بدأت بعض ديون شركات التطوير العقاري في دبي تظهر مؤشرات على التعثر، وتبذل هذه الشركات جهودا حثيثة لطمأنة المستثمرين. إذ استعان عدد من شركات التطوير العقاري، مثل بن غاطي وشوبا وأرادَ وغيرها، بفرق العلاقات العامة لديها للترويج لمبيعاتها القوية وسجلاتها الحافلة وأوضاع السيولة الممتازة لديها.

ماذا حدث؟ تُتداول 6 سندات عقارية مقومة بالدولار وتابعة لشركتي بن غاطي القابضة وأمنيات القابضة حاليا عند مستويات متعثرة، إذ تجاوزت فروق العوائد على هذه السندات ألف نقطة أساس فوق المعدلات عديمة المخاطر، وهو ما يشير عادة إلى قلق عميق لدى المستثمرين بشأن مخاطر السداد، وفقا لبيانات بلومبرغ التي نشرناها أمس.

كما شهدت سندات أخرى ارتفاعا كبيرا في فروق العوائد عليها وإن لم تصل لمرحلة التعثر بعد؛ فعلى سبيل المثال، قفز فارق العوائد على سندات مستحقة في عام 2030 وصادرة عن كيان تابع لشركة شوبا العقارية إلى نحو 700 نقطة أساس، بعدما كان أقل من 300 نقطة، في حين تضاعف الفارق على سندات تابعة لشركة أرادَ ومستحقة في العام نفسه ليصل إلى 707 نقاط أساس، وفقا للبيانات.

يمثل هذا تحولا حادا عما كان عليه الوضع قبل أشهر قليلة فقط، عندما كانت شركات التطوير العقاري تطرق أسواق الدين بقوة عبر طرح سندات بفوارق ضئيلة لتمويل المشاريع الجديدة. ويأتي هذا في الوقت الذي أدت فيه التوترات في المنطقة إلى تضخم حاد في علاوات مخاطر القطاع العقاري، الذي ظل مزدهرا حتى الآن بفضل الطفرة السعرية المستمرة منذ سنوات.

نظرا إلى التوقعات بتأثر سوق العقارات في دبي سلبا بسبب الحرب، فإن صكوك هذه الشركات "تعرضت لعمليات بيع مكثفة، معظمها من مستثمرين دوليين راغبين في التخارج"، حسبما صرح لنشرتنا محمد إحسان، رئيس الخزينة والأسواق العالمية والاستثمار والمعاملات المصرفية الدولية في بنك نزوى. كما نقلت وكالة بلومبرغ عن زينة رزق، الرئيسة المشاركة لقسم الدخل الثابت في أموال كابيتال، أن إقبال صناديق التحوط على البيع على المكشوف ساهم أيضا في زيادة حجم موجة البيع وتسريع وتيرتها.

كانت الأزمة تغلي على نار هادئة إلى أن فجرتها الحرب؛ فأسواق الائتمان "بدأت تشهد تمييزا بين شركات التطوير العقاري من الفئة الممتازة وشركات الفئة المتوسطة منذ أواخر عام 2025"، حسبما أوضح إحسان، مضيفا أن "الشركات الأقوى والأعرق مثل داماك طرحت إصداراتها الجديدة هذا العام بهوامش ضئيلة، على عكس إصدارات بن غاطي وأمنيات". وتجدر الإشارة هنا إلى أن القطاع كان يستعد بالفعل منذ فترة لتباطؤ نمو الأسعار.

نظرة شاملة: تتحمل دبي كلها العبء الأكبر لإعادة التسعير في المنطقة، فأسعار عقود مبادلات العجز الائتماني زادت بمقدار 19 نقطة أساس مقابل 6-7 نقاط أساس فقط في أبوظبي والسعودية، وفقا لمذكرة صادرة عن المشرق كابيتال (بي دي إف)، ما يؤكد الرؤية القائلة بأن المستثمرين يرون أن الخطر الأكبر يكمن في ديون القطاع غير النفطي في دبي، نظرا إلى أنها تربط أكثر بالدورات الاقتصادية.

محاولات لتغيير السردية السلبية

أصدرت شركة بن غاطي بيانا أكدت فيه استمرار عملياتها الإنشائية بوتيرة منتظمة ووفق الجداول الزمنية المحددة رغم التوترات الجيوسياسية، مضيفة أن معدلات الإلغاء ما زالت أقل من 1%، وأن متوسط مبيعات مارس مستقر عند نحو 500 مليون درهم أسبوعيا، وهو ما يتماشى مع مستويات ما قبل الأزمة.

فيما أكدت أمنيات أنها "في وضع قوي ولديها تمويلات كافية"، وإيرادات تعاقدية كبيرة تتيح توقعات واضحة للتدفقات المالية لأكثر من أربع سنوات قادمة، وأشارت إلى استمرار أعمال البناء في جميع المشاريع دون تسجيل أي إلغاءات. وكذلك أكدت شركتا أرادَ وشوبا قوة مستويات السيولة لديهما ووفرة إيرادات المشاريع قيد الإنشاء.

ورغم تفاؤل الشركات، ما زال نزوح رؤوس الأموال مستمرا؛ إذ سحب المستثمرون الأجانب 843 مليون دولار من أسواق الإمارات الأسبوع الماضي، علما بأن معظم هذه التخارجات اقتصرت على الأسهم والسندات العقارية، بحسب المشرق كابيتال.

التوقيت سيئ .. لكن التعثر ليس وشيكا

أصبحت إعادة التمويل أصعب بسبب الحرب، وذلك تزامنا مع اقتراب موعد سداد مجموعة كبيرة من الديون المتراكمة تبلغ نحو 8 مليارات دولار حتى عام 2030. لكن الخبر السار هنا أن هذه الاستحقاقات موزعة بشكل متوازن، كما أن أجل استحقاق سندات أمنيات وبن غاطي لن يحل حتى عام 2027، ما يمنحهما متسعا من الوقت لترتيب السيولة الداخلية عبر تسليم المشاريع هذا العام أو الحصول على تمويلات بنكية، بحسب إحسان.

كما أوضح إحسان أنه "حتى لو أغلقت الأسواق الأولية أبوابها أمام الشركات، فإن لديها علاقات قوية مع البنوك للحصول على التمويل اللازم"، مؤكدا أنه لا يتوقع أي حالات تعثر في سداد الصكوك.

لكن وكالات التصنيف تتابع الوضع عن كثب؛ فقد وضعت وكالة فيتش كلا من بن غاطي وأمنيات تحت المتابعة لاحتمال خفض تصنيفهما، مشيرة إلى تأثير المخاطر الجيوسياسية على الطلب واحتمال ارتفاع تكاليف البناء، رغم إقرارها بأن الشركتين دخلتا الفترة الحالية بميزانيات عمومية قوية نسبيا. أما وكالة موديز فثبتت تصنيف بن غاطي الأسبوع الماضي، بداعي أن الشركة لديها سيولة كافية لتغطية استحقاقات فبراير 2027.

الصورة الأشمل

شهدت أسواق السندات في المنطقة تراجعا هائلا في سهولة التداول؛ إذ انخفض متوسط السيولة المتاحة لتداول صكوك دول الخليج بنسبة تقارب 20% خلال هذا العام، وفقا لوكالة فيتش. لكن الضرر الأكبر كان من نصيب سندات العقارات عالية العائد؛ إذ تضاعفت الفوارق بين أسعار العرض والطلب بواقع 4 أمثال لتصل إلى نقطتين، بحسب المشرق كابيتال، مما يشير إلى غياب المشترين بهدف الاستثمار، وعجز البائعين عن بيع سنداتهم ما لم يقبلوا بأسعار بخسة.

هل تطال الأزمة قطاعات أخرى؟ يرى إحسان أن قطاعات مثل الضيافة والتجزئة والسياحة والخدمات اللوجستية والنقل كلها معرضة للخطر بسبب الحرب، لكنه أوضح أن معظم الشركات الرائدة في هذه القطاعات كيانات وطنية كبرى، مثل طيران الإمارات وإعمار والدار ومجموعة موانئ دبي العالمية ودبي لصناعات الطيران. وأشار إلى أن "الشركات الأصغر في هذه القطاعات ستتلقى ضربة أقوى بكل تأكيد، لكن هذه الشركات ليس لها حضور في أسواق الدين العام".