أصبحت دولة الإمارات رسميا “شريكا موثوقا” لمنظومة التكنولوجيا الأمريكية بعد انضمامها إلى مبادرة باكس سيليكا، التي تقودها الولايات المتحدة وتهدف إلى تأمين سلاسل التوريد المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، بدءا من أشباه الموصلات المتقدمة وصولا إلى الطاقة، والربط الشبكي، والمعادن الحيوية، وفقا لبيانين رسميين هنا وهنا. وكان من المتوقع أن توقع الإمارات على إعلان الانضمام بعد مشاركتها في القمة الافتتاحية للمبادرة في واشنطن ديسمبر الماضي.
بذلك تصبح الإمارات العضو التاسع في المبادرة، لتنضم إلى الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وكوريا الجنوبية وإسرائيل وسنغافورة وأستراليا وقطر. ومن المتوقع أن تكون الهند العضو التالي، بينما لا تزال المناقشات المتعلقة بضم السعودية في “مراحلها الأولية”، حسبما نقلت صحيفة ذا ناشيونال عن جيكوب هيلبرغ وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون الاقتصادية.
ما الأهداف الفعلية لباكس سيليكا؟
يصف مسؤولون أمريكيون باكس سيليكا بأنها “تحالف للأمن الاقتصادي صُمم خصيصا لعصر الذكاء الاصطناعي”؛ فهي أول منظومة تتعامل مع الحوسبة والسيليكون والمعادن والطاقة كأصول استراتيجية مشتركة، بدلا من التعامل معها كمجالات منفصلة. وتهدف المبادرة في الأساس إلى مواجهة ما يسميه المسؤولون الأمريكيون “التبعيات القسرية”، وهو مصطلح دبلوماسي يشير إلى تقليل الاعتماد على الصين في الحصول على السيليكون والمعادن ولوازم الطاقة والتصنيع المتقدم.
كأن المسألة اعتراف بأنه “إذا كان القرن العشرين قد قام على النفط والصلب، فإن القرن الحادي والعشرين يقوم على الحوسبة والمعادن اللازمة لها”، حسبما صرح هيلبرغ في تعليقاته عقب توقيع الإمارات على الإعلان.
بانضمام الإمارات، فهي تلتزم بالتعاون على عدة مستويات مع الأعضاء الآخرين بهدف تعزيز أمن سلاسل التوريد، من خلال مشاريع مشتركة رائدة تغطي المنظومة التكنولوجية كلها، بما يشمل الربط الشبكي والبنية التحتية الطرفية (مثل تقنيات الجيل السادس)، والحوسبة ومراكز البيانات، والتصنيع المتقدم والخدمات اللوجستية، وتكرير المعادن ومعالجتها، وأنظمة الطاقة اللازمة لتشغيل مراكز الذكاء الاصطناعي واسعة النطاق.
ويرى هيلبرغ أن الإمارات والولايات المتحدة “لديهما الفرصة للوصول إلى أحدث التقنيات المتطورة — من طاقة الاندماج النووي إلى الذكاء الاصطناعي العام — بصفتهما شريكين مؤسسين”، وكأنهما “شخصان حالمان في مرآب صغير يريان المستقبل قبل أي شخص آخر، وبهذا يمكنهما أن يصوغا شكل القرن القادم معا”.
وكما ذكرنا سابقا، فقد بدأت باكس سيليكا تثمر عن مشاريع ملموسة بالفعل؛ بدءا من المجمع الصناعي الأمريكي الإسرائيلي المزمع إنشاؤه، وصولا إلى المحادثات حول تحديث طرق التجارة مثل الممر الرابط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا.
رأينا
باكس سيليكا ليست مجرد اتفاقية تجارية وإنما إطار قائم على الثقة المتبادلة: فالانضمام إلى عضوية هذا التحالف تضع الدول ضمن دائرة مفضلة تحظى بالدعم الأمريكي في الحصول على أحدث التقنيات ورؤوس الأموال والتعاون التنظيمي؛ مما يقلل من العقبات التي تواجه تطوير البنية التحتية اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي والاستثمارات المشتركة.
وعلى أرض الواقع، فإن ذلك يعني تنسيقا أوثق في منح الموافقات، ومسارات أسرع لتنفيذ المشاريع العابرة للحدود، ووضع قواعد أوضح لاستضافة مراكز الحوسبة المتقدمة، لا سيما وأن هذه الجوانب أصبحت مقيدة بشدة مع زيادة الرقابة على الصادرات التقنية.
وكل هذا ضروري للإمارات: فقد انتظرت الدولة لعدة أشهر خلال العام الماضي للحصول على الموافقات اللازمة لاستيراد الرقائق الإلكترونية المتقدمة لمشاريع مراكز البيانات الخاصة بها، بما يشمل مشروع مجمع ستارغيت الإمارات للذكاء الاصطناعي بقدرة 5 غيغاوات، وهو جزء من برنامج ستارغيت الأمريكي البالغة قيمته 500 مليار دولار. ومن المتوقع أن يبدأ تشغيل المجمع بداية من الربع الثالث من العام الجاري، ليصبح واحدا من أكبر مراكز الحوسبة المخصصة للذكاء الاصطناعي في العالم. وقد صدرت هذه الموافقات أخيرا في نوفمبر الماضي، مع وضع شروط أمنية معينة.
أولى مؤشرات التنفيذ الفعلي؟
في ما بدا كخطوة جاءت بالتزامن مع الانضمام إلى باكس سيليكا، وقعت الشركة العالمية القابضة في أبوظبي اتفاقية استثمارية مع مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية، وهي الذراع الاستثمارية الدولية للولايات المتحدة، للاستثمار في قطاعات استراتيجية تشمل المعادن الحرجة والخدمات اللوجستية والتعدين والطاقة والبنية التحتية، بحسب وكالة وام. وستركز هذه الاستثمارات على الأسواق الناشئة والواعدة، كما ستضخ رؤوس أموال في مجالات الزراعة المتقدمة والرعاية الصحية والأمن الغذائي.
ورغم عدم الإفصاح عن مبلغ استثماري محدد، تهدف الاتفاقية إلى ضخ “كميات كبيرة” من رأس المال، بحسب وام.
الخطوة التالية
من المقرر أن يجتمع الأعضاء يوم 4 فبراير في واشنطن لمناقشة ملف المعادن الحرجة.
وأيضا — تعتزم الإمارات وكوريا الجنوبية إبرام اتفاقية للاستثمار في الذكاء الاصطناعي قريبا، حسبما صرح سعيد بن مبارك الهاجري وزير الدولة للوزارة الخارجية، وهي خطوة ستشكل دفعة قوية أخرى لطموحات الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي، بالنظر إلى دور سيول الريادي في مجالات التصنيع المتقدم وأشباه الموصلات.