شكلت الخطط طويلة الأجل في مجال التكنولوجيا والتحولات الجيوسياسية ملامح استراتيجيات صناديق الثروة السيادية الإماراتية في عام 2025. وفي حين أن لكل صندوق أهدافه المميزة والواضحة، إذ يميل بعضها للتركيز على الاستثمارات المحلية بينما يركز البعض الآخر على بناء محافظ عالمية، إلا أن جميعها لعبت دورا في تنفيذ الأجندة الاستراتيجية لدولة الإمارات، سواء المتعلقة بسياستها الخارجية أو أهدافها الوطنية. إذ ضخت هذه الصناديق استثمارات بمليارات الدولارات إما في دول تعد من أكبر حلفاء الإمارات حاليا، أو لتعزيز العلاقات الخارجية من خلال عمليات الاستحواذ والتوسع.

واشنطن في الصدارة: أعلنت الإمارات في مايو عن خطط لاستثمار 1.4 تريليون دولار في الولايات المتحدة عبر إطار استثماري مدته 10 سنوات، يشمل قطاعات رئيسية مثل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والطاقة، والتصنيع. وشهدت هذه التحركات تخطيط القابضة (إيه دي كيو) — التي كانت تركز دوما على الاقتصاد المحلي — لاستثمار 25 مليار دولار في مراكز البيانات بالولايات المتحدة، وتأسيس مشروع مشترك مع أوريون ريسورس لاستثمار 1.2 مليار دولار في المعادن والتعدين. كما شاركت الإمارات العالمية للألمنيوم المدعومة من مبادلة بخطط لبناء أكبر مصهر للألمنيوم في الولايات المتحدة منذ أربعة عقود.

وكندا أيضا: اتفقت الإمارات مع كندا في وقت لاحق من العام على إطار استثماري بقيمة 50 مليار دولار، يستهدف قطاعات تشمل الذكاء الاصطناعي والخدمات اللوجستية والتعدين.

وشملت هذه الاستثمارات آسيا كذلك، إذ ركز جهاز أبوظبي للاستثمار على الهند وقارة آسيا عموما، في خطوة يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها مناورة للتنويع في ظل حالة الغموض الجيوسياسية العالمية.

أين ذهبت تلك الاستثمارات؟

القطاعات الأكثر جذبا لرأس المال: ركزت صناديق الثروة السيادية الإماراتية والسعودية استثماراتها على البنية التحتية، وتحول الطاقة، والرقمنة، والتقنيات المتقدمة، بالإضافة إلى القطاعات المرتبطة بالمرونة الاقتصادية طويلة الأجل، حسبما صرحت لنشرتنا جولي كساب، مسؤولة صناديق الثروة السيادية في ديلويت. كما اهتمت الصناديق بالشراكات والمنصات ذات النطاق الواسع والعمق التشغيلي والوصول المستدام للسوق (مثل شراكة مبادلة مع فورتريس، أو استثمار جهاز أبوظبي للاستثمار في شركة هولوجيك الأمريكية للرعاية الصحية للنساء).

سر التوجه غربا العام الماضي

اتجهت الصناديق الخليجية نحو الغرب بحثا عن “الاستقرار التنظيمي ونضج السوق ومعايير الحوكمة”، وفقا لكساب. توفر هذه الأسواق الحجم والاستقرار اللازمين لقطاعات مثل البنية التحتية وتحول الطاقة والتكنولوجيا والتصنيع المتقدم، كما تدعم الأهداف المحلية من خلال نقل المعرفة والشراكات الاستراتيجية والاطلاع على أفضل الممارسات العالمية.

التكامل بين النهجين المحلي والعالمي: ما زال الاستثمار المحلي جزءا محوريا في استراتيجية الصناديق، لكن أضافت كساب أنه “تكامل في عام 2025 مع التركيز بدرجة أكبر على النهج العالمي”. إذ تتحول حاليا الاستثمارات الدولية للصناديق الخليجية إلى وسيلة لاكتساب القدرات والخبرات والحجم الذي يمكن أن يدعم الأهداف المحلية.

إلا أن الصورة ليست وردية تماما؛ فالاستثمار في الولايات المتحدة والغرب عموما لم يكن سهلا العام الماضي. إذ واجهت الصناديق الخليجية مخاطر جيوسياسية كبيرة أعادت تشكيل استراتيجياتها، أبرزها السياسة التجارية الجديدة للولايات المتحدة، التي أسفرت عن حالة من الغموض الاقتصادي والسياسي، حسبما صرح لنشرتنا آزاد زنغانا، خبير الاقتصاد الكلي في أكسفورد إيكونوميكس.

وتمثل الخطر الآخر في تفاقم التوترات بين إيران وإسرائيل ومعها الولايات المتحدة، ما أدى إلى إعادة تقييم المخاطر الإقليمية، وجعل الصناديق تسعى إلى مزيد من التنويع.

دفعت هذه الأحداث الصناديق الخليجية للتركيز على المكاسب المستقبلية بدلا من تحقيق الأرباح على المدى القصير، بحسب كساب. فرغم أن التنويع والعوائد ما زالت أهدافا أساسية للصناديق، تحول اهتمامها نحو بناء محافظ تعزز أمن سلاسل التوريد، ومرونة البنية التحتية، وأنظمة الطاقة، والتقنيات المتقدمة. وتستهدف الصناديق الآن بشكل متزايد القطاعات والأسواق التي توفر الاستقرار والأفضلية التنافسية على المدى الطويل.

المحركات الرئيسية للتحول الجيوسياسي نحو الغرب: الذكاء الاصطناعي والطاقة

هذا التحول الجيوسياسي الإقليمي مدفوع بالتحول العالمي في مجال الطاقة، وظهور منتجين جدد للطاقة من أمريكا اللاتينية إلى الولايات المتحدة، وصعود الذكاء الاصطناعي، وفقا لتقرير نشرته مجلة فورين بوليسي مؤخرا.

وليس سرا أن الإمارات تستثمر في الذكاء الاصطناعي لترسيخ مكانتها كمركز رئيسي في البنية التحتية العالمية، وقد فعلت ذلك من خلال تعزيز العلاقات مع قوى كبرى مثل الولايات المتحدة. وجاء ذلك على حساب “علاقاتها التقنية” مع الصين؛ إذ اضطرت مجموعة “جي 42” إلى قطع كافة صلاتها التكنولوجية مع بكين لمواصلة العمل مع واشنطن وضمان الحصول على صادرات الرقاقات المتقدمة.

تذكر: تصدرت مبادلة كأكبر جهة حكومية من حيث الإنفاق على الذكاء الاصطناعي في عام 2025، بحجم إنفاق بلغ نحو 4.9 مليار دولار. شمل ذلك جولة تمويلية من السلسلة “هـ” بقيمة 1.4 مليار دولار في شركة كروزو الأمريكية للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وجولة تمويل بقيمة 150 مليون دولار لشركة الذكاء الاصطناعي الناشئة أناكوندا. كما أنفق جهاز أبوظبي للاستثمار نحو 1.2 مليار دولار على الذكاء الاصطناعي، بينما استثمرت القابضة (إيه دي كيو) مليار دولار.

التركيز لم يكن على الموقع الجغرافي بقدر ما هو على عمق السوق

لم تركز الصناديق الإماراتية والسعودية على مناطق جغرافية بعينها في عام 2025، وإنما على الأسواق التي توفر “العمق والاستقرار والابتكار”، وفقا لكساب. فالأسواق المتقدمة ذات الأسس التنظيمية المحكمة ظلت تشكل ركيزة الاستراتيجيات الاستثمارية، ومعها استثمارات مختارة بعناية في المناطق عالية النمو.

التحديات المحتملة: الاستثمارات غير المربحة ومخاطر تعثر الصفقات

هذا التركيز على الاستثمارات الاستراتيجية ربما ينطوي على بعض التحديات، مثل عدم اختيار التوقيت المناسب للاستثمار، ما قد يضر بالأداء على المدى القصير، فضلا عن التكلفة المترتبة على حجز رأس المال في مبادرات استراتيجية طويلة الأجل، بحسب زنغانا. وأضافت كساب أن هذه الاستثمارات قد تواجه أيضا خطر التعثر وتتطلب وقتا طويلا، ما يستدعي تركيزا أكبر على الحوكمة وإدارة المخاطر وتنويع المحافظ.

وصحيح أن دول الخليج تعتمد في تحولها الاقتصادي على استراتيجيات طموحة، إلا أن مجلة فورين بوليسي حذرت من أن فرط الاستثمار في قطاعات غير مربحة أو الفشل في الإصلاحات قد يبطئ وتيرة التقدم.

ماذا بعد؟

من المتوقع أن تحافظ صناديق الثروة السيادية الخليجية على “نهجها المتوازن” في عام 2026، بأن تقود الاستثمارات المحلية الأولويات الوطنية، بينما تركز الاستثمارات العالمية الانتقائية على المرونة والابتكار والتنافسية طويلة الأجل، وفقا لكساب. ومن المتوقع أن يظل تركيز الصناديق منصبا على تعزيز مرونة المحافظ والانضباط في تخصيص رأس المال، بينما تتكيف مع الوضع العالمي سريع التغير.

وبالنسبة للتقلبات الجيوسياسية الدولية فستخف حدتها على الأرجح، ما سيسمح للصناديق بالتركيز من جديد على الأولويات المحلية، بحسب زنغانا. كما يُرجح في السنوات القليلة المقبلة أن يزيد اهتمام الصناديق بالاستثمارات في البنية التحتية المحلية، والرعاية الصحية، والتكنولوجيا (بما في ذلك الذكاء الاصطناعي)، وتحول قطاع الطاقة.