في ظل التحول الذي تشهده القنوات المصرفية الرقمية لتصبح الواجهة الأساسية لخدمة العملاء، لم تعد مسؤوليتنا تقتصر على حماية المؤسسة فحسب؛ بل امتدت لتشمل ضمان المرونة التشغيلية وحماية المنظومة الكاملة التي يتواجد فيها العملاء. لم يعد التركيز التقليدي للتدقيق على "استعادة القدرة على التعافي من الكوارث" كافيًا، إذ أصبح المعيار الحقيقي لنجاح أي مؤسسة هو استمرارية الأعمال والعمليات التشغيلية. وفيما يتعلق بالمشرق، باعتباره إحدى المؤسسات المصرفية التي تعتمد على الخدمات الرقمية وهو ما أدى إلى التوسع في استخدام القنوات الرقمية وبالتالي زيادة مستويات التعرض للمخاطر، ما يستوجب ضمان مرونة هذه القنوات بما يكفي لمواصلة تقديم الخدمات بسهولة للعملاء، حتى في ظل مواجهة أصعب التحديات.

قدّم التدقيق الداخلي فيما مضى نظرة ضرورية ولكن استرجاعية للمخاطر، حيث اعتمدنا على تحليل البيانات التاريخية والأحداث الماضية لاستشراف المستقبل. ومع ذلك، فإن تعقيد التحديات التي طرأت على الساحة مؤخرًا بدءًا من الهجمات السيبرانية المتطورة وصولًا إلى المتطلبات التنظيمية الناشئة مثل معايير الاستدامة البيئية والاجتماعية ومبادئ الحوكمة (ESG) يتطور بسرعة تفوق قدرة نهج التدقيق التقليدي الذي يتم بصورة دورية على مواكبة هذه التطورات. لذا، ينبغي علينا اتخاذ خطوة حاسمة نحو تبني دور استباقي يركز على التنبؤ بالمخاطر الناشئة والتخفيف من حدتها بدلًا من اتخاذ رد فعل بعد وقوعها.

ويقوم هذا التحول على محورين أساسيين، أولهما، تبني منظومة ذكية لاستشعار المخاطر عبر تبني حلول التدقيق المستمر، والاستفادة من أدوات التحليل المتقدمة وأدوات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات بدقة وبصورة شبه فورية، مما يثمر عن تقليل الوقت المستغرق وتحديد المخاطر بشكل استباقي. وفيما يتعلق بالمحور الثاني، فيتمثل في ترسيخ مبادئ الحوكمة كركيزة أساسية يقوم عليها هذا التحول، إذ لا يمكن استدامته إلا ضمن إطار حوكمة قوي يضمن وضوح المسؤوليات والتكامل الاستراتيجي بين مجلس الإدارة، والإدارة التنفيذية، وإدارة التدقيق. وتكمن أهمية دور إدارة التدقيق في أن يكون عامل تمكين حقيقي، يرسّخ الوعي بقيمته، ويؤدي دورًا محوريًا في تحقيق التوازن الرقابي.

إن المشهد المتغير للمخاطر يستلزم تحولاً جوهريًا في مهارات المدقق الداخلي، ففي غضون خمس سنوات، سوف تطرأ تغييرات هائلة على طبيعة هذه الوظيفة. سوف ينتقل التركيز بعيدًا عن المراجعة التقليدية للمعاملات وعمليات الامتثال يدويًا، نحو إدارة أنظمة معقدة لاستشعار المخاطر واكتشافها. وسيشرف المدققون على نماذج ونظم متقدمة، لضمان شفافيتها، والتحقق من دقة مخرجاتها. ويتطلب ذلك تسريع وتيرة تطوير المهارات وبناء كفاءات تكنولوجية متقدمة، لإدارة مجالات جديدة مثل حوكمة الذكاء الاصطناعي ودمج معايير الاستدامة البيئية والاجتماعية ومبادئ الحوكمة (ESG) في جميع عمليات التدقيق. ومن خلال تبني هذا التغيير، يتحول التدقيق الداخلي إلى شريك استراتيجي حقيقي يساهم في تعزيز المرونة التشغيلية وتحقيق قيمة مستدامة للبنك.

حسن علي، رئيس التدقيق الداخلي للمجموعة، المشرق