ستستمر حالة الضبابية التي نعيشها أسبوعين آخرين على الأقل، وسط حالة من الترقب لحدوث أحد سيناريوهين: إما أن تؤدي المفاوضات إلى نهاية دائمة للصراع، أو أن نواجه واقعا حالك السواد دون التوصل إلى توافق في وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.

يعكف المحللون السياسيون والاقتصاديون في أنحاء العالم حاليا على دراسة ومناقشة ما قد تؤول إليه الأحداث. فمن ناحية، حملت الهدنة خبرا سارا لدول مجلس التعاون الخليجي، لأن هذه الاستراحة القصيرة قد تمنح الحكومات فرصة لترتيب استراتيجياتها والاستعداد لما هو آت على الأقل. لكن على الناحية الأخرى، ما زالت هناك تساؤلات عالقة بشأن نقاط الخلاف في مواقف الطرفين.

حتى الإعلان نفسه أظهر حالة من سوء التفاهم بين الأطراف المعنية؛ إذ صرح رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بأن الاتفاق يشمل كل الجبهات "بما يتضمن لبنان"، وهو ما نفاه الجانب الإسرائيلي لاحقا.

يتمسك الطرفان بمطالب ذات سقف مرتفع، وليس من الواضح ما إذا كان أي منهما مستعدا للتراجع عنها. فبينما تطالب الولايات المتحدة بإنهاء البرنامج النووي الإيراني، ووقف تخصيب اليورانيوم، وتفكيك قدرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل، تصر إيران على "تنسيق" حركة المرور في المضيق بنفسها والتمسك ببرنامجها النووي، فضلا عن رفع العقوبات بالكامل.

إسرائيل قد تقلب كل الموازين: يرى جاستن ألكسندر، مدير شركة خليج إيكونوميكس ومحلل شؤون دول مجلس التعاون الخليج لدى غلوبال سورس بارتنرز، أن "إسرائيل لديها مصالح مختلفة تماما عن الولايات المتحدة وقد تعرقل التوصل إلى اتفاق دائم، لا سيما إذا واصلت حربها في لبنان"، حسبما ذكر في تعليق لنشرة إنتربرايز الصباحية. وتتفق معه أمانديب أهوجا رئيسة الأبحاث في شركة كونفلوينس للاستشارات، قائلة إن إحدى أكبر العقبات في رأيها "هي غياب التنسيق بين السياسة الأمريكية والإسرائيلية"، مشيرة إلى أن التوافق قد يكون صعبا، حتى وإن بدا السلام أقرب من أي وقت مضى.

وبالفعل شنت إسرائيل أعنف هجوم على لبنان منذ اندلاع الحرب، ما أسفر عن مقتل 254 شخصا، وهو ما دفع إيران إلى إغلاق مضيق هرمز والتهديد بالانسحاب من اتفاق وقف إطلاق النار.

ماذا ستفعل دول الخليج الآن؟

سارعت الإمارات إلى إعلان "انتصارها" في أعقاب وقف إطلاق النار؛ إذ ذكر أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة في منشور على منصة إكس أن الدولة "انتصرت بدفاع وطني ملحمي"، وأن التركيز في المرحلة القادمة سينصب على "إدارة مشهد إقليمي معقد برصيد أكبر، ومعرفة أدق، وقدرة أرسخ على التأثير وصياغة المستقبل".

ومن المرجح أن تشهد فترة الأسبوعين تعزيزا للمنظومات الدفاعية. فربما تسعى دول مجلس التعاون الخليجي "إلى تنويع وتعميق ترتيبات التعاون الدفاعي [مع أطراف مثل أستراليا وإيطاليا وفرنسا]"، بحسب أهوجا، مضيفة أنها قد تسعى أيضا في الوقت نفسه إلى "تعزيز تدابير حماية مواقع البنية التحتية الرئيسية التي قد تستهدف، بما في ذلك الموانئ ومراكز البيانات وغيرها".

وتدرس عدة دول خليجية من بينها الإمارات والسعودية استخدام أنظمة دفاعية جديدة، تشمل طائرات مسيرة اعتراضية أوكرانية الصنع يبلغ سعرها 2500 دولار أمريكي، حسبما صرح تورو توكوشيجي الرئيس التنفيذي لشركة تيرا درون اليابانية لوكالة رويترز.

التوسع في الشرق الأوسط: أوضح توكوشيجي أن شركته، التي تعاونت مؤخرا مع شركة اميزينغ درونز الأوكرانية الناشئة لتطوير المسيرة الاعتراضية "تيرا إيه 1"، تخطط لتسويق هذه الطائرات دوليا، مع احتمالية تأسيس خطوط إنتاج في منطقة الخليج. ويذكر أن هذا النظام الاعتراضي لم يختبر بعد بالحرب، ومن المتوقع أن يخضع لتجارب ميدانية مع الجيش الأوكراني خلال الأشهر المقبلة.

تذكر: فرض اندلاع الحرب على دول الخليجإعادة النظر في استراتيجياتها الدفاعية، ما دفعها للبحث عن أنظمة دفاع جوي وصاروخي بديلة أقل تكلفة، بدلا من الاعتماد على أنظمة تكلف ما بين 3 إلى 12 مليون دولار لإسقاط طائرة مسيرة إيرانية الصنع لا تتجاوز تكلفتها 20 إلى 100 ألف دولار. وخلال لقاء جمع بين قادتي الإمارات وأوكرانيا، أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن بلاده على استعداد لتقديم أنظمتها الدفاعية لشركائها.

هل ستفكر دول الخليج في تعزيز إمكاناتها الهجومية؟ يقول أهوجا "إن النهج المتبع حتى الآن دفاعي لا هجومي، ومن المرجح أن يستمر هذا الوضع. ومع ذلك، نتوقع استعداد هذه الدول لتبني موقف هجومي عند الضرورة، رغم عدم وجود رغبة فعلية لديها للميل نحو هذا الخيار".

الإصلاح يستلزم استثمارات طويلة الأمد وسيستغرق وقتا

أضافت أهوجا أن "إصلاح القطاعات المتضررة بشدة قد يستغرق أمدا طويلا"، ويشمل ذلك الأضرار التي لحقت بمرافق النفط والغاز، بما في ذلك مجمع حبشان، والمنشآت الصناعية مثل موقع الطويلة التابع لشركة الإمارات العالمية للألمنيوم، والذي تعرض لضربات إيرانية أسفرت عن أضرار جسيمة ستستغرق عاما كاملا لإصلاحها واستئناف الإنتاج بالكامل.

ويقدر محللون أن الطاقة الإنتاجية للألمنيوم تقلصت بحوالي 3 ملايين طن سنويا، أي ما يمثل تقريبا نصف إنتاج الشرق الأوسط، وذلك بسبب توقف بعض العمليات في شركة الإمارات العالمية للألمنيوم وشركة ألمنيوم البحرين (ألبا)، فضلا عن إيقاف جزء كبير من إنتاج شركة ألمنيوم قطر نتيجة نقص الغاز الطبيعي، وفقا لما ذكره برايان هيس، خبير قطاع الألمنيوم والرئيس التنفيذي لشركة بيرينيال، في تعليق لنشرة إنتربرايز الصباحية، مضيفا أن هذا أدى إلى تفاقم نقص الإمدادات في السوق العالمية، والذي كان مقدرا قبل ذلك بنحو 360 ألف طن خلال العام الجاري، ليصل إلى ما يتراوح بين 2 و2.5 مليون طن في حال استمرار هذا التوقف.

وأشار هيس إلى أن قطاعات الصناعات التحويلية، بما في ذلك صناعات الطيران والسيارات والتعبئة والتغليف والإنشاءات، تواجه نقصا في الإمدادات وارتفاعا في التكاليف، ومشكلات محتملة في تخصيص الكميات المتاحة، مضيفا أنه يرجح وصول أسعار الألمنيوم في بورصة لندن للمعادن إلى 4 آلاف دولار للطن عما قريب، متقفا بذلك مع ما ذكره بعض المحللين لنا في وقت سابق.

الأولوية لاستعادة سمعة "الملاذ الآمن"

ترى أهوجا أن استعادة سمعة الملاذ الآمن "ستتطلب وقتا على الأرجح"، لكن البداية في رأيها ستكون من هذين الأسبوعين بالتأكيد، شريطة استمرار وقف إطلاق النار. وتضيف أنه بالنسبة للمستثمرين الساعين إلى توسيع شراكاتهم في المنطقة "قد تمنحهم هذه الفترة دفعة بسيطة لإعادة النظر في العودة، لكن العودة الكاملة تتطلب حلا دائما".

لكن الأسبوعين قد لا يكونا كافيين لاستعادة أولئك الذين غادروا بالفعل؛ حسبما ذكر مارك سيفيرز، السفير الأمريكي السابق لدى عُمان ومحلل السياسات في الشرق الأوسط، في تصريحاته لنشرة إنتربرايز الإمارات الصباحية، مضيفا أن من غادروا "قد يتريثون لفترة أطول قبل اتخاذ قرار بالعودة من عدمه، لأننا لا نعرف بعد ما إذا كان هذا الاتفاق دائما أم مؤقتا". جدير بالذكر أن سيفيرز نفسه يقيم في أبوظبي، ولم يغادرها منذ بداية الحرب، لأنه يرى، كالكثيرين ممن تحدثنا إليهم، أن الإمارات "ستخرج من هذه الأزمة أقوى من أي وقت مضى".

وبدأ بعض المصرفيين في قطاع الخدمات المصرفية الخاصة ممن غادروا الدولة بالفعل يفكرون في العودة إليها بعد أنباء وقف إطلاق النار. صحيح أن الانطباع العام ما زال يتأرجح بين الشك والثقة، لكن بعض المسؤولين التنفيذيين شرعوا بالفعل في وضع خطط للعودة، بحسب بلومبرغ.

وصرح لنا مسؤول في أحد البنوك الكبرى بأن البنك سيواصل اتباع نظام العمل عن بُعد بالكامل هذا الأسبوع، لكنه يراقب الوضع الحالي عن كثب.

من المرجح استمرار الاضطرابات.. للمدى القريب على الأقل

سيكون مضيق هرمز عاملا حاسما، شريطة أن يظل مفتوحاً أمام الملاحة. ويرى سيفيرز "أن الجميع سيحاول الاستفادة من هذه الفرصة بما يخدم مصالحهم"، معربا عن أمله في التوصل إلى اتفاق يضمن بقاء المضيق مفتوحا؛. صحيح أن ذلك لم يتحقق حتى الآن بعد الأحداث التي وقعت أمس، لكن حتى وإن تحقق، يجب تقليل المخاطر المحيطة بالمرور فيه.

أوضح سيفيرز أن شركات الشحن "ستظل مترددة في تجربة المرور عبر المضيق حتى يتضح تماما أنه أصبح آمنا"، وقد يتطلب الأمر أيضا "تشكيل تحالفات مؤقتة من القوات البحرية لمرافقة السفن". وسبق أن أعلنت البحرين والإمارات استعدادهما للانضمام إلى تحالف كهذا، علما بأن الولايات المتحدة قادت مبادرات مشابهة في السابق.