لم تؤثر الحرب تأثيرا كبيرا على سوق العقارات في دبي حتى الآن. إذ حافظت أسعار العقارات على استقرارها، وجذب السوق تدفقات نقدية قياسية خلال الربع الأول من العام الجاري، وفقا لبيانات دائرة الأراضي والأملاك في دبي، وما نقلته صحيفة الخليج عن شركة بروبرتي فايندر. وبلغ إجمالي التصرفات العقارية 251 مليار درهم خلال الربع، بزيادة 30% على أساس سنوي، لتسجل أعلى أداء ربع سنوي على الإطلاق، وذلك عبر حوالي 61600 صفقة، ما يمثل زيادة بنسبة 6% على أساس سنوي في عدد الصفقات.
عوض أداء أول شهرين من العام تراجع مبيعات مارس. إذ قال ماثيو غرين، رئيس قسم الأبحاث لدى شركة "سي بي آر إي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" في تعليق لنشرة إنتربرايز الصباحية إن "قوة أداء سوق العقارات السكنية في دبي خلال شهري يناير وفبراير كانت هي المحرك الرئيسي وراء استمراره في تحقيق مبيعات قوية خلال الربع الأول". واتفق معه زكي سجاد، مدير تطوير الأعمال وعلاقات العملاء في كافنديش ماكسويل، قائلا إن "أداء السوق خلال شهري يناير وفبراير كان مذهلا، بل استثنائيا".
وحتى شهر مارس سجل أداء "قويا جدا" بالقياس على السنوات الماضية، حسبما أضاف سجاد، مشيرا إلى أن الأعمال تبدو مستمرة كالمعتاد في السوق.
كما استقرت الأسعار على نحو غير متوقع؛ إذ تظهر بيانات بروبرتي فايندر أن 1% فقط من العقارات المعروضة للبيع انخفضت أسعارها، رغم تفاقم حالة الضبابية على مستوى العالم.
لكن هذا الزخم قد لا يستمر. فيتوقع غرين أن "تشهد التصرفات العقارية تراجعا خلال شهر أبريل مع استمرار الضغط على ثقة المستثمرين".
وكان ذلك متوقعا حتى قبل اندلاع الحرب: فمن الطبيعي "أن يمر أي سوق بفترة من الثبات مهما طالت فترة صعوده"، حسبما يرى سجاد، في إشارة إلى أن هذا الوضع ليس مفاجئا بعد الزيادات الحادة في الأسعار وأحجام التصرفات على مدار السنوات الخمس الماضية.
تذكر: كما أوردنا سابقا، كان العديد من المحللين قد توقعوا حدوث تصحيح في عام 2025، ولكن مع تأخر تسليم المشاريع الجديدة، تأجل التصحيح المتوقع إلى العام الجاري. وكانت فاليوسترات قد توقعت تباطؤ النمو خلال العام الجاري إلى نحو 10%، بينما ترى وكالة موديز أن السوق يتجه نحو تباطؤ نمو الأسعار وليس نحو التصحيح، اعتمادا على مدى تضرر الثقة وطول أمد الحرب.
لكن هناك مؤشرات صحية
شهدت الرهون العقارية زيادة حادة بنسبة 46% لتصل إلى 59.7 مليار درهم، مسجلة نموا أسرع من المبيعات العادية، ما يشير إلى أن المشترين أصبحوا أكثر اعتمادا على الاقتراض وتمسكا بمشترياتهم لفترة أطول مقارنة بمن يشترون نقدا.
وقال سجاد إن "نضج السوق تصحبه زيادة في الاقتراض"، مشيرا إلى أنه حتى المشترين الذين يمتلكون سيولة قد يفضلون الاقتراض لتمويل مشترياتهم، نظرا إلى صعوبة تسييل الأصول العقارية والطبيعة الديموغرافية للإمارات التي يغلب عليها الوافدون.
كما بلغت قيمة مبيعات العقارات قيد الإنشاء وحدها 81 مليار درهم خلال الربع، ما يشير إلى أن شركات التطوير العقاري ما زالت تجتذب طلبات وتبني مشاريع جديدة رغم الظروف السلبية المحيطة.
وقد ازدادت المخاوف مؤخرا من صعوبة حصول الشركات على قروض لإعادة التمويل، مع اتساع الفوارق السعرية لسندات العقارات في ظل عمليات البيع الواسعة في المنطقة، لكن المحللين لا يتوقعون تعثر الشركات عن السداد، بفضل علاقاتها القوية مع البنوك وسيولتها الضخمة وتبقي فترات كافية قبل مواعيد الاستحقاق.
احتياطيات كافية: يرى غرين أن "الوضع الرأسمالي الحالي لشركات التطوير العقاري أفضل مما كان عليه في بدايات أزمة جائحة كوفيد، وذلك بعد دورة الصعود القوية المستمرة لأكثر من 5 سنوات، لذا فإن الشركات أفضل استعدادا هذه المرة لتحمل انخفاض أحجام التصرفات خلال الفترة المقبلة".
والتأثيرات قابلة للاحتواء على عكس ما حدث عام 2008. إذ اتفق سجاد على أن السوق اليوم أصبح "مختلفا تماما"، بفضل الحماية التي توفرها حسابات الضمان، ورفع اشتراطات نسبة القرض إلى القيمة، وتشديد إجراءات الفحص النافي للجهالة. وقال إن "المخاطر تضاءلت بدرجة كبيرة، مضيفا أن السوق "مستعد لمواجهة العاصفة".
ومن العوامل المساعدة الأخرى أن هذا الوضع يتزامن مع تراجع العرض بنسبة تتجاوز 3%، مما يسهم في استقرار الأسعار، وفقا لبيانات بروبرتي فايندر.
ما زال هناك طلب.. لكنه أصبح أكثر انتقائية: زاد الاهتمام بالعقارات التي تتجاوز قيمتها 5 ملايين درهم، ليشكل حوالي ربع الطلب الإجمالي، ما يشير إلى أن المشترين أصحاب الثروات العالية ما زالوا مقبلين على السوق.
وتظهر هذه التحولات في البيانات الفعلية؛ إذ قال غرين إن "مبيعات المنازل والمكاتب التي تتخطى قيمتها 5 ملايين دولار ارتفعت من 711 وحدة في الربع الأول من العام الماضي إلى 882 وحدة في الربع الأول من العام الجاري، لتسجل زيادة بنحو 25% على أساس سنوي". وما زال السوق يشهد صفقات كبرى، بما في ذلك صفقة واحدة بقيمة 422 مليون درهم، بحسب بيانات بروبرتي فايندر، ما يؤكد عمق الطلب على فئة العقارات الفاخرة.
وكان الطلب في بداية الربع الأول يأتي من مزيج من المستثمرين الدوليين الجدد والمستثمرين الحاليين، لكن أغلب الطلبات في شهر مارس جاءت من مشترين حاليين، وفقا لسجاد. وما زالت مكانة دبي العالمية المتنامية في عدد من القطاعات، مثل الطيران والسياحة، تجذب المشترين الدوليين، مع استمرار الطلب المحلي أيضا.
ومن منظور استثماري، هذه التقلبات قد تتيح آفاقا جديدة؛ إذ يرى غرين أن "حالة عدم اليقين المتفاقمة من المرجح أن تؤدي إلى إتاحة [فرص] جديدة لشراء العقارات بأسعار لم تكن ممكنة في بداية العام، وهو ما قد يجذب بالأخص المستثمرين المحليين الأكثر إقبالا على المخاطرة".
تراكم الضغوط في سوق الإيجارات
ارتفع الطلب على الوحدات التي يقل إيجارها عن 75 ألف درهم إلى 44.7%، وإن كان هذا قد يرجع إلى كثرة المعروض من هذه الفئة وليس إلى وجود فجوة بين العرض والطلب. ويوضح سجاد أن "أغلب المعاملات تتركز في فئة الاستوديوهات والوحدات المكونة من غرفة وغرفتين"، مشيرا إلى أن معظم المعروض الجديد يتركز ضمن الفئات الأيسر من حيث التكلفة.
ومع ذلك، انخفضت رغبات الاستئجار بنسبة 30-40% على أساس سنوي، وفقا لبيانات وكالة بيتر هومز، كما انخفضت استفسارات الراغبين في الاستئجار أيضا بنسبة 16% على أساس سنوي.