يبدو أن توجه الأنشطة الصناعية نحو الإمارات الشمالية قد تزايد العام الماضي، مع استمرار تفاقم أزمة نقص المعروض في دبي وأبوظبي، ونمو قطاعات الضيافة والتصنيع في الإمارات الأخرى، ما تطلب مساحات صناعية ولوجستية إضافية لدعم هذا النمو.
تذكر: شهد النصف الأول من العام الماضي موجة انتقال أسفرت عن قفزة بنسبة 40% في إيجارات المساحات الصناعية المحلية في الإمارات الشمالية، وهو ما أدى سريعا إلى زوال ميزة التكلفة المنخفضة التي جذبت المستأجرين إلى تلك المناطق في البداية. ويبدو أن هذا المشهد ظل واقعا ملموسا في معظم فترات العام، وفقا لتقرير جديد صادر عن شركة نايت فرانك (بي دي إف).
بالأمثلة: أدى نقص المعروض المتاح في مراكز أساسية مثل منطقة القوز إلى رفع إيجارات الفئة الممتازة إلى مستوى قياسي بلغ 100 درهم للقدم المربع. وعن ذلك يقول آدم وين من نايت فرانك إن “معظم المناطق المركزية في دبي تشهد مستويات إشغال تتجاوز 95%”. وفي الوقت نفسه، سجلت منطقة كيزاد في أبوظبي وحدها نسبة إشغال بلغت 97%، بينما سجلت منطقة مطار أبوظبي الحرة أعلى الإيجارات في الإمارة بواقع 625 درهما للمتر المربع، بحسب التقرير.
النازحون: في ظل استحواذ الصناعات المربحة القائمة على التكنولوجيا الحديثة على ما تبقى من أراضي دبي الصناعية، تضطر الشركات الصغيرة والمتوسطة والمصنعين إلى الانتقال شمالا نحو الشارقة وأم القيوين.
كما أدى هذا التحول إلى تغيرات حادة في أسعار المناطق الأخرى؛ ففي الشارقة، تضاعفت قيمة معاملات العقارات الصناعية تقريبا لتصل إلى 9.24 مليار درهم خلال العام الماضي، مع تحول الإمارة من ملاذ بديل لاستيعاب فائض الطلب إلى مركز صناعي رئيسي. كما يتجلى التأثير بوضوح في أم القيوين، حيث ارتفعت الإيجارات الصناعية إلى 40 درهما للقدم المربع بعدما كانت تقارب 25 درهما فقط.
تحول مستدام أم طفرة مؤقتة؟
يبدو أن التوجه إلى الشارقة وأم القيوين صار “تغييرا دائما” وليس مجرد “حل مؤقت”، حسبما يرى وين، الذي أوضح أن الإمارات الشمالية لم تعد تعتبر أسواقا منخفضة التكلفة لاستيعاب الفائض، وإنما “أصبح عدد متزايد من الشركات ينتقل إلى هناك لدعم مشاريع الضيافة والصناعة الجديدة”. ويأتي ذلك في وقت شهد فيه العام الماضي ترسية 10 عقود صناعية ولوجستية في رأس الخيمة وحدها، بقيمة إجمالية بلغت 547 مليون دولار.
البنية التحتية ستدعم هذا التحول: خلال العام الحالي، ستكون شبكة السكك الحديدية الوطنية جاهزة بالكامل لعمليات الشحن، ما سيحول الإمارات فعليا إلى “محور صناعي واحد متصل”. ويتوقع وين أن شبكة السكك الحديدية ستسهم في زيادة الإقبال على المناطق الشمالية خلال 14-18 شهرا، لا سيما مع اتساع نطاق استخدامها وتوسعها في أنحاء الدولة.
كما تعزز من هذا التحول توقعات العرض في دبي؛ فمن أصل 6.6 مليون قدم مربع من المساحات الصناعية المقرر تسليمها في دبي خلال العام الجاري، تندرج غالبية المساحات ضمن الفئة الممتازة، ما يعني أنها لن تحل أزمة شركات التصنيع المتوسطة التي تحتاج إلى مساحات متاحة في أسرع وقت.
لكن التحديات ما زالت قائمة
شهدت الإمارات الشمالية قفزة في ذروة استهلاك الطاقة، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين العرض والطلب. وبهذا فإن النفقات التي يوفرها المستخدمون كثيفو الاستهلاك (مثل شركات التخزين المبرد أو الصناعات الثقيلة) بفضل انخفاض الإيجارات في الشمال قد تتلاشى سريعا بسبب ارتفاع تكاليف مولدات الديزل، أو تأخر الربط بشبكات المرافق والخدمات. وعن ذلك قال وين لنشرة إنتربرايز الصباحية: “مع أن العثور على مبان مزودة بقدرة كهربائية كافية دون الحاجة إلى تحديثات قد يكون تحديا، فإنه ليس مستحيلا. ففي معظم الحالات، لا تضطر الشركات إلى الاعتماد على المولدات الخاصة، لكن محدودية قدرة الشبكة تعني أن توافر الطاقة بات يؤثر بقوة في قرارات اختيار المواقع المناسبة في الإمارات الشمالية”.
رأينا
تتحول الإمارات إلى نموذج صناعي قائم على مبدأ “المركز والأطراف”. إذ تطورت كل من دبي وأبوظبي إلى مركز راق للعمليات اللوجستية والتوزيع بقيادة الشركات ذات الهوامش الربحية العالية القائمة على التكنولوجيا. وفي المقابل، تصبح الإمارات الشمالية بمثابة القلب النابض لأنشطة البضائع السائبة والتخزين والتصنيع.
وقد أسفر ذلك عن تغيير حسابات الشركات؛ فالانتقال إلى الشمال لن يحقق جدوى اقتصادية إلا إذا كانت مكاسب الإنتاجية الناجمة عن الربط بالسكك الحديدية تفوق ارتفاع الإيجارات وخسائر التأخر في توصيل المرافق. وبالنظر إلى المستقبل، فمن المتوقع أن تواصل دبي جذب منشآت الفئة الممتازة، لتتركز أنشطة نقل البضائع السائبة وعمليات التصنيع في الإمارات الشمالية.
ولم تعد هذه المناطق ملاذا رخيصا؛ وإنما ستطبق علاوة الندرة في استراتيجيتها التسعيرية على غرار دبي وأبوظبي. وقد بدأت المؤسسات الاستثمارية تضع في حساباتها استمرار نقص المعروض من المساحات الصناعية، ما أدى إلى تقليص صافي العوائد إلى نحو 8%، وهي إشارة واضحة إلى أن الإيجارات المرتفعة أصبحت هي المعيار الجديد.
المسألة لا تقتصر على التكاليف: “رغم ارتفاع الأسعار في المواقع المركزية، يبدي بعض المستأجرين استعدادا للتكيف مع نمو الإيجارات السنوي إذا كان الموقع يحقق وفورات زمنية ويرفع كفاءة العمليات. ففي هذه الحالات، تتخذ القرارات وفق رؤية شاملة وليس بناء على تكلفة الإيجار وحدها”، حسبما ذكر وين.
ومع ذلك، تبرز بدائل أخرى ميسورة التكلفة مثل رأس الخيمة، لا سيما مع “اقتراب تسليم منشآت جديدة في قطاع الضيافة واستمرار تطور منظومة الدعم التابعة لها”.
آفاق مبشرة نسبيا
رغم ارتفاع الطلب ومعدلات الإشغال، من المتوقع أن تتراجع زيادات الإيجار في الإمارات الشمالية على المدى القريب، وذلك مع طرح وحدات جديدة في السوق، وفقا لنايت فرانك.