منذ عقود ووظيفة التدقيق الداخلي في البنوك الكبرى تسير وفق دورة متوقعة، تتراوح من 3 إلى 5 سنوات، وتتم عبر عملية يدوية لاحقة، تدرس ما تم في الماضي لضمان الامتثال. فاقتصر دور المدقق على رصد فجوات الامتثال، عادة بعد وقوعها، ثم تنسيق الأولويات مع مجلس الإدارة وإبلاغه بالمشكلات.

ظهر هذا الدور في وقت كانت فيه البنوك تعمل بالأساس من خلال الفروع التقليدية. أما البنوك التي توسع حضورها الرقمي حاليا، فتواجه مجموعة أوسع بكثير من المخاطر، ولم يعد هذا النهج الرجعي كافيا على الإطلاق، حسبما قال حسن علي، رئيس مجموعة التدقيق الداخلي لدى بنك المشرق، في مقابلة مع نشرة إنتربرايز الصباحية.

ومع اتساع الحضور الرقمي تصبح المخاطر أكثر إلحاحا، حسبما شرح علي، فأي خلل أو عطل رقمي ربما يؤدي إلى اضطراب كبير في العمليات.

ويكمن الحل في التحول إلى نهج أكثر مرونة واستباقية. والأداة الرئيسية التي ستساعد في تحقيق ذلك هي الذكاء الاصطناعي. وأوضح علي أن بنك المشرق يعمل بدأب لدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعاته وخدماته، من المنصات التي تخدم العملاء إلى العمليات الداخلية مثل التقارير المالية. وبدأ البنك الآن في تطبيق هذا التوجه على قسم التدقيق الداخلي، من خلال تطوير منصة خاصة به تستخدم وكلاء الذكاء الاصطناعي لتتبع البيانات آنيا.

يرى علي أن “وظيفة التدقيق عند مفترق طرق في الوقت الحالي”، وأشار إلى أن بعض قادة قطاع التدقيق الداخلي متشككون في تأثير الذكاء الاصطناعي على مجالهم: “أسمي هذه مرحلة الارتباك، إذ يشكك الكثيرون في مدى نجاحه، بينما يفضل البعض الحذر، وينتظرون أن يبادر شخص ما بالخطوة الأولى”. لكن علي ينتمي إلى فئة أخرى، فهو متفائل بالفوائد التي يمكن أن يقدمها الذكاء الاصطناعي لوظيفة التدقيق.

ستبدأ نتائج هذه المنصة الجديدة في الظهور خلال 12-18 شهرا، ضمن خطة للتوسع في استخدامها مدتها خمس سنوات، وفقا لعلي. وكشف أن المنصة ستستخدم حلولا متقدمة قائمة على الذكاء الاصطناعي ومعلومات عن المخاطر لتوفير رؤى وتحليلات تنبؤية.

ويرى علي أن الطريقة والنطاق اللذين تخطط المشرق لطرح المنصة بهما “غير مسبوقتين على مستوى العالم”. صحيح أن هناك حالات محددة بدأ الذكاء الاصطناعي يُستخدم فيها في مهام التدقيق الداخلي، إلا أن المشرق سيوظف تلك المنصة على مستوى مهام التدقيق بالكامل، لتندمج فيها منهجيات التدقيق التقليدية، ومن ثم تصبح جزءا من أنظمة أقسام البنك المختلفة لترصد البيانات في الوقت الفعلي، وتحللها باستخدام أوامر محددة للذكاء الاصطناعي. وبذلك، تجري عملية تحليل البيانات وتقييم المخاطر فورا بدلا من أن تستغرق عدة سنوات.

مصير المدقق الداخلي

تحدث علي بصراحة عما يعنيه هذا للعاملين في المجال. ففي غضون خمس سنوات، سيصبح دور المدقق الداخلي التقليدي في بنك المشرق مختلفا تماما. وأضاف قائلا: “إذا تعلمنا شيئا واحدا من التاريخ، فهو أن الآلات تنتصر دائما”، موضحا أن دور المدقق الداخلي يجب أن يتجه نحو الإشراف على وكلاء الذكاء الاصطناعي، بدلا من أداء العمليات بنفسه.

سيتحول دور المدققين ليصبح ضمان ألا يعمل الذكاء الاصطناعي على نحو معقد لا يمكن فهمه، والتأكد من وجود قابلية تفسير نتائجه، ما يعني إمكانية إعادة تنفيذ عمليات منصة الذكاء الاصطناعي والوصول إلى نفس النتيجة، وفقا لعلي.

وقد بدأت عملية تطوير المهارات هذه بالفعل في قسم التدقيق الداخلي ببنك المشرق، الذي شبهه علي بأنه صار “أكاديمية للتدقيق بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي”، تهدف إلى إعادة تأهيل المدققين وإعدادهم لهذا التحول في أدوارهم.

الحوكمة هي الركن الأساسي

عند سؤاله عن الشيء الوحيد الذي قد يؤثر في مرونة الشركات ويعرضها للفشل، كانت إجابة علي هي قصور الحوكمة والرقابة. وقال إن “الحوكمة هي الأهم. فأحيانا عند الفشل يتعين علينا البدء من جديد”.

وأوضح أنه “من المهم للغاية وجود توافق استراتيجي واضح بين مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية والإدارة التشغيلية”. فمجلس الإدارة يحدد الاستراتيجية العامة، والإدارة التنفيذية تقودها، والإدارة التشغيلية تنفذها، ولا بد من وجود حلقة وصل تتضمن إجراءات واضحة للمحاسبة والشفافية.

وأضاف علي أن دور التدقيق الداخلي ضمن هذا الإطار هو إتاحة التوثق أو تقديم المشورة، أو ما نسميه التحلي بـ”البصيرة”.

المحطة التالية: التسويق التجاري للمنصة

غالبا ما يتجه بنك المشرق بعد تطوير تقنياته الخاصة إلى إتاحتها للاستخدام التجاري. وبينما يطور البنك حاليا منصة التدقيق الداخلي القائمة على الذكاء الاصطناعي لخدمة عملياته، أوضح علي أن البنك يدرس أيضا كيف يمكنه طرح هذه التقنية للسوق في نهاية المطاف.