بدأت سوق الأسهم الإماراتية العام الجاري على أرضية صلبة، لكن التقلبات العالمية وانخفاض أسعار الفائدة وفائض النفط المتوقع كلها عوامل قد تسفر عن تحديات جديدة للقطاعات ذات الوزن الثقيل، التي طالما حقق المستثمرون منها مكاسب كبيرة في الماضي. فقد تشهد أسهم قطاعي الطاقة والخدمات المالية تراجعا طفيفا في ظل انخفاض أسعار الفائدة وتقلب أسعار النفط، وذلك بعد موجة صعودها القوية العام الماضي.
لكن بفضل إيجابية الوضع الاقتصادي الكلي والأسس القوية التي تستند إليها سوق الأسهم، تبدو التوقعات إيجابية لبورصتي الإمارات، وفقا لتوقعات أصدرتها مارمور مينا انتلجنس عن سوق دبي (بي دي إف) وسوق أبوظبي (بي دي إف).
فإلى جانب النمو القوي في الأرباح والتقييمات الجذابة والأسس المتينة، كان يُنظر إلى الإمارات على نطاق واسع باعتبارها سوق “للاستثمارات الآمنة” في العام الماضي. وبينما اتجه المستثمرون لتنويع محافظهم الاستثمارية في ظل حالة الغموض الجيوسياسية في الولايات المتحدة، برزت الإمارات كخيار “آمن من التعريفات الجمركية” يوفر عوائد مستقرة.
إلا أن فكرة “الملاذ الآمن” تلك ربما لا تكون واضحة ومباشرة بنفس القدر هذا العام، حسبما صرح جورج خوري، رئيس الأبحاث العالمية في مجموعة “سي إف آي” المالية القابضة، لنشرة إنتربرايز الصباحية. إذ قال خوري إنه “بينما ستظل عوامل الاستقرار والتنظيم وتطوير السوق تدعم بورصات الإمارات، فإن قدرا كبيرا من الصعود الذي تسفر عنه تلك التدفقات قد تحقق بالفعل”. وأضاف أن هذا يعني أن العوائد المستقبلية ستعتمد على الانتقائية وليس على الاستثمار في السوق عموما.
كما أن الأزمات الجيوسياسية وحالة الغموض الناجمة عن سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد تؤثر على شهية المخاطرة لدى المستثمرين، وهو ما قد يمتد تأثيره إلى الأسواق الإماراتية، حسبما يرى فيجاي فاليتشا، الرئيس التنفيذي للاستثمار في سينتشري فايننشال، في تعليق عبر البريد الإلكتروني.
ما الذي سيقود التدفقات الاستثمارية هذا العام إذن؟
كما كان الحال في العام الماضي، على الأرجح ستعتمد الاستثمارات على نمو الأرباح، وفقا لتقارير مارمور مينا انتلجنس، والتوقعات في هذا الصدد ما زالت إيجابية. ففي سوق دبي المالي، من المتوقع أن تكون أرباح الشركات قد نمت بنحو 15.8% في العام المالي 2025، وأن تعتدل وتيرة النمو قليلا لتبلغ 10% هذا العام. أما بالنسبة لسوق أبوظبي، فقد استقر معدل نمو الأرباح عند 3.2% في العام المالي 2024 بعد الطفرة التي تلت الجائحة، لكنه من المتوقع أن يكون قد زاد إلى 13.2% في عام 2025، وأن يستقر عند مستوى أكثر استدامة يبلغ 9.4% في العام الجاري.
لكن هل ستتغير محركات السوق؟
تأثير قطاع البنوك يتراجع: مع استئناف الاحتياطي الفيدرالي لدورة خفض أسعار الفائدة، وبعده مصرف الإمارات المركزي تبعا له، ينخفض صافي هوامش الفائدة. وهذا يقلل الربح الذي تجنيه البنوك من كل قرض رغم زيادة حجم الإقراض. وتشير التقارير إلى أن معدل النمو المتوقع لأرباح شركات القطاع المالي المدرجة في سوق دبي سيبلغ 1.3% فقط هذا العام (انخفاضا من 11.1% في عام 2025). بينما تبدو بنوك سوق أبوظبي في وضع أفضل قليلا، إذ يبلغ معدل النمو المتوقع لأرباحها 5.0% (انخفاضا من نسبة أكبر بكثير تبلغ على الأرجح 33.4% في عام 2025).
قطاع الطاقة سيشكل عبئا: مع أن عمالقة الطاقة في أبوظبي عادة ما يقودون السوق، إلا أن هناك توقعات بتراجع أرباحهم هذا العام. فتشير تقديرات مارمور مينا انتلجنس إلى أن أرباح القطاع في سوق أبوظبي ستنكمش بنسبة 1.4% خلال العام الجاري. ويُتوقع أن يبلغ متوسط أسعار النفط حوالي 55 دولارا للبرميل بسبب فائض الإمدادات العالمية، مما سيضغط على أسهم شركات مثل أدنوك للغاز وأدنوك للتوزيع.
لكن — سيظل قطاعا البنوك والطاقة مؤثرين في السوق بفضل طبيعتهما المستقرة وأدائهما من حيث الأرباح، حسبما أوضح خوري، مشيرا إلى أن المستثمرين في الإمارات يركزون عموما على صافي الأرباح، وينتجون نهجا أقل ميلا إلى المخاطرة من نهج المستثمرين في أسواق مثل الولايات المتحدة، ما يجعل توزيعات الأرباح ذات أهمية أكبر، ويقلل من تقلبات السوق.
العبء سيقع على عاتق شركات العقارات: مع استقرار الأرباح في حالة قطاع البنوك وتراجعها في حالة شركات الطاقة، سيقع عبء النمو بالكامل على قطاع العقارات. النقطة المبشرة هنا أن القطاع العقاري في كل من دبي وأبوظبي يشهد طفرة كبيرة منذ سنوات في ظل الطلب القوي وزيادة السكان. وهذا الزخم من المتوقع أن يستمر في تعزيز أرباح الشركات. ففي دبي، من المتوقع أن تقفز أرباح القطاع بنسبة 20% هذا العام. أما في أبوظبي فتقديرات النمو أكبر، إذ تبلغ 23.5%.
وجزء كبير من هذا النمو المتوقع في أرباح قطاع العقارات يستند إلى النشاط الفعلي للشركات، حسبما شرح خوري، مشيرا إلى أن وتيرة تسليم الوحدات ستزيد من النصف الأول لعام 2026 وحتى النصف الثاني من 2027، وأنه من المفترض بعد ذلك أن تتلقى الشركات تدفقات نقدية كبيرة مع مضي مواعيد السداد. وأوضح خوري أنه مع ذلك “فقد تدعم التأثيرات المحاسبية أرباح الأعمال الأساسية للشركات، ونمو أرباحها بعد دورة التسليمات هذه ربما لا يستمر بنفس القوة. وهذا يجعل توقيت تحقيق الأرباح واستدامتها عاملا مهما عند تقييم أسعار الأسهم”.
تزيد أهمية هذه المسألة بالنظر إلى الوزن الكبير للقطاع في كل من سوق أبوظبي وسوق دبي، لذا فإن البدائل التي لديها الوزن الكافي لتعويض أي إخفاق كبير للقطاع تعد محدودة، بحسب خوري.
والقطاع العقاري أيضا عرضة للتأثر بتقلبات السوق، وهو ليس منيعا ضد التراجع المحتمل في شهية المخاطرة نتيجة الانخفاض المرتقب في أسعار الفائدة، بحسب فاليتشا، الذي أضاف أن اسهم قطاعي المرافق والبنية التحتية قد يتأثرا كذلك.
الخلاصة: “صحيح أن إمكانات النمو أكبر في قطاع العقارات، إلا أنه قد يواجه درجة كبيرة من التقلب، إلى جانب المخاطر المتعلقة بتنفيذ المشروعات. ويمكن المحافظة على استقرار المحافظ بحيازة أسهم قطاعي البنوك والطاقة، إلى جانب الاستثمار في القطاع العقاري على نحو انتقائي”، حسبما يرى خوري.
توزيعات الأرباح ربما تسهم في تعزيز المكاسب
يبلغ عائد توزيعات الأرباح في سوق دبي نحو 5.0%، مما يوفر حماية كبيرة من التقلبات، بينما يقدم سوق أبوظبي عائدا أقل يبلغ 3%، وإن كان هذا العائد يتسم بالثبات، بحسب مارمور مينا انتلجنس. كما أن تقييمات الأسهم في السوق ما زالت جذابة، نظرا إلى أن مكررات الربحية أقل من المتوسطات التاريخية (15.5 مرة بالنسبة لسوق أبوظبي و10.5 مرة لسوق دبي).
ويشير المركز إلى أن “أداء السوق مؤخرا لم يكن مدفوعا بالتغير المستمر المفرط في تقييمات الأسهم”. هذا يعني أن بورصتي دبي وأبوظبي استفادتا من وجود “مزيج من الشركات التي تركز على النمو وتلك التي تتسم بانخفاض مكررات الربحية”.
الأسئلة التي تشغل بال الجميع
بما أن تقييمات الأسهم السعودية تبدو أقل، فهل سنرى رؤوس الأموال تعود إلى الرياض في أوائل العام؟ يجيب خوري بأن “هناك إمكانية لعودة رؤوس المال إلى السعودية على المدى القريب، خاصة بعد التصحيح الذي شهده السوق العام الماضي”، وإن كان ما زال يرى أن الإمارات تتمتع بمزايا بنيوية تدعم تدفقات رأس المال إليها على المدى الطويل. وأوضح أن هذه المزايا تشمل “نمو الأنشطة المرتبطة بالعملات المشفرة، وتوسع صناديق المؤشرات المتداولة وصناديق الاستثمار، والطرح الأخير لصكوك الخزينة الإماراتية للأفراد، وكلها عوامل تعزز بيئة أسواق المال في الإمارات وتبقيها جذابة للمستثمرين الإقليميين والدوليين”.
الخلاصة
لو كانت أدوات النقد تدر على المستثمرين عائدا ثابتا بنسبة 5%، فهل يمكن لهم تحقيق عوائد أعلى من سوق الأسهم الإماراتي؟ يرى خوري أن ذلك ممكن بالفعل “لكن ليس دون انتقائية وتقلبات”. ويوضح أن “التغلب على عائد ثابت يبلغ 5% لن يتحقق بالاستثمار في السوق عموما، وإنما يتطلب العناية في انتقاء الأسهم، واختيار التوقيت المناسب، والموازنة في المحافظ بين الشركات المدرة للأرباح وتلك التي تتمتع بإمكانات النمو”.