لم يستكمل ديريك داي دراسة الدكتوراه لخوض مسيرة مهنية في مجال التمويل، لكنه بعد بضع سنوات وجد نفسه في عالم العملات الرقمية. جذبته الطبيعة الابتكارية لهذا العالم، لذا ترك شغفه يقوده نحو هذا المجال إيمانا منه بأنه يمثل "المرحلة التالية في مجال التمويل".
في أواخر عام 2020، استقر داي في دبي، وهو الآن يترأس منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى منصة بايبت، التي تعد ثاني أكبر منصة لتداول العملات الرقمية من حيث حجم التداول. كما أنها المنصة الأولى التي تحصل على ترخيص هيئة الأوراق المالية والسلع، وذلك في أكتوبر الماضي، وهي تعمل منذ ذلك الحين على طرح منتجات مخصصة للمستثمرين المحليين.
في كل أسبوع، نلتقي ضمن فقرة روتيني الصباحي مع أحد الأفراد البارزين في مجتمعنا لنعرف كيف يبدأون يومهم، كما نطرح عليهم بعض الأسئلة المتعلقة بأعمالهم. وفي هذا الأسبوع، تحدثنا مع داي (لينكد إن) عن روتينه، وكيفية حفاظه على التواصل مع فريقه حتى في خضم الحرب الإقليمية الجارية، وحالات الاستخدام المختلفة التي تجعل العملات الرقمية تحظى بشعبية كبيرة في الإمارات.
إنتربرايز: نحاورك اليوم ضمن فقرة اسمها روتيني الصباحي، وجميعنا نشهد حاليا بعض الاضطراب في روتيننا المعتاد. فكيف هو الحال في مقر بايبت الرئيسي؟
ديريك داي: الأحداث الأخيرة لم تؤثر تأثيرا كبيرا على عملياتنا اليومية. ففريق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعمل بطريقة عالية الكفاءة؛ لأن جميع أعضاء الفريق موزعون في مدن ومناطق مختلفة، لذا يمكننا إنجاز العمل بسرعة. أعتقد أن هذا وضع معتاد لشركات تقنيات "الويب 3"، حيث يمكن إنجاز معظم العمل عبر الإنترنت.
الاستثناء الوحيد هو أننا لم نعد نلتقي كثيرا. لكني أعقد اجتماعات يومية مع فريقي عبر الإنترنت، لمدة 30 دقيقة تقريبا كل يوم، حيث نستعرض بيانات السوق والأرقام، ونناقش ما يحقق النتائج المرجوة وما لا يسير على ما يرام. هكذا يمكننا تتبع تقدم كل مشروع نعمل عليه وإجراء التعديلات بسرعة كلما احتجنا إلى ذلك.
إنتربرايز: لماذا نقلت بايبت مقرها الرئيسي إلى دبي؟
ديريك داي: الإمارات هي مركز مجال البلوكتشين والعملات المشفرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بلا منازع. فهي تحتل مرتبة عالية من حيث الجاهزية المؤسسية والتنظيمية والكوادر، وكذلك البنية التحتية المالية والضريبية المتطورة. وأعتقد أن دبي واحدة من الأماكن القليلة التي يواكب فيها التنظيم تدفقات رأس المال وجهود التنفيذ. فمعظم الأسواق لا تسير بهذا النهج؛ بل تتحرك بالتسلسل، بدءا بالتنظيم أولا، ثم البنية التحتية، ثم التبني.
وفوق ذلك، هناك إقبال على العملات المشفرة بالفعل؛ فنحن نرى الكثير من المستخدمين المتمرسين في دبي. وإذا نظرت من منظور أوسع، ستجدين أن دبي لا تخدم الإمارات فحسب، بل تعد مركزا لتدفقات رأس المال عبر مناطق مختلفة، من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى رابطة الدول المستقلة وجنوب آسيا.
نشهد هنا زخما كبيرا من النشاط المالي الحقيقي؛ فالناس يربحون الأموال ويرسلونها ويحولون بين العملات المختلفة، ويستثمرون أيضا. وما يميز دبي أيضا هو تركيزها القوي على الابتكار، وهو أمر نقدره كثيرا.
إنتربرايز: ما هي أولويتك الرئيسية الآن في عام 2026، بعد حصولكم على رخصة تقديم خدمات الأصول الافتراضية قبل بضعة أشهر فقط؟
ديريك داي: انضممت إلى بايبت في أوائل يناير. كنا أول منصة تداول تحصل على ترخيص هيئة الأوراق المالية والسلع، لذا فنحن الآن خاضعون تماما للمعايير التنظيمية، وما نفعله هو محاولة إنشاء بنية تحتية للعملات الورقية [لدعم تعاملات العملات المشفرة في الإمارات]. وبالفعل أصبحنا نقدم عددا من خدمات العملات التقليدية للمقيمين في الإمارات ولأولئك الذين لديهم حسابات مصرفية داخل الدولة، بالإضافة إلى إتاحة تداول بعض العملات الرقمية باستخدام الدرهم الإماراتي مباشرة.
الكثير من المقيمين في الإمارات مغتربون يحتاجون إلى إرسال تحويلات مالية إلى بلدانهم الأصلية، لكنهم يصطدمون بالكثير من القيود في المنظومة المالية التقليدية. لذا نحاول سد هذه الفجوة عبر دمج العملات الرقمية في تلك المنظومة، لمحاولة تذليل بعض العقبات التي يواجهها التمويل التقليدي.
كما نعمل أيضا على مشروع شيق جدا يتعلق بالحسابات الإسلامية، وقد حصلنا للتو على شهادة جديدة من منصة كريبتو حلال لمجموعة العملات الجديدة التي نتيح تداولها باستخدام الدرهم مباشرة. نحاول أن نُبين للمستخدمين في المنطقة بأننا ملتزمون تجاه الشرق الأوسط، ونحاول تخصيص منتجاتنا لتلائم الثقافة هنا. كما أننا في نقاشات وثيقة مع عدد من الجهات الحكومية والشركاء بشأن خدمات ترميز الأصول، بما في ذلك الذهب والصكوك والعقارات.
إنتربرايز: مما تراه هنا في الإمارات، ما هي أكبر حالات الاستخدام حاليا بين المستخدمين المقيمين؟
ديريك داي: لدينا ثلاث فئات مختلفة من المستخدمين في الإمارات. الأولى والأكبر هي فئة الوافدين بالطبع، وهي تضم أفرادا ذوي دخل مرتفع نسبيا، ومعظمهم متداولون محترفون يعرفون الكثير عن العملات المشفرة، ويحبون تجربة أشياء مثل المشتقات. ثم هناك محترفو تداول العملات المشفرة، الذين يتداولون كثيرا ويناسبهم مزيج من منتجات الدخل السلبي والعوائد.
أما فيما يخص الأشخاص المقيمين هنا والقادمين من دول مثل مصر أو بنغلاديش أو الهند أو باكستان أو نيجيريا، فهناك طلب مرتفع على التحويلات المالية. المشكلة هي أنهم غالبا ما يفتقرون إلى المعرفة الكافية بكيفية إجراء التحويلات بالعملات المشفرة. لذا نكرس الآن جزءا كبيرا من وقتنا للتركيز على التعليم. فالتحويلات عبر القنوات التقليدية مكلفة، لذا يمكن للعملات المشفرة توفير الكثير من الوقت والمال.
الفئة الأخيرة هي المواطنين الإماراتيين. أعتقد أن هذه المجموعة تميل إلى أن التحفظ، ونحتاج إلى كسب ثقتهم. ولكن بالنسبة لهم، فإن المنتجات التي تتيح للمستخدمين تحقيق دخل سلبي من الأصول الرقمية ستجذبهم بالتأكيد، لا سيما منتجات الكسب الحلال. وهناك أيضا العملاء المؤسسيون، الذين نركز عليهم لأن استثماراتهم تعزز حجم السوق وعمقه؛ فبدون هذه الفئة، ستظل الأسواق ضحلة للغاية.
كما أن حلول المدفوعات تعد من الاستخدامات الجذابة في عالم العملات المشفرة؛ فبطاقة بايبت تحظى بشعبية كبيرة، ونحن نروج لانتشارها لأنها تجعل العملات المشفرة مألوفة في حياة الناس اليومية.
إنتربرايز: ما الذي يحفز الناس على استخدام بطاقات العملات المشفرة للمدفوعات اليومية؟
ديريك داي: بالنسبة للمسافرين الدوليين، هناك حافز ضخم. فاستخدام بطاقات الائتمان أو الخصم العادية في بلد أجنبي يكون مصحوبا برسوم إضافية بسبب التحويل بين العملات الأجنبية، وهي تبلغ عادة حوالي 3% على ما أظن، بالإضافة إلى العقبات المتعلقة بسعر الصرف. أما عند استخدام العملات المشفرة، فلن يواجهوا مثل هذه الرسوم. إذ يمكن الإنفاق بدون رسوم في أي بلد لديه البنية التحتية والبيئة التنظيمية التي تتيح استخدام هذه العملات.
إلى جانب ذلك، نقدم حوافز تتيح للمستخدمين استرداد جزء من مدفوعاتهم، لا سيما عند الاشتراك في المنصات عبر الإنترنت مثل سبوتيفاي ونتفليكس.
إنتربرايز: نظرا إلى التقلبات الأخيرة في أسواق العملات المشفرة، ماذا تفعلون لمساعدة العملاء على تجاوز الظروف الراهنة وضمان عدم لجوئهم إلى البيع بدافع الذعر؟
ديريك داي: يعتمد هذا على كل مستخدم ومدى تحمله للمخاطر. ومن واقع خلفيتي الأكاديمية في التسويق، وبالأخص سيكولوجية المستهلك، أميل دائما إلى تصنيف المستخدمين إلى فئات مختلفة. وبالنسبة لمستخدمي العملات المشفرة الجدد، يجب أن نتفهم احتياجاتهم.
عند التعامل مع الأشخاص الذين يبحثون عن عوائد أعلى، تكون المسألة مباشرة نسبيا لأننا نحتاج فقط إلى التأكد من أنهم يثقون في بايبت كمنصة. وإذا كان المستخدم من محبي المخاطرة، سيناسبه البدء باستخدام قدر من الرافعة المالية، أما إذا كان مستخدما يتجنب المخاطر تماما، فبالطبع نوصيه بالالتزام بأزواج التداول الفوري العادية.
إنتربرايز: إذن، ما هو روتينك الصباحي؟
ديريك داي: روتيني منظم جدا. في الصباح، أستيقظ عادة في حوالي الساعة السادسة. أبدأ دائما بالتمارين الرياضية، لأنها تساعدني على إعادة ترتيب أفكاري والبقاء مركزا. بعد ذلك، أقضي الكثير من الوقت في مراجعة بيانات السوق وآخر مستجدات القطاع وأخبار الاقتصاد الكلي والعملات المشفرة.
خلال النهار، ينصب تركيزي بالكامل على تنفيذ المهام والتخطيط. أحاول ألا أنهمك في العمليات التشغيلية، وإنما أولي اهتماما أكبر لأنماط سلوك المستخدمين والنتائج، وذلك بسبب خلفيتي الأكاديمية. أما في المساء، فأقضي الكثير من الوقت في التأمل؛ عادة ما أسأل نفسي: "ما الأخطاء التي فعلناها اليوم؟ ما هي الافتراضات التي لم تثبت صحتها؟ وما الذي علينا أن نتعامل معه فورا؟".
كما بدأت أيضا أدير حساباتي الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي، لأنني أريد أن أجعلها وسيلة أخرى يمكنني من خلالها التحدث مباشرة إلى مستخدمي العملات المشفرة. فأحاول مشاركة بعض الرؤى ووجهات النظر، وقد أصبح ذلك جزءا من روتيني اليومي.
توصيات ديريك
ما يقرأه: أحب رواية Gone with the Wind. إنها عمل كلاسيكي، وأعتقد أن فيها الكثير من الدروس، مثل عدم وجود تعريف واضح للشخص الجيد أو السيئ.
ما يشاهده: يترقب الإصدارات الجديدة؛ فهو يرى أن الإنتاجات الأخيرة لم تكن جيدة.
نصيحته المفضلة: ركز على اهتماماتك الحقيقية وكن على طبيعتك. لا تفعل فقط ما يريده والداك أو ما هو متوقع منك.