أصبح سوق الرموز المشفرة في دبي الآن أكثر انفتاحا من أي وقت مضى، مع إلغاء سلطة دبي للخدمات المالية لقائمتها المركزية للرموز المعترف بها، ونقل مسؤولية تقييم “صلاحية” تلك الرموز إلى الشركات نفسها. النبأ السار هنا هو أن هذه الخطوة تجعل قطاع العملات المشفرة أكثر قابلية للتوسع، وتفسح المجال أمام الشركات لتكون أكثر ابتكارا في استثماراتها وتوسيع استراتيجياتها للأصول المشفرة. لكن ذلك ينطوي على تحد؛ فعبء الامتثال على كاهل الشركات بات أكبر بكثير.

استطلعنا في نشرة الإمارات الصباحية آراء عدد من الخبراء القانونيين لشرح آثار هذه الخطوة بالنسبة للقطاع ككل، وكيف ستحتاج الشركات إلى تعديل استراتيجيات الامتثال لديها لتواكب هذه التغييرات.

تلك التعديلات تمثل “تحريرا حقيقيا لسوق العملات المشفرة في مركز دبي المالي العالمي” وليست مجرد نقل للأعباء التنظيمية، حسبما أوضح لنا فريق التكنولوجيا المالية والخدمات المالية في مكتب كلايد آند كو، الذي يضم الشريك توم بيكنيل، والمحامية الأولى بارخا دوشي، والمحامية المتدربة أفرين أبيدين.

كانت القائمة المركزية للرموز التي تضعها السلطة بمثابة “عقبة أمام الابتكار”، وهو ما اتفق عليه فريق كلايد آند كو مع كارولينا ريوس، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة ساجا للاستشارات القانونية. وأضاف فريق كلايد آند كو أن السماح للشركات بتقييم الرموز بناءً على نماذج أعمالها الخاصة وملفات عملائها يزيل عنها قيدا بنيويا دون أن يضعف الرقابة الإشرافية.

لكن هل الشركات مستعدة؟ ترى ريوس أن الخطوة في حد ذاتها تعكس نضج قطاع العملات المشفرة، وعلقت لنشرتنا قائلة: “في هذه المرحلة من تطور السوق، أصبحت الشركات الخاضعة للتنظيم مؤهلة بما يكفي لتحديد وتقييم وتوثيق معايير الصلاحية، والأهم من ذلك، تحمل المسؤولية المباشرة عن المنتجات والخدمات التي تقدمها للعملاء”.

ما الذي يتعين على الشركات فعله؟

التركيز الآن يجب أن ينصب على جودة التوثيق الداخلي والحوكمة، حسبما كتب بيدرو سيبرا كاييرو، محامي الشركات في “إم آند كو”.

وبالنسبة لتقييمات الصلاحية وكيفية إعدادها، تقول ريوس إن التقييم يجب أن يشمل تحليلا لخصائص الرمز المشفر، وبنيته التحتية التقنية، وهياكل حوكمته، وهوية مؤسسيه وخبراتهم، وإمكانية تتبع معاملاته على البلوك تشين، ومدى تركز حيازاته، ووضعه التنظيمي في الولايات القضائية المختلفة. ويضيف كاييرو أنه من المهم أيضا توضيح مدى سيولة سوقه وتاريخ تداولاته.

وثمة مؤشرات أخرى مهمة لتقييم مشاريع العملات المشفرة عبر الولايات القضائية المختلفة، مثل حصولها على موافقات سابقا من جهات تنظيمية أخرى، ومدى صرامة ضوابطها المتعلقة بالامتثال ومكافحة غسل الأموال، وفقا لريوس.

والأهم من ذلك أن التقييمات الكافية في نظر سلطة دبي للخدمات المالية لا بد أن تكون لها “مسوغاتها” و”قابلة للتدقيق”، وليست مجرد مجموعة من المعايير المستوفاة، بحسب كلايد آند كو. ورجحت الشركة أن مشرفي السلطة سيدققون فيما إذا كانت الشركات قادرة على التدليل على استنتاجاتها، وسينظرون في هوية من أجروا التقييمات، والخبرات التي استندت إليها، وكيف قدرت المؤشرات السلبية، لا سيما في الحالات التي تقرر فيها الشركات المضي قدما رغم وجود مخاطر واضحة.

وستختلف تقييمات الصلاحية هذه أيضا باختلاف الجهة، وفقا لشركة “إم آند كو”. فعلى سبيل المثال، ستحتاج منصات التداول إلى توثيق سيولة الرموز وتاريخها في السوق ومرونتها التشغيلية، بينما سيتعين على شركات الحفظ تقييم المخاطر التقنية والحوكمة ومدى صلاحية الرموز للعملاء.

تغيير رئيسي آخر: إلغاء الحد الأقصى لاستثمارات صناديق دبي المالي العالمي في الرموز المشفرة

ألغت السلطة حدود المبالغ التي يمكن للصناديق استثمارها في الرموز المشفرة، لكنها فرضت مع ذلك قيودا ضمنية، مثل تقييمات الصلاحية ومتطلبات الإفصاح، وإن كانت لم توضح بعد وتيرة تقديم تقارير العوائد.

وسيظل مديرو الصناديق مطالبين بتبرير مخصصات الاستثمار، لكن الحدود على تلك المخصصات تحولت من مجرد نسب مئوية إلى مبادئ، وفقا لفريق كلايد آند كو.

علامَ ستركز جهود الإنفاذ، وكيف؟

الإخفاق في اختيار الرموز الملائمة سيكون على الأرجح هو التركيز الأول لإجراءات الإنفاذ، بحسب كلايد آند كو، التي ترى أن الصلاحية أصبحت “حجر الزاوية في النظام الجديد”، وهي الجانب التي ستكون فيه الثغرات واضحة للغاية. وقد تلي ذلك إخفاقات الحوكمة والإفصاح، لكن تقييم الرموز هو الجانب الذي نقلت فيه السلطة المسؤولية بشكل واضح وصريح.

والاتجاهات التي تشهد زخما كبيرا في قطاع الرموز المشفرة وتتطلب تقييمات صلاحية معقدة ستكون الأكثر عرضة للضغوط التنظيمية في البداية؛ مثل ترميز الأصول المادية، والعملات الميمية، وشبكات البنية التحتية المادية اللامركزية، ووكلاء الذكاء الاصطناعي، وفقا لريوس. وأضافت أن هذه المجالات تحظى باهتمام متزايد من المستثمرين، لكنها مصحوبة بمخاطر تقنية جديدة ومخاطر أخرى متعلقة بالحوكمة، مما يصعب تقييم صلاحيتها وتبيين مسوغات تلك التقييمات.

وعدم الامتثال لقواعد السلطة قد يعرض الشركات لغرامات وتنبيهات علنية، وربما يؤدي إلى فرض قيود إشرافية عليها، بحسب كاييرو. وقد فرضت سلطة دبي للخدمات المالية غرامات بنحو 2.5 مليون دولار في عام 2024 وحده، بالإضافة إلى دعاوى أدت إلى جزاءات قاربت 721 ألف دولار وغرامات فردية بقيمة 186 ألف دولار.

الخلاصة

صارت مجالس الإدارات الآن تواجه مخاطر مالية أكبر وأضرارا أفدح فيما يتعلق بسمعتها عند التعامل مع الرموز المشفرة والامتثال للوائحها. وتحذر ريوس من أن إجراء تقييمات الصلاحية على نحو سطحي عابر قد يؤدي إلى عقوبات تنظيمية وخسائر للمستثمرين وأضرار دائمة لسمعة الشركات، بينما الأطر الصارمة ذات المسوغات ستزيد الثقة في الشركات، وتجذب لها رؤوس الأموال المؤسسية، وتعكس ريادتها في السوق.

وهذه الأطر الصارمة ستصبح ميزة تنافسية في الفترة القادمة، خاصة في سوق ما زال يعاني تفاوتا في مصداقية الشركات من الناحية التنظيمية، بحسب كلايد آند كو.