توقف الخدمات السحابية ليس مجرد صداع تقني؛ إذ يرى باسل ميمي (لينكد إن)، الرئيس التنفيذي لشركة مانتاس، أن تعطلها يصنف ضمن حوادث انقطاع الأعمال، لأنه يؤدي إلى خسائر مالية حقيقية تؤثر في الإيرادات والعمليات، وقد تطال سمعة الشركة.

يسعى ميمي لإدارة هذه المخاطر من خلال تقديرها وتأمين الشركات من أضرارها باستخدام نماذج بارامترية ومتابعتها آنيا. وهنا يأتي دور مانتاس، وهي شركة لتقنيات التأمين متخصصة في إنشاء البنية التحتية للبيانات وحلول المتابعة، التي تتيح لشركات التأمين تقديم تغطية مرتبطة بفترات التوقف لدى مقدمي خدمات المنصات السحابية العامة.

تحدثنا إلى ميمي في فقرة روتيني الصباحي لهذا الأسبوع، لاستعراض المخاطر السحابية المتزايدة، وآلية عمل نموذج التأمين البارامتري، وكيف ينظم يومه بصفته مؤسسا في قطاع تكنولوجيا التأمين. وإليكم مقتطفات محررة من حوارنا:

إنتربرايز: لنفترض أن هذا هو لقاؤنا الأول وأنا لا أعرف شيئاً عن شركتك. كيف ستعرِّف مانتاس؟

باسل ميمي: مانتاس هي منصة لتقنيات التأمين، تبتكر برامج تأمينية بارامترية لتحمي الشركات من الخسائر المالية الناجمة عن أعطال السحابة ومراكز البيانات.

لقد ابتكرنا برنامجين، هما سكاي سكوب وسكاي فيد. سكاي سكوب هو وكيل مخصص لإجراء الحسابات ومتابعة البنية التحتية للجهة المُؤمّن عليها. أما سكاي فيد فهو منظومة عالمية من الحلول الذكية، تتيح رؤية شاملة للأعطال على مستوى المنطقة وعلى مستوى مقدمي الخدمة عبر المناطق السحابية ومراكز البيانات.

إنتربرايز: لقد ذكرت أن توقف المنصات السحابية ليس مجرد خلل تقني، وإنما حدث مالي أيضا. متى استقر هذا المفهوم في ذهنك؟

ميمي: عملتُ معظم حياتي في تطوير البرمجيات وحلول التكنولوجيا المالية. ودائما ما كنا نواجه مشكلات تتعلق بخدمات الأطراف الخارجية. فقبل بضع سنوات على سبيل المثال، كنت أحاول طلب طعام عبر تطبيق توصيل شهير، لكن وجدت فيه عطل جسيم. انتشر الخبر في وسائل الإعلام، وخسروا بسببه الكثير من المال.

قلت لنفسي حينها: إذا حدث هذا لنا، فسنخسر أيضا الكثير من المال، ولن أتمكن أبدا من تبرير ذلك للرئيس التنفيذي. حاولت إيجاد حل تقني لهذه الحالة، لكن يستحيل التحكم في أمازون أو غوغل أو مايكروسوفت، لأن الطرف الآخر هنا هو مركز بيانات يقع خارج نطاق سيطرتك.

لذا حاولت إيجاد طرق لإصلاح ذلك في قطاع التأمين. تعلمت عن نموذج التأمين البارامتري، الذي يستخدم التكنولوجيا لمتابعة المخاطر، وعادة ما يستعينون به في الزراعة لمراقبة الفيضانات أو المحاصيل. تعمقت أكثر وأصبحت أكثر دراية بالنموذج وماهيته وكيفية عمله، وابتكرت حلا تقنيا معتمدا عليه لنمذجة مخاطر السحابة.

إنتربرايز: ما زال الكثيرون من القراء يرون التأمين البارامتري مقصورا على فئة محددة من الأعمال. كيف تميزه عن التأمين السيبراني التقليدي أو تأمين انقطاع الأعمال؟

ميمي: تعتمد النماذج التقليدية للتأمين السيبراني أو التأمين ضد انقطاع الأعمال على مبدأ التعويض اللاحق؛ فهي تتطلب من الطرف المُؤمّن عليه إثبات الخسارة المالية الفعلية، وإثبات السببية، وتقديم المستندات الداعمة. وغالبا ما تخضع التغطية لاستثناءات وحدود فرعية وفترات انتظار وعمليات تسوية تفصيلية. ويظل دفع التعويض مرهونا بالخسارة الكمية بعد التحقيق وتقييم المطالبات.

أما التأمين البارامتري فيعمل بآلية مختلفة؛ فهو يسدد التعويض بناء على عوامل مسببة موضوعية ومحددة مسبقا، بدلا من الخسائر المُقيَّمة. وفي هيكل نموذج مانتاس، نحدد هذا العامل المسبِّب بأنه تعطل البنية التحتية على مستوى المنطقة السحابية أو مركز البيانات لمدة معينة قابلة للقياس، كما هو محدد في جدول البوليصة. إذا تجاوز وقت العطل الحد المتفق عليه، يُسدد المبلغ المحدد مسبقا في العقد، دون الحالة إلى إثبات الضرر المالي أو إجراءات تقدير الخسائر أو أي جدال حول السببية.

ومن المهم أيضا التمييز بين آليات التفعيل الأساسية. فتفعيل بوالص التأمين السيبراني التقليدية عادة ما يعتمد على وقوع حدث سيبراني ضار محدد، مثل الوصول غير المصرح به، أو برامج الفدية، أو خرق البيانات الذي يؤثر في أنظمة الطرف المُؤمّن عليه. أما بوليصة مانتاس البارامترية، فيعتمد تفعيلها على التوقف الفعلي للخدمات السحابية على مستوى الشركات التي توفر المنصة السحابية العامة، بغض النظر عن وجود عمل تخريبي متعمد.

باختصار، التأمين السيبراني يستجيب للحوادث الأمنية، أما تأمين مانتاس البارامتري فيغطي عدم توفر البنية التحتية. أي أن النموذجين يتعاملان مع طبقات مختلفة من المخاطر داخل المنظومة الرقمية، ويمكنهما العمل بالتوازي دون أن يتعارض كلاهما مع الآخر.

إنتربرايز: لماذا يُعد هذا النموذج أنسب لمخاطر المنصات السحابية؟

ميمي: انظري إلى الأعطال التي حدثت العام الماضي، مثل عطل أمازون الذي استمر حوالي 15 ساعة في نوفمبر. عندما تحاولين تحديد حجم الخسارة التي يمكن أن تلحق بشركة ما عند توقف المنصة السحابية، فإن المسألة لا تقتصر على توقف الأنظمة. لأن الشركة عندئذ قد تفقد إيرادات، ناهيك عما إذا كانت الشركة مشهورة وتتعامل مع المستهلكين، عندئذ تقع عليها مسؤوليات قانونية وأضرار بالسمعة وتتعرض لفقدان عملائها وخسارة ثقتهم.

فإذا تعرض أحد تطبيقات توصيل الطعام لموقف كهذا مثلا، سنجد أن ساعتين فقط من توقف الخدمة يعني خسارة قدر من الإيرادات، ورد مبالغ إلى العملاء، وإضافة أرصدة إلى المحافظ وتحمل تكاليف حملات تسويقية، كل ذلك يمثل تكلفة. وبالنسبة لشركات اللوجستيات أو المستودعات أو منصات التجارة الإلكترونية، تتوقف تكاليف عمليات التوصيل والأنظمة لأن كل شيء متوقف. هذه خسارة جسيمة.

إنتربرايز: لماذا لم يقدر القطاع هذه التكاليف حق قدرها طوال هذه الفترة؟

ميمي: في منطقتنا، تعد مراكز بيانات المنصات السحابية العامة جديدة نسبيا. فقد أسست أمازون ويب سيرفيسز أول منطقة لها في الشرق الأوسط بالبحرين عام 2019، تلتها منطقة الإمارات عام 2022، وأعلنت عن التوسع في السعودية.

أما قبل ذلك، فلم يكن الاعتماد على المنصات السحابة كبيرا كما هو اليوم. كان الناس لا يزالون يستخدمون الحلول الداخلية والخوادم المحلية. ومن أجل تسريع الوصول إلى البيانات، انتقلنا إلى المنصات السحابية، وهكذا تطور الأمر. ففي الإمارات، تستضيف المنصات السحابية العمليات الأساسية لحوالي 67% من الشركات، وفقا لشركة “إس إيه بي”، ما يوضح مدى اعتماد الشركات عليها.

إنتربرايز: يعتمد نموذجكم على المتابعة الآنية وسداد مدفوعات التعويض تلقائيا فور الحصول على بيانات موثقة. ما مدى صعوبة إقناع الشركات بالثقة في الكود البرمجي بدلا من الموظف التقليدي المختص بتسوية المطالبات؟

ميمي: في الواقع، الأمر أقل صعوبة مما يتخيله الكثيرون. فالشركات تدير بالفعل أنظمتها الحيوية من خلال ضوابط وأدوات احكم مؤتمتة، وتتبنى أنظمة قائمة على البيانات لاتخاذ القرارات؛ أي أن الاعتماد على البيانات الموثقة صار شائعا في المؤسسات الحديثة.

الفرق يتضح عند مرحلة المطالبات. فالتأمين التقليدي القائم على التعويض يتطلب إثبات الخسارة المالية والتوثيق والتسوية، وهي عملية قد تستغرق شهورا وغالبا ما تتضمن شكوكا في التفسيرات والأسباب.

أما في نموذج التأمين البارامتري، يُتفق على البنود الرئيسية مسبقا؛ إذ تُحدد شروط تفعيل البوليصة، ومنهجية القياس، والمبالغ المستحقة بموجب البوليصة. وعند تجاوز الحد المنصوص عليه في العقد، يتم تفعيل آلية السداد مباشرة دون الحاجة إلى تقييم الخسارة بعد الحادثة. في النهاية، يهدف النموذج إلى إزالة الغموض من خلال تحديد القواعد مسبقا والاعتماد على بيانات موضوعية.

إنتربرايز: ما القطاعات الأكثر عرضة للتأثر بمخاطر التوقف؟

ميمي: الأكثر عرضة للخطر هي الشركات التي تعتمد بنسبة 100% على الإيرادات عبر الإنترنت، مثل منصات التجارة الإلكترونية وشركات توصيل الطعام وشركات الطيران والمطارات. كما أن الأسواق المالية والبورصات معرضة للخطر أيضا؛ فإذا تعرضت منصة تداول لعطل ما، قد تتجاوز خسائرها انخفاض حجم التداولات وتصل إلى فقدان الثقة في المؤسسة نفسها.

عن أوقات الصباح والتركيز وتصفية الذهن

إنتربرايز: كيف تبدأ صباحك عادة؟

ميمي: أبدأ بالتعرض لضوء الشمس في أبكر وقت ممكن. أحبذ الخروج والتعرض لضوء الشمس المباشر بضع دقائق، فهذا يساعدني في تنظيم التركيز والطاقة لبقية اليوم. بعد ذلك، أتفقد نباتاتي؛ وهذه عادة أواظب عليها منذ حوالي عقد من الزمان، فهي تمنحني لحظات من السكون قبل أن تتسارع وتيرة اليوم.

أتجنب الانهماك مباشرة في المكالمات أو رسائل البريد الإلكتروني. إذ أبدأ اليوم ببطء وتأنٍ، ثم أنتقل إلى العمل حالما يصبح ذهني صافيا ومنظما. بعد ذلك، أتفقد جدول مواعيدي والأخبار المالية وأي شيء يحدث في السوق. أتواصل مع فريقي بخصوص الرسائل التي وصلت خلال الليل. وأحيانا أجري مكالمة مبكرة مع عميل أو شريك قبل التوجه إلى المكتب.

إنتربرايز: ما الذي يشغل معظم يومك كرئيس تنفيذي؟

ميمي: شركتنا مقسمة إلى عدة فرق مسؤولة عن مهام معينة. أنا مسؤول عن تطوير الأعمال والمبيعات والشؤون التنظيمية وجمع التمويل. أعمل وفق الأولويات من الأعلى إلى الأدنى، وأقرر ما يجب فعله على الفور وما يمكن تأجيله إلى وقت لاحق من اليوم أو إلى اليوم التالي.

ونظرا إلى أننا شركة ناشئة في المرحلة التأسيسية، فنحن مشغولون للغاية. نبدأ العمل مبكرا وننتهي منه أحيانا في وقت متأخر. ونحن حاليا في مرحلة اجتذاب المزيد من الأفراد إلى فريقنا لنبنى الشركة معا. ويعمل فريق تطوير البرمجيات لدينا بنظام التركيز على مهام محددة خلال فترات زمنية قصيرة، أما قسم التكنولوجيا فيقوده شريكي في تأسيس الشركة مع فريق الهندسة.

إنتربرايز: كيف تمنع المهام المتعلقة بنظام متابعة المخاطر الآنية من ملاحقتك إلى المنزل؟

ميمي: لقد صممنا النظام بحيث لا يتطلب إشرافا بشريا مستمرا. فالمتابعة والتحقق من عوامل تفعيل البوالص والإشعارات تعمل تلقائيا ضمن معايير حوكمة منصوص عليها في العقود ومحددة مسبقا. كما أن النظام يتيح لشركائنا من شركات التأمين والوسطاء الاطلاع على التحليلات التي تخص مجموعة معينة من الشركات من خلال لوحات معلومات منظمة. وإذا حدث تجاوز لأي من عتبات التعطل المحددة مسبقا، يوجه النظام التنبيهات تلقائيا إلى الأطراف المعنيين دون تدخل يدوي.

ومن خلال سكاي فيد، أستطيع عرض إشارات مجمعة عبر المناطق ومزودي الخدمات السحابية، ما يعطيني منظورا كليا لاستقرار البنية التحتية بدلا من ضجيج التنبيهات الخاصة بالعمليات التشغيلية. القصد هو الفصل الواضح: البنية التحتية تخضع لمتابعة مستمرة، لكن تدخل القيادة يظل مقتصرا على الجوانب الاستراتيجية بدلا من الاستجابة لكل عطل.

ومع ذلك، أبذل جهدا لعدم فتح حاسوبي المحمول ليلا. أقلل من استخدام الهاتف وأتعامل مع بريدي الوارد بانضباط، إذ أرد عند الضرورة وأترك ما يمكنه الانتظار لليوم التالي. وفي عطلات نهاية الأسبوع، أنفصل عن العمل تماما بكل إرادتي؛ وأقضي العطلة في لعب التنس أو التدرب أو الذهاب للغوص في الفجيرة، أو أتوجه إلى صحراء الإمارات لممارسة القيادة على الكثبان الرملية. أما أيام الأحد فتكون هادئة، وعادة ما أقضيها في القراءة أو مع الأصدقاء.

إنتربرايز: هل يغير رمضان روتينك؟

ميمي: روتيني الصباحي يظل كما هو، لكن بحلول الساعة 3 أو 4 عصرا أشعر بالإرهاق. خلال هاتين الساعتين، لا يمكنني العمل إطلاقا أثناء الصيام. وبعد الإفطار، ألتقي بأصدقائي ثم أعمل لمدة ساعتين أو ثلاث أخرى ليلا.

الحقيقة هي أن المرء في رمضان يمكن أن يكون أكثر إنتاجية؛ لأنه يستطيع إنجاز الكثير خلال النهار نظرا لأن الأنشطة الاجتماعية تكون محدودة في ذلك الوقت. وبالحديث عنا، فقد وصلت إنتاجيتنا في رمضان إلى مستويات عالية، خلال العام الماضي وهذا العام أيضا.

إنتربرايز: هل لديك مكان مفضل للإفطار أو السحور؟

ميمي: ليس لدي مطعم محدد أتردد عليه. فأنا أطهو كثيرا وأستمتع بالطهو في المنزل. طبقي المفضل هو المجدرة، وهو عبارة عن عدس وأرز وبصل، مع سلطة عربية بجانبه.

ترشيحات باسل

فيلمه المفضل: Cinema Paradiso، وهو فيلم إيطالي كلاسيكي يجسد الشجاعة المطلوبة لترك الركون إلى الراحة والسعي وراء أحلامك. إنه يستدعي التأمل في الأحلام والتضحية وتكلفة النمو.