يؤكد مسؤولو التوظيف وأصحاب الأعمال أن حركة التوظيف في الإمارات لم تتوقف رغم مرور أسابيع منذ اندلاع الحرب الإقليمية، وأن الوافدين لا يهرعون للمغادرة، إلى جانب استمرار مهام التوظيف الدولية. لكن السؤال الأصعب يتمثل في ما إذا كان هذا الوضع سيظل قائما في حال بدأت الاضطرابات تبدو جزءا من بنية بيئة الأعمال بدلا من كونها أزمة مؤقتة.
السياق: حاولت دبي وأبوظبي لسنوات تحويل تدفقات الوافدين العابرة إلى إقامات أطول. فالتأشيرات طويلة الأمد، وقواعد التملك الأجنبي الأوسع، وإصلاحات قواعد الإقامة الملائمة للعائلات، كلها هدفت لإقناع الكفاءات العالمية بأن الخليج لم يعد مجرد محطة مؤقتة.
لكن يواجه هذا النموذج الآن اختبار تحمل سابق لأوانه؛ فالصراع الحالي يختبر مدى استدامة هذا التحول، لا سيما في المدن التي يشكل فيها الأجانب نحو 90% من السكان.
بدا الأسبوع الأول طبيعيا تماما، حسبما صرح لنشرتنا تريفور ميرفي، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة استشارات التوظيف كوبر فيتش. وأضاف ميرفي أن جميع المقابلات المجدولة أُجريت و"لم يحدث أي تغيير على الإطلاق". وأشار إلى أنه رغم تحول الكثيرين للعمل من المنزل لفترة وجيزة، إلا أن خطط التوظيف ظلت قائمة وعادت المكاتب منذ ذلك الحين إلى إيقاعها الطبيعي.
لماذا تعد آراء ميرفي مهمة في هذا الصدد؟ تقدم كوبر فيتش استشارات لأصحاب الأعمال في جميع أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي بشأن توظيف كبار المسؤولين واستراتيجيات القوى العاملة. وتتخذ الشركة من دبي مقرا لها، وترتبط أكثر من نصف أعمالها بالسعودية، مما يمنحها رؤية شاملة لمتطلبات التوظيف الإقليمية للشركات المتعددة الجنسيات.
لم يطلب أي عميل من كوبر فيتش وقف عمليات التوظيف بسبب الأحداث الأخيرة. ويوضح ميرفي: "لم يأت إلينا ولو عميل واحد ليخبرنا بأنه قرر عدم المضي قدما في خطط التوظيف"، مشيرا إلى أن معظم أصحاب العمل ما زالوا يفترضون على ما يبدو أن الاضطرابات ستُحتوى بالسرعة المطلوبة، وبالتالي لا يوجد مبرر لإعادة النظر في خطط التوسع. وفي الوقت ذاته، لم تشهد السعودية "أي تأثير" حتى الآن، إذ يستمر التوظيف الدولي بشكل طبيعي.
وتدعم وكالة التوظيف "تي إيه إس سي" في دبي هذا الرأي؛ إذ صرح لنا أنيل سينغ، الرئيس التنفيذي للأعمال في الشركة: "على الرغم من حالة عدم اليقين الإقليمية الأوسع، يظل الطلب على التوظيف في الإمارات قويا نسبيا"، مضيفا أن الشركات تواصل الاستثمار في الكفاءات الرئيسية بفضل الموقع الاستراتيجي للبلاد واستقرار بيئة الأعمال.
بالأرقام
كما ذكرنا سابقا، دخلت الإمارات هذه الفترة من موقع قوة استثنائي في مجال التوظيف. إذ أظهر أحدث مؤشر للتوظيف في الخليج صادر عن كوبر فيتش نمو التوظيف في الإمارات بنسبة 3% على أساس ربع سنوي خلال الربع الثالث من عام 2025، وهو المعدل الأسرع بين دول مجلس التعاون الخليجي، بينما حافظت التدفقات السكانية السنوية البالغة 200-300 ألف نسمة على ارتفاع الطلب. ونحو نصف الشركات الإماراتية ما زالت تخطط لزيادة عدد موظفيها، مع ارتباط التباين في مستويات التوظيف بتنفيذ المشاريع أكثر من ارتباطه بالظروف الاقتصادية الكلية، حسبما صرح ميرفي لنا سابقا.
لكن مع استمرار الحرب سيصعب توقع مشهد التوظيف. فأوضح ميرفي أن التوظيف في بعض القطاعات مثل الطيران والضيافة تسارع بشكل غير متوقع لفترة من الوقت، في حين تراجعت قطاعات أخرى قليلا، لكن ليس بالقدر الكافي للإشارة إلى وجود نمط واضح.
وأضاف ميرفي أنه في ظروف مثل هذه قد يكون هناك ميل لمتابعة البيانات "بالدقيقة والساعة" لكن هذه ليست طريقة جيدة لتقييم الوضع، مشيرا إلى أن التقلبات قصيرة الأجل ترتبط بالتذبذبات الأسبوعية المعتادة أكثر من كونها تعكس تحولا حقيقيا في السوق.
وما يجعل المشهد أكثر ضبابية أنه في دول مثل الإمارات قد تبدو الأعمال التي تتخارج من السوق وكأنها تعيد توجيه مواردها، وهو نمط ينطبق أيضا على التدفقات الرأسمالية، حسبما صرح لنا زكي سجاد، مدير تطوير الأعمال وعلاقات العملاء في كافنديش ماكسويل. وأوضح سجاد أن "رأس المال لا ينسحب بعشوائية، بل يتوجه نحو بيئات توفر الوضوح والسيولة والرؤية الاقتصادية طويلة الأجل".
المشهد قد لا يبدو بالإيجابية نفسها مع استمرار الحرب
تتزايد المخاطر أسبوعا تلو الآخر. فيقول ميرفي إن أول ما قد يضعف في سيناريو الحرب المطولة لن يكون بالضرورة معدلات التوظيف، بل الرغبة في المخاطرة. ويوضح: "إذا كنا لا نزال في نفس الوضع تماما بعد أسبوعين، فأعتقد أن ذلك سيكون له تأثير أكبر".
ومن المرجح أن تأتي الاستجابة أولا من الشركات الدولية. فعادة ما تشدد الشركات المتعددة الجنسيات إجراءاتها بسرعة أكبر من خلال إبطاء الموافقات، واتخاذ قرارات أكثر حذرا فيما يتعلق بالخزانة، وتقليص الرغبة في الإقراض، وهذه المؤشرات تظهر قبل تجميد عمليات التوظيف. لكن في المقابل فإن الشركات المحلية عادة ما تكون أكثر استعدادا لتحمل تلك الضبابية والاستمرار في أعمالها، وتميل إلى تسريع وتيرة أعمالها مجددا بمجرد استقرار الأوضاع، حسبما أوضح ميرفي.
ويظهر هذا الحذر بالفعل في كيفية اتخاذ الشركات لقرارات التوظيف. فيقول سينغ: "تتخذ الشركات المتعددة الجنسيات عموما نهجا أكثر تأنيا، مع إعطاء الأولوية للأدوار الاستراتيجية"، في حين يسعى كبار المسؤولين التنفيذيين لتقييم مدى استقرار مؤسساتهم ودعم الموظفين قبل اتخاذ أي خطوات.
وهناك أيضا عامل أكثر حساسية يتمثل في الأمان؛ إذ يقول ميرفي إن جاذبية الإمارات لطالما استندت جزئيا إلى قدرتها على تزويد أفضل الكفاءات العالمية بالفرص والأمان معا. ويضيف أنه "إذا تبدد الأمان، سيدرس الناس الأمور ويبحثون في الخيارات المتاحة لهم ولعائلاتهم"، مشيرا إلى أن استمرار الاضطرابات دون تداعيات تمس المدنيين يمثل أحد السيناريوهات، لكن التصعيد الملموس الذي يطال الحياة السكنية من شأنه أن يغير المعادلة بسرعة أكبر بكثير.
فرصة للخروج من الأزمة بسمعة أفضل
للوضع في الشارع أهمية أكبر من ضجيج العناوين الرئيسية. ويقول ميرفي عن ذلك إن "الطرق مزدحمة للغاية. والحدائق ممتلئة. والملاعب تعج بالأطفال"، وهو تناقض يرى أنه يمثل أهمية كبيرة من الناحية النفسية لأصحاب العمل والمستثمرين والكفاءات الوافدة..
وقد تعزز هذه المرونة في نهاية المطاف مكانة الإمارات إذا ظلت الاضطرابات قيد الاحتواء. فيرى ميرفي أنه إذا انتهت الفترة الحالية دون تأثير مباشر وخطير على المدنيين، قد تخرج دبي وأبوظبي بسمعة أقوى فيما يتعلق بالمرونة، لتتجاوزا بذلك اختبارا آخر يُضاف إلى سجل مصداقيتهما الذي اكتسباه في مرحلة ما بعد الجائحة، والذي ساعد بالفعل في ترسيخ مكانة الإمارات كسوق التوظيف الرائدة في المنطقة.
هذه المرونة كانت محور تركيز جهود كثيرة. إذ يقول سجاد إن "أداء دبي والإمارات بشكل عام خلال التوترات الإقليمية الأخيرة يثبت أن وضعها الآمن مصمم عبر استراتيجية مدروسة وليس بمحض الصدفة"، مشيرا إلى أن هناك عوامل عديدة "عززت قدرة السوق على استيعاب التقلبات"، منها اتساق السياسات، والبنية التحتية العالمية المستوى، والترابط العميق مع جميع أنحاء العالم.
وهذه الميزات الأساسية ذاتها هي ما ستركز عليه الشركات حاليا. فيرى سجاد أن "معايير الحوكمة والشفافية والوضوح التنظيمي والتنويع الاقتصادي المستدام" هي ما يحدد أكثر فأكثر الميزة التنافسية لدول الخليج، مما يجعل المرونة "ميزة مقصودة" وليست مجرد نتيجة عرضية.
إذن، هل تخرج الإمارات من ذلك الوضع بحصانة ضد الأزمات؟ يجيب ميرفي أنه "إذا حُلت هذه الأزمة في غضون شهر ولم نشهد أي تأثير ملموس، فستعتبر دبي وأبوظبي محصنتين بالفعل". وبالنسبة لسجاد، فإن الخروج بقوة من هذه الظروف سيعزز "دور [الخليج] ضمن الوجهات العالمية الناشئة لرأس المال".