قطعت الإمارات شوطا كبيرا في تنظيم قطاع الألعاب، لتصبح أول سوق في منطقة الخليج تضع إطارا وطنيا لتنظيم الألعاب التجارية، بعدما تلقى القطاع دفعة قوية من منتجع الألعاب الذي تعمل على إنشاؤه شركة وين ريزورتس بقيمة 3.9 مليار دولار. وتبع ذلك حصول شركة شركة "ذا غيم" على رخصة لألعاب اليانصيب من الهيئة العامة لتنظيم الألعاب التجارية، والتي أصدرت تراخيص متنوعة أخرى للموردين ومزودي الخدمات في قطاع الألعاب، لتسمح لهم بتزويد السوق الإماراتية بالبيانات والكازينوهات ومحتوى الألعاب المخصصة للشركات.
لكن مع كل هذه التحركات برزت مخاوف وتساؤلات تنظيمية جديدة، في ظل محاولات القوانين الاتحادية والمحلية في كل إمارة لتنظيم القطاع على أرض الواقع وضمان الالتزام باللوائح. ويشير تقرير جديد (بي دي إف) صادر عن شركة استشارات الألعاب العالمية "إس سي سي جي" إلى أن المرحلة الأولى تكشف بالفعل عن وجود درجة من الغموض التنظيمي، خاصة في ما يتعلق بكيفية تنفيذ الإمارات المختلفة للتشريعات الاتحادية.
الآلية الحالية -
ما نعرفه حتى الآن: لا توجد في الإمارات سوابق قضائية أو قانونية في مجال الألعاب، لذا توضع اللوائح لضمان إمكانية تنظيم القطاع. والقوانين الاتحادية هي الأساس في هذا الشأن، بينما تعد قواعد الهيئة العامة لتنظيم الألعاب التجارية نافذة فور صدورها، والفجوات المتبقية تُسد بالعقود وبنود التراخيص. وهذا "يشكل إطارا قانونيا محكما حتى في ظل حداثة تلك القواعد التنظيمية"، حسبما قالت سارة الكبان وكريستا هيمان، المحاميتان في مكتب الكبان ومشاركوه.
وبالنسبة لألعاب الإنترنت، من المتوقع أن تتبنى الهيئة نموذجا يقوم على منح رخصة واحدة لكل إمارة، على غرار الإطار المستخدم في حالة الكازينوهات. ويعني هذا أنه رغم تنظيم الألعاب على المستوى الاتحادي، فإن تنفيذ القرارات يظل معتمدا على مشاركة كل إمارة، لا سيما في حالة ألعاب الإنترنت.
المركزية لها أهميتها: يرى ستيفن إيه. كريستال، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "إس سي سي جي"، أن المستوى الاتحادي من القرارات هو عامل الاستقرار في النظام، مضيفا أنه في الولايات المتحدة "يختلف الأمر تماما من ولاية إلى أخرى، ويوجد دور محدود للغاية للحكومة الفيدرالية، وهو ما يسبب تضاربا". وأوضح كريستال أنه حتى الآن "ردود الفعل في الإمارات إيجابية للغاية، فالناس يفضلون هذا الإطار القانوني". وأضاف أن ذلك النهج يتبع أسلوب سنغافورة، السوق الآسيوية الضخمة للألعاب، بدلا من النهج الأمريكي.
السلطات الاتحادية أكثر وضوحا مما تبدو عليه: في حين تسلط "إس سي سي جي" الضوء على التقاطع بين الإشراف الاتحادي والمحلي، ترى الكبان أن تراتبية السلطة في ذلك الوضع ليست محل شك. فبما أن الهيئة المنظمة لقطاع الألعاب تأسست بموجب مرسوم اتحادي، فإن تراخيصها تسري على مستوى الدولة. وتقول الشركة في تقريرها إنه "بدلا من النظر إلى التفاوت بين هذين المستويين من الإشراف، ينبغي اعتبارهما مجرد اختلاف في الاختصاصات القضائية لا بد أن يؤخذ في الاعتبار"، وهو ما يؤدي إلى زيادة الإجراءات، وليس إلى الغموض.
ومع ذلك فهناك مناطق مبهمة بالفعل في اللوائح التنظيمية. إذ تشغل العديد من المنصات مثل ترو وين ودريم آيلاند ألعابا إلكترونية تشبه ألعاب الكازينوهات رغم أن الجهات التنظيمية لم تتح تراخيص شاملة بعد. وتقول "إس سي سي جي" إن هاتين المنصتين تستندان في أعمالهما إلى رخصة شركة "ذا غيم".
يرى كريستال أن هذا الغموض أمر طبيعي في المرحلة الانتقالية الحالية. وأوضح أنه "مع البدء في تنظيم أي قطاع، تمر بعملية انتقال بين السوق غير الرسمية والسوق المنظمة".
لكنها مسألة وقت قبل أن تضطر السلطات إلى التصدي لهذه المخالفات، حسبما يتوقع كريستال. وأكد أن السماح باستمرار الأنشطة غير الخاضعة للتنظيم إلى الأبد سيقلل من قيمة التراخيص، ويثبط عزيمة الشركات الممتثلة للوائح، ويقوض الثقة في جدوى الاستثمارات طويلة الأجل، وهو درس تعلمته الأسواق الناضجة بالفعل.
نقاط شائكة أخرى -
هناك مسائل معقدة كذلك في ما يتعلق بالمدفوعات وإيرادات الألعاب. إذ يجب فصل إيرادات الألعاب والتعامل معها من خلال القنوات المصرفية التقليدية (غير الإسلامية)، بعيدا عن الإيرادات غير المتعلقة بالألعاب، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كان هذا الفصل يحد من المساهمة الاقتصادية الأوسع للقطاع.
لا يمكن للبنوك الإسلامية التعامل مع عوائد ألعاب المقامرة والمراهنات، وحتى البنوك التقليدية تفصل الحسابات المرتبطة بتلك الألعاب لمنع اختلاط الأموال، فتضمن بذلك الامتثال لمبادئ الشريعة مع الحفاظ على إمكانية التدقيق لأغراض مكافحة غسل الأموال.
إلى جانب هذا فالألعاب تصنف نشاطا عالي المخاطر بموجب قواعد مكافحة غسل الأموال في الإمارات، حسبما أوضحت الكبان وهيمان، ولهذا السبب يعد الفصل إلزاميا. وتقول الكبان إن "ذلك الفصل وسيلة مصممة لمنع اختلاط عوائد الألعاب بالأموال الأخرى". ونتيجة ذلك هي زيادة الامتثال للوائح، وليس الحد من النمو.
ينطبق المنطق ذاته على العملات المشفرة. فما زالت المراهنات باستخدام العملات المشفرة مباشرة محظورة، لكن يمكن لمشغلي الألعاب المرخصين اللجوء إلى منصات التداول الخاضعة للتنظيم كوسيلة لتحويل الأصول الافتراضية إلى عملات ورقية قبل إنفاقها ضمن منظومة الألعاب.
تفضيل التوازن على السرعة: يرى كريستال أن هذا الهيكل التنظيمي مقصود لموازنة الوضع، فلابد أن "يكون هناك توازن بين الشريعة الإسلامية والعادات والأعراف المحلية وبين أفضل سبل إجراء المعاملات في صناعة الألعاب"، واصفا الاعتماد على المسارات التقليدية والتحويل من العملات المشفرة إلى الورقية بأنه "التوازن المطلوب".
ليس عائقا كبيرا -
هل سيؤدي هذا التضارب إلى تخويف المشغلين؟ لا يعتقد كريستال ذلك. وعند سؤاله عما إذا كانت مجموعات الألعاب العالمية قد تعزف عن المشاركة في السوق بسبب ممارسات الفصل المالي ورفض بعض أنواع البطاقات وقيود العملات المشفرة، أجاب بالنفي دون كثير من التفكير، مشيرا إلى أن التعقيد في عالم الألعاب هو القاعدة وليس الاستثناء.
التكنولوجيا تمتص الصدمات: يرى كريستال أن "ما يميز قطاع الألعاب هو تطور التقنيات"، مشيرا إلى قدرة المشغلين على فصل الأموال، وإتاحة قنوات دفع بديلة، وتلبية متطلبات معرفة العملاء ومكافحة غسل الأموال في وقت واحد. وبحكم عمله في أكثر من 100 ولاية قضائية، يصف التكنولوجيا بأنها "طوق النجاة" للقطاع، فهي تقلل التضارب وتعزز الامتثال في الوقت نفسه، ولا تفرض كثيرا من القيود.
بالإضافة إلى ذلك فقطاع الألعاب لا يقوم فقط على ما يجري داخل الكازينوهات. يشرح كريستال ذلك قائلا إن "هناك جوانب عديدة يمكن أن تستفيد منها الإمارات لا تتعلق بالألعاب مباشرة"، منها السياحة والضيافة والترفيه والقطاعات الداعمة لأعمال الشركات. وفي الأسواق الناضجة مثل لاس فيغاس وماكاو يتركز جزء كبير من القيمة خارج الكازينوهات.
رأينا: هذه الفكرة تتضح في نموذج المنتجعات المتكاملة في الإمارات. قد تكون الكازينوهات هي الركيزة الأساسية للمنظومة، لكن السياحة والترفيه يسهمان بالمساهمة الاقتصادية الأكبر، ويتوليان مجموعة الأدوار اللازمة لدعم توطين القوى العاملة بمرور الوقت.
وبالحديث عن القوى العاملة -
هذه معضلة أخرى لم تُحل بعد. إذ تنطبق على القطاع متطلبات التوطين، لكن الأدوار المباشرة في الكازينوهات تثير حساسيات ثقافية. ويقول كريستال إنه "في البداية، قد يكون الأمر صعبا. وربما تحتاج الكازينوهات إلى الابتكار"، مشيرا إلى احتمالية اللجوء إلى الإماراتيين في الأدوار المؤسسية ومهام الامتثال والإشراف، وإلى الوافدين في صالات الألعاب.
ويتفق محامو الكبان على أنه من المرجح الاستعانة بالإماراتيين في "الوظائف الإدارية ومهام الامتثال والإشراف"، واصفين ذلك النهج بأنه وسيلة عملية للوفاء بالمتطلبات مع احترام الحساسيات الثقافية في ذات الوقت.
صعوبات البدايات أم مؤشرات خطر؟ يشدد كريستال على أهمية عدم المبالغة في هذه التناقضات، موضحا أن "الانتقال من الحظر الصارم لأي نشاط إلى السماح به يمر دوما بمشكلات"، وهذا ما يسميه صعوبات البدايات. ومن وجهة نظره، فإن البنية التحتية في الإمارات والإرادة التنظيمية وتوفر المواهب كلها مؤشرات تعني أن النظام مصمم للتكيف مع نضج السوق وليس عرقلته.
أهمية تلك الخطوات -
يمكن لقطاع الألعاب أن يسهم في الاقتصاد بإسهامات ضخمة. فلو افترضنا مسارا متحفظا، تستضيف فيه الإمارات منتجعا متكاملا واحدا وتقيد فيه تشغيل الألعاب عبر الإنترنت، يمكن أن تصل الإيرادات السنوية للقطاع إلى ما بين 1.5 و2 مليار دولار. أما التوسع باستضافة منتجعات أكثر وتنظيم الألعاب عبر الإنترنت في إمارات بعينها فسيرفع هذا الرقم إلى ما بين 5 و6 مليارات دولار.
وهذه التقديرات تزيد أكثر بكثير لو افترضنا الحدود القصوى للنمو. ففي سيناريو التوسع الكامل، باستضافة عدة منتجعات متكاملة والسماح بتشغيل الألعاب عبر الإنترنت على مستوى الدولة، ترى "إس سي سي جي" أن الإيرادات السنوية قد ترتفع إلى ما بين 8 و10 مليارات دولار، لتقترب من أداء القطاع في سنغافورة بمرور الوقت.
ولن يكون الطلب مشكلة؛ إذ يرى كريستال أن "هناك طلبا غير محدود"، وما سيؤثر في النتائج هو مدى المواءمة بين القواعد الاتحادية، وشكل تطبيقها على مستوى كل إمارة، والمسارات المصرفية، وسياسات العمل، وآليات إنفاذ اللوائح بمجرد أن يتجاوز السوق مرحلة إعلانات صدور التراخيص.
سعي للصدارة: أضاف كريستال أن الإمارات "في الوقت الحالي تتعلم من الأسواق الأخرى. لكن في المستقبل ستتعلم الأسواق الأخرى من الإمارات". وأشار إلى أن المزيج الذي تتمتع به الإمارات بين صرامة الرقابة والاعتماد في الامتثال على التكنولوجيا يمكن أن يصبح نموذجا مرجعيا للدول حول العالم، لتكرر الإمارات بذلك النهج الذي طبقته بالفعل في قطاعات أحدث مثل العملات المشفرة، والتي أشاد بها المتابعون حول العالم لوضوحها التنظيمي.