف دويك أن تقلبات أسعار الوقود من المرجح أن تظل جزءا ثابتا من الظروف التشغيلية وليس مجرد اضطراب مؤقت.
ما المرتقب في الفترة القادمة؟ ستعلن الحكومة الأسبوع القادم عن أسعار الوقود للشهر المقبل، ويتوقع المحللان أن تظل الأسعار مرتفعة في الأمد القريب وسط التقلبات العالمية المستمرة، علما بأن سعر خام برنت يحوم حاليا حول 100 دولار، بعد أن سجل حوالي 120 دولارا في وقت سابق خلال الحرب.
آلية التسعير؟
أوضح فاليشا أن معظم الزيادة السعرية في أبريل جاءت بسبب صدمة عمليات الإنتاج، لكن القفزة الأكبر في سعر الديزل والبنزين كانت مدفوعة بضغوط عمليات التكرير والتوزيع، مضيفا أن "النفط الخام يشكل الأساس المرجعي للأسعار، لكن سوق الوقود الصناعي يشهد نقصا في الإمدادات لأسباب عدة، تشمل تقليص قدرات التكرير وانخفاض مستويات المخزون الاحتياطي، والتأخيرات اللوجستية التي فاقمت حدة هذا النقص".
وفي ظل تعليق عمليات بعض المصافي في المنطقة وتعثر الشحن، تعرضت سلسلة التكرير والتوريد للضغوط بوتيرة أسرع بكثير من تأثر إمدادات الخام، بحسب فاليشا.
وهذا يعني أنه رغم إسهام الهدنة في تقليص ارتفاع أسعار النفط قليلا، فمن المستبعد أن نشهد عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل الحرب قريبا.