تمكن القطاع المصرفي الإماراتي من تنمية أرباحه خلال العام الجاري رغم سياسات التيسير النقدي التي طبقتها الإمارات، والتي تمثلت في خفض المصرف المركزي لأسعار الفائدة ثلاث مرات متتالية تماشيا مع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خلال أشهر سبتمبر وأكتوبر وديسمبر، ليصل سعر الأساس إلى 3.65%.

بالأرقام: أظهرت النتائج المالية لأكبر 10 بنوك في الدولة اتجاها إيجابيا، موضحة ارتفاع صافي أرباحها خلال الربع الثالث من العام بنسبة 4.3% لتصل إلى 23.6 مليار درهم .

عوامل النمو: تعزز هذا الأداء بفضل النمو القوي في صافي الأرباح من الفوائد والرسوم (رغم خفض أسعار الفائدة)، إذ أشارت بيانات شركة ألفاريز آند مارسال إلى ارتفاع الدخل من الرسوم والعمولات بنسبة 7.3% على أساس ربع سنوي خلال الربع الثالث وحده، كما أن الفوائد ساهمت بدور محوري، إذ ارتفع صافي دخل الفوائد بنسبة 5.0% ليصل إلى 26.5 مليار درهم.

تشير هذه النتائج إلى تزايد النضج البنيوي في القطاع المصرفي الإماراتي، وهذه مسألة مهمة للمستثمرين وواضعي السياسات أيضا. إذ تُظهر البنوك براعة متزايدة في إدارة ميزانياتها العمومية، ما يقلل من تأثرها المباشر بالقرارات الصادرة عن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

وتتفق مع هذا الرأي وكالات التصنيف الدولية؛ إذ منحت وكالتا فيتش وكابيتال إنتليجنس البنوك الإماراتية نظرة مستقبلية مستقرة، تماشيا مع قوة التصنيف السيادي المستقر عند درجة “-AA”. وفي حين عدلت موديز نظرتها المستقبلية إلى “مستقرة” بدلا من “إيجابية” كإجراء احترازي، أكدت ستاندرد آند بورز غلوبال تصنيفاتنا الائتمانية القوية، مشيرة إلى أن المخاطر المرتبطة بإقراض المستهلكين، الذي نما بنسبة 13.6% سنويا ليصل إلى 540 مليار درهم، ما زالت تحت السيطرة.

تزايد شهية الطلب على الائتمان –

سجل الائتمان المحلي مستوى قياسيا بلغ 2.5 تريليون درهم بنهاية أكتوبر، مدفوعا بالزيادة المتوازنة في الطلب المحلي والأجنبي. ويتجلى هذا الزخم بوضوح في حجم أصول المصارف، التي نمت بمقدار 650 مليار درهم في 10 أشهر فقط لتتجاوز 5.2 تريليون درهم. وبينما لوحظ بعض التباطؤ في نمو الطلب على الائتمان خلال الربع الثاني، فإن الركائز الاقتصادية القوية وارتفاع دخل الأسر ضمنا نمو الائتمان. ونتيجة لذلك، تصدرت البنوك الإماراتية منطقة الخليج من حيث معدلات نمو القروض والإيرادات، متمتعة بأقوى مركز لصافي الأصول الأجنبية في المنطقة.

ولم يعد نمو البنوك الكبرى يعتمد على السوق المحلية فقط. إذ تظهر تقارير فيتش أن القروض الدولية شكلت ربع الزيادة في إجمالي محافظ القروض خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، ما يوفر للبنوك مصادر دخل متنوعة بعيدا عن تقلبات السياسة النقدية المحلية.

السعي نحو الشمول المالي –

قاد المصرف المركزي تحولا كبيرا نحو الشمول المالي والرقمنة خلال العام، وذلك من خلال الكشف عن الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي في الإمارات للفترة 2026-2030، التي تستهدف تمكين النساء والشباب ورواد الأعمال بالأخص.

في إطار هذه الاستراتيجية، قرر المصرف إلغاء الحد الأدنى للراتب المطلوب للحصول على التمويلات المصرفية، بهدف إتاحة الاقتراض أمام شريحة واسعة من المقيمين الجدد وذوي الدخل المنخفض الذين لم يكن بمقدورهم الاقتراض في السابق.

كما أصدر المصرف المركزي تعميما يوجه البنوك بتعليق زيادة مزمعة في متطلبات الحد الأدنى لرصيد الحساب حتى إشعار آخر، وذلك في أعقاب قرارات عدة بنوك إماراتية كبرى برفع الحد الأدنى لرصيد الحسابات الجارية من 3 آلاف درهم إلى 5 آلاف درهم ابتداء من يونيو.

نظرة مستقبلية –

من المتوقع استمرار نمو العمليات الدولية للبنوك الكبرى في العام المقبل، مع زيادة معدل نمو القروض إلى 17%، رغم التوقعات بحدوث انخفاض طفيف في هوامش الربح على المدى الطويل لتستقر بين 2.5% و2.7%. عندئذ سيبدأ التحدي الحقيقي، وسيكون أداء البنوك مرهونا بقدرتها على الحفاظ على جودة الأصول في ظل الزيادة السريعة في إقراض المستهلكين.

ومن المرجح نمو إقراض المستهلكين بما يتراوح بين 10% و12% خلال العام المقبل، بحسب توقعات سابقة لوكالة ستاندرد آند بورز غلوبال، لافتة إلى أن التخفيضات الإضافية المحتملة في أسعار الفائدة ستكون عاملا مساعدا لهذا النمو، لا سيما وأن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من المتوقع أن يخفض الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس أخرى في العام المقبل. ومن المرجح أيضا أن تنجح البنوك الإماراتية في احتواء المخاطر التي تواجهها، نظرا إلى أن القطاع المصرفي قوي بما يكفي لاستيعاب أي ارتفاع محتمل في حالات التخلف عن سداد القروض الممنوحة للمستهلكين، بحسب الوكالة.