يبدو أن الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيرة والصواريخ على أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي ستسرع وتيرة تغيير أولويات الاستثمار الدفاعي في المنطقة. إذ أعلنت الإمارات أنها واجهت أكثر من ألف هجوم إيراني، عبر أكثر من 800 طائرة مسيرة وما يقرب من 200 صاروخ باليستي، ما كشف عن بعض نقاط الضعف في تأمين المراكز التجارية وشرايين الطاقة الحيوية في المنطقة.

بعبارة أخرى: الحرب الفعلية لم تنتهِ بعد، لكن المستثمرين في قطاع الدفاع يشهدون بزوغ فئة جديدة من الأصول الجديرة بالاستثمار.

المشكلة: تعمل أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي التقليدية بكفاءة، لكن تكاليفها باهظة مقارنة بأسراب المسيرات الرخيصة غير المكافئة. إذ ربما تتراوح تكلفة تصنيع طائرة مسيرة إيرانية من طراز شاهد بين 20 و100 ألف دولار فقط، في حين أن الصواريخ الاعتراضية المستخدمة لإسقاطها، بما في ذلك صواريخ باتريوت من طراز "بي إيه سي - 3" أو صواريخ منظومة ثاد، قد تصل تكلفتها إلى ما بين 3 و12 مليون دولار للصاروخ الواحد. كما تؤكد الهجمات المستمرة مدى صعوبة حماية البنية التحتية الحيوية دون التسبب في أضرار جانبية كبيرة.

أي أن "التفاوت في التكلفة صارخ وأصبح من المستحيل تجاهله"، حسبما ذكر مالكولم لاين، مدير استشارات الدفاع والأمن القومي لدى شركة إرنست ويونغ الشرق الأوسط، في تصريحات لنشرة إنتربرايز الصباحية، مضيفا أن "استمرارية الدفاع بهذه النسبة مستحيلة استراتيجيا مع زيادة حجم الهجمات، والمخططون في الإمارات يدركون ذلك جيدا".

لماذا يجب أن تستمع إلى لاين: يقدم لاين المشورة للحكومات في جميع أنحاء المنطقة بشأن الاستراتيجيات الدفاعية وسياسات التصنيع في قطاع الأمن القومي.

تهديد غير مكافئ

"كل وزارة دفاع على كوكب الأرض تخوض نفس النقاش حاليا"، حسبما قال لوسيان زيغلر، الرئيس التنفيذي لشركة ماسنا فنتشرز، في تصريح لنشرة إنتربرايز الصباحية، مضيفا أن الضربات عبر الخليج تمثل ذروة تهديد كان المشغلون الميدانيون وشركات تكنولوجيا الدفاع يراقبونه منذ سنوات. وأوضح زيغلر قائلا: "ما نشهده هو إنذار حاد بأن مستقبل الحروب يعتمد على المسيرات أولا"، مشيرا إلى أن الحرب في أوكرانيا نقلت حرب المسيرات إلى صدارة وسائل الإعلام العالمية، لكن هجمات عام 2019 على منشأتي بقيق وخريص في السعودية كانت هي "الفصل الافتتاحي".

ويرى لاين أن "العقيدة العسكرية تشهد تحولا عالميا"، مشيرا إلى أن "أوكرانيا قدمت أكبر قدر من البيانات الميدانية الفعلية بشأن هذا التحدي". إذ اعتمدت كييف في ساحة المعركة على الحرب الإلكترونية وأنظمة مضادة للمسيرات أرخص ثمنا بدلا من الصواريخ الاعتراضية التي تكلف ملايين الدولارات، وهذا بالضبط هو النهج الذي تدرسه الجيوش الخليجية الآن.

كما أن منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلي تقدم مثالا آخر؛ إذ أضاف لاين أن "نموذج الدفاع الجوي متعدد الطبقات في إسرائيل — الذي يجمع بين صواريخ القبة الحديدية للتهديدات قصيرة المدى، ومقلاع داوود للمدى المتوسط، ونظام آرو للصواريخ الباليستية — يخضع حاليا لدراسة دقيقة في جميع أنحاء الخليج كنموذج استرشادي للاستجابة المتدرجة والمدروسة من حيث التكلفة".

وتشمل الفرص الواعدة في هذا السياق كلا من الأجهزة والبرمجيات؛ بدءا من تصنيع أنظمة مكافحة الطائرات المسيرة، وصولا إلى الأنظمة البرمجية القابلة للتشغيل البيني، والتي ستسمح للرادارات والصواريخ الاعتراضية وأدوات الحرب الإلكترونية بتنسيق الاستجابة آنيا.

الخبر السار هنا أن الإمارات لن تبدأ من الصفر؛ فهي تمتلك بالفعل ما يصفه لاين بأنه "نظام الدفاع المتدرج الأكثر نضجا في دول الخليج على الأرجح"، لأنه يجمع بين منصات مثل ثاد وباتريوت وأنظمة قصيرة المدى لمكافحة الطائرات المسيرة. كما أن الدولة تكثف جهودها لتوطين التصنيع الدفاعي وتنويع سلسلة التوريد من خلال شراكات دفاعية مع دول في جميع أنحاء العالم.

خلفية: تتوسع مجموعة إيدج للصناعات الدفاعية في أبوظبي، التي تأسست عام 2019 عبر دمج أكثر من عشرين كيانا، بوتيرة سريعة في قطاعات الأنظمة المسيرة والحرب الإلكترونية والذخائر الجوالة. ويقول لاين إن الشركات التابعة لها مثل هالكن وكالدس تنتج بالفعل منصات جاهزة للتصدير، وهي مؤشرات مبكرة على تأسيس منظومة دفاعية لتجهيز الجيش الإماراتي بل والمنافسة دوليا.

إذن فما المشكلة؟ تكمن المشكلة الأساسية حاليا في أن البنية التحتية المدنية تجد صعوبة في التصدي لهجمات "الطائرات المسيرة البسيطة من الفئة الثالثة"، حسبما صرحت لنا ناتاشا أحمد، مسؤولة الاستثمار لدى كوزميك كابيتال. تجادل ناتاشا بأنه بينما يمتلك الشركاء الإقليميون إمدادات كافية من الصواريخ الاعتراضية، إلا أنها "الأداة الخاطئة لهذه المهمة".

💡 عندما يتحدث مشغلو المنظومات الدفاعية عن الطائرات المسيرة من الفئة الثالثة، فهم لا يتحدثون عن طائرات الكوادكوبتر التجارية المتاحة في الأسواق، ولا عن الطائرات العسكرية التي تحلق على ارتفاعات شاهقة. فالفئة الثالثة تقع في المنتصف؛ إذ يتراوح وزنها بين 56 و1,300 رطل، وتحلق تحت ارتفاع 18 ألف قدم، وتصل سرعتها إلى 250 عقدة.

وتعد طائرة "شاهد-136" الإيرانية النموذج المثالي لهذه الفئة؛ فهي رخيصة بما يكفي لإرسالها ضمن أسراب هائلة، لكنها تحمل شحنات متفجرة ثقيلة بما يكفي لشل البنية التحتية الحيوية للطاقة والمنشآت المدنية.

طائرة واحدة فقط تكفي لإحداث الضرر: حتى رغم الدقة العالية لعمليات الاعتراض، فإن حجم الهجمات الهائل يغير المعادلة. إذ يقول زيغلر: "إليكم نبذة عن الحسابات المريرة: لا يتطلب الأمر سوى تسلل طائرة واحدة فقط أو اثنتين من أصل 100 لإحداث ضرر جسيم وتعطيل حقيقي وتأثير ملموس على السكان أو الاقتصاد".

بهذا حولت الطائرات المسيرة جميع المرافق الاقتصادية لدول الخليج إلى جبهة في الحرب. فإلى جانب أهداف النفط والغاز التقليدية، تُستخدم تلك المسيرات التي تبلغ تكلفتها 20 ألف دولار للطائرة الواحدة لضرب مرافق الخدمات اللوجستية التجارية وبنية التكنولوجيا التحتية، بما في ذلك مراكز بيانات أمازون في الإمارات والبحرين، وميناء الفجيرة النفطي، ومنشآت بحرية في مينائي الدقم وصلالة بعُمان.

دفاعات جوية لا تضر الناس على الأرض

تتطلب حماية المراكز المدنية ما يسميه رواد القطاع الدفاعي "آليات ذات أضرار جانبية بسيطة"، وهو ما يعني وسائل لإسقاط المسيرات من السماء دون استخدام الذخيرة الحية أو الصواريخ. لذا تركز شركات القطاع الآن بكثافة على الدفاعات المتدرجة التي تشمل ما يسمى "بالخيارات غير الحركية".

لكن ما هي الخيارات غير الحركية ببساطة؟ تشمل هذه الخيارات الليزر والأسلحة الأخرى القائمة على الطاقة الموجهة، والتي يمكن أن تحرق الطائرات المسيرة وتسقطها، أو الموجات الميكروية عالية الطاقة التي تستطيع صهر أدمغتها الروبوتية وهي في السماء.

تكاد تنعدم تكلفة هذه الوسائل فور تركيب منصاتها، لذا من المتوقع "أن تكثف وزارة الدفاع الإماراتية استثماراتها في أسلحة الطاقة الموجهة كالليزر والموجات الميكروية عالية الطاقة"، بحسب لاين.

وعوامل جاذبية هذا النوع جلية؛ فالليزر لا تنفد ذخيرته. وفور تزويده بالطاقة، يمكنه الاستمرار في الإطلاق بتكلفة ضئيلة مقارنة بالصواريخ الاعتراضية التقليدية.

لكن العقبات جلية أيضا: فمعظم أنظمة الطاقة الموجهة تتطلب إمدادات هائلة من الطاقة، ما يصعب وضعها على منصات متنقلة، ويجعلها أهدافا سهلة إذا ظلت ثابتة في مكانها.

نظرة مستقبلية: ستشهد السنوات الخمس أو العشر القادمة استثمارات في تطوير "أنظمة أسهل في نقلها وأكفأ وأصغر حجما"، وفقا لناتاشا.

التشغيل البيني ركيزة أساسية: يركز المستثمرون على "تنسيق وتنظيم عمل أنظمة مكافحة الطائرات المسيرة"، وتحديدا "نقطة التشغيل البيني، ومنظومة البرمجيات التي تسمح للشركاء الإقليميين بالتعاون فيما بينهم"، حسبما أوضحت ناتاشا. ويتفق زيغلر مع ذلك، لكنه يقر بأنه من السابق لأوانه معرفة ما سيحدث في الفترة المقبلة، قائلا: "الواضح الآن هو أن بيئة التهديد الحالية تتطلب ذلك … فعندما يعترض جارك نفس فئة المسيرات التي ضربت للتو منشأتك النفطية، فإن الحديث عن أنظمة الإنذار المبكر المشتركة والتعاون في مكافحة المسيرات يصبح واقعا عمليا".

كما أن الزخم المالي الذي يدعم هذا التحول ضخم؛ فمن المتوقع أن تقفز قيمة السوق العالمية لأنظمة مكافحة المسيرات من حوالي 5.12 مليار دولار في العام الماضي إلى ما يقرب من 25 مليار دولار بحلول عام 2032، مدفوعا بالكامل تقريبا بالتصاعد السريع لتهديدات المسيرات والحاجة إلى أنظمة المكافحة والتحييد.

بناء المنظومة

لن تكتفي الإمارات بشراء التقنيات الحديثة بل سترغب في امتلاكها، وكذلك سيفعل الآخرون. إذ يعتقد زيغلر أن دول المنطقة لن تريد شراء أنظمة مكافحة المسيرات فقط، وإنما ستطلب المساعدة في بناء هذه القدرات بنفسها وتصديرها في نهاية المطاف.

ويبدو أن سياسة المشتريات تعزز هذا التحول: فقد أدرجت الإمارات عددا من شروط التوطين الحازمة في عقود شراء الأنظمة الدفاعية، علما بأن معظم العقود الكبرى تشترط المشاركة في التصنيع بنسبة 60%، وفقا لما ذكره لاين. وقد وقع مجلس التوازن للتمكين الدفاعي مؤخرا عقودا بقيمة 3.6 مليار درهم تركز على الأنظمة الدفاعية المتطورة والمسيرة.

لكن بناء قطاع فعال للصناعات الدفاعية يستغرق وقتا. "صحيح أن كوريا الجنوبية انتقلت من الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد في السبعينيات لتصبح واحدة من أكبر 10 مصدرين للأسلحة في العالم اليوم، لكن هذا الانتقال استغرق أكثر من 40 عاما"، حسبما أشار لاين. لذا فسقف الطموحات الواقعي لمعظم دول الخليج على المدى القريب هو الإنتاج المشترك والتكامل بين الأنظمة، بدلا من صناعة أسلحة محلية بالكامل.

فرصة ذهبية

يتمثل أحد المسارات المحتملة في التركيز على الإنتاج المشترك للأنظمة الفرعية وتكامل الأنظمة بدلا من بناء منصات كاملة، بحسب لاين.

كما يجب أن تظل سلاسل التوريد متنوعة: فالاعتماد المفرط على شريك واحد أصبح يمثل نقطة ضعف استراتيجية، ما يدفع الحكومات إلى تنويع علاقاتها الدفاعية مع بناء المزيد من القدرات في الداخل. وتتحرك الإمارات بالفعل في هذا الاتجاه؛ إذ أبرمت إيدج شراكات مع كيانات في قطر وإسبانيا وتركيا والإكوادور وإسرائيل، بينما وقعت أبوظبي شراكات دفاعية مع الولايات المتحدة والهند وكوريا الجنوبية.

ويبقى التحدي الأكبر هو جذب الكوادر والخبرات؛ إذ يرى لاين أن "القيود ليست مالية بقدر ما تتعلق بالقاعدة الصناعية الدفاعية: أي الحاجة إلى مهندسين بارعين وسلاسل توريد سيادية وعقود من المعرفة المؤسسية".

الابتكار يتيح فرصة: يضرب زيغلر مثلا بالنموذج الأمريكي — الذي تقود فيه الشركات الناشئة المرنة والمقاولون الصغار عمليات الابتكار مع الشركات العريقة — ويرى أن الأنظمة الدفاعية الخليجية قد تسير على هذا النهج. وفي ظل تصنيف العديد من دول الخليج الآن كحلفاء أساسيين للولايات المتحدة من خارج الناتو، فإن اللحظة الجيوسياسية الحالية قد تتيح ما وصفه "بفرصة ذهبية لنقل التكنولوجيا".