وصل رائد الأعمال اللبناني هيثم عبد الباقي إلى دبي في عام 2002 حاملا حقيبة مليئة بالعطور التي صنعها من زيوت مستخلصة من أزهار جبل لبنان، حيث كانت عائلته تزرعها وتبيعها. وبعد مرور عقدين من الزمن، تحول العمل الذي بناه من تلك الحقيبة إلى علامة تجارية فاخرة للعطور العربية، تنتشر في 12 دولة، ولا تزال تحمل أصولها اللبنانية، ولكن بروح وعلامة تجارية إماراتية مميزة.
روتيني الصباحي فقرة أسبوعية نتحاور خلالها مع أحد الأفراد البارزين في مجتمعنا لنعرف كيف يبدؤون يومهم، كما نطرح عليهم بعض الأسئلة المتعلقة بأعمالهم. ويتحدث إلينا هذا الأسبوع هيثم عبد الباقي (لينكد إن)، رئيس مجلس إدارة شركة طيف الإمارات. وإليكم مقتطفات محررة من الحوار:
إنتربرايز: كيف دخلت مجال العطور؟
هيثم عبد الباقي: أنا من جبل لبنان، وكان نشاط عائلتي التجاري هو زراعة الزهور وبيعها. وفي بعض المواسم، كنا نتخلص من الكثير مما زرعناه عندما ينخفض الطلب، لذا أردت الاستفادة من النباتات المهملة عبر استخراج الزيت وروح العطر منها عن طريق التقطير. استخدمت زهورا مثل الياسمين والغاردينيا، ومستخلصات من أشجار الليمون والقرنفل، وحاولت تعبئتها وبيعها في لبنان.
كان من الصعب توسيع نطاق الإنتاج لأن كمية الزيت التي يمكنك استخراجها من النباتات قليلة جدا، لذا تحتاج إلى كميات هائلة من النباتات، وهي عملية مكلفة. لذلك، قررت في عام 2002 المجيء إلى الإمارات – أنا وحقيبتي فقط – وكانت الدولة حينها في المراحل الأولى من ازدهارها كمركز تجاري، وحاولت البدء في بيع ما لدي هناك.
كان منتجنا طبيعيا تماما، على عكس المنتجات التي تعتمد على المواد الكيميائية هنا في الإمارات، وهو ما أعتقد أنه أثار اهتمام الكثير من العملاء. استطعنا بيع المنتجات التي تعد باهظة الثمن في لبنان بسهولة في الإمارات لسوق تقدر المنتجات الطبيعية وتتمتع بقوة شرائية أعلى بكثير.
بعنا أكثر بكثير مما توقعنا في غضون ثلاثة أسابيع، فبدأنا في تطوير المنتج، وبدأنا نتلقى الكثير من الطلبات من العملاء لمزج روائحنا الزهرية مع العود أو العنبر، وهي عطور لها بالطبع شعبية كبيرة هنا.
بدأنا المزج وظهرت إحدى عطورنا المميزة — فأطلقنا عليها اسم طيف — وبدأت تحظى بشعبية كبيرة وأصبحت مصدر إلهام لما أصبح اسم علامتنا التجارية، “طيف الإمارات”. نمتلك الآن نحو 75 متجرا في 12 دولة. ولدينا أيضا ثلاث شركات تابعة، تمتلك مجتمعة نحو 25 فرعا أيضا.
إنتربرايز: ذكرت أن العطور الطبيعية والعضوية كانت نادرة جدا في الماضي في هذا السوق. أظن أن هذا قد تغير بمرور الوقت، هل اضطررتم إلى تغيير مساركم أو إيجاد طريقة للحفاظ على التنافسية؟
هيثم عبد الباقي: المنافسة صحية في أي صناعة. في هذه الصناعة، تترك الأرض التي تحصل منها على موادك بصمة واضحة على المنتج النهائي، وحتى لو حصلت على نفس النبتة وزرعتها في تربة مختلفة، فلن تنتج الرائحة ذاتها أبدا. التربة تحدد الرائحة، لدرجة أن بعض العملاء لا يستطيعون معرفة أصل العطر بسبب اختلاف رائحته من مكان لآخر.
يمكن استخراج الكحول أيضا من عدة مصادر، ونحن نستخدم أغلى الأنواع الطبيعية المستخرجة من قصب السكر. نقوم بتقطيره في منشآتنا الخاصة، في لبنان وتركيا، ونستورد المواد من لبنان، حيث النباتات التي تشكل أساس جميع عطورنا، إلى جانب بلغاريا وإيران وبولندا ودول أخرى، لذا لدينا سلسلة توريد متنوعة، لكن أصلنا اللبناني هو ما يميزنا.
هناك شيء آخر يساعد في تمييز منتجاتنا وهو الطريقة التي نقطّر ونستخرج بها روح العطر، فضلا عن مصادرنا؛ فمعظم العلامات التجارية في العالم العربي التي تنتج العطور الزهرية تستخدم التقطير الثاني أو الثالث، مما يساعد في استخراج المزيد من الزيت، لكن الزيت يكون أقل تركيزا وأقل ثباتا. نحن نستخدم دائما التقطير الأول، ونستخدم الموارد الطبيعية، ونعتقد أن هذا الالتزام بالجودة العالية هو ما يحافظ على أهميتنا وجاذبيتنا.
إنتربرايز: كيف مولت المشروع في البداية؟
هيثم عبد الباقي: تعلمت من والدتي في وقت مبكر عدم الاعتماد على التمويل الخارجي مثل القروض المصرفية والابتعاد عن الربا بشكل عام. بالنسبة لي، إذا لم يكن لدي الأموال، فلا أستثمر؛ وإذا توفرت، فسأفعل. ولهذا السبب استغرقت أعمالنا وقتا أطول للانطلاق، وكان ذلك من خلال النمو العضوي البحت، مع إعادة توظيف الدخل من العمل من أجل النمو.
نعم، الأمر يتطلب الكثير من الصبر. ولكن بالنسبة لي، هذه هي التجارة؛ لا يمكنك الحصول على عمل قوي مبني على حرفة – مثل العطور – دون صبر ودأب.
إنتربرايز: تجارة العطور لا تتأثر بالزمن. ولكن هل هناك أي اتجاهات تعتقد أنها قد تحدث تغييرا جذريا في الصناعة في المستقبل القريب؟
هيثم عبد الباقي: نحن نستعد لعام 2026 منذ أوائل عام 2025. من الضروري في هذا العمل إجراء الكثير من الأبحاث في وقت مبكر للتأكد من أننا نسبق الاتجاهات السائدة. وهذا ينطبق بشكل خاص على عمل مثل العطور، والذي يعد في نهاية المطاف رفاهية وليس ضرورة. ومن أجل الحفاظ على ولاء العملاء، يتعين علينا الابتكار باستمرار والتفكير في طرق للحفاظ على إقبالهم.
نحاول أيضا العثور على نباتات وموارد نادرة في السوق، ونقوم بتخزينها وتجربتها لنرى كيف يمكننا الاستفادة منها.
إنتربرايز: أين ترى “طيف الإمارات” بعد بضع سنوات؟
هيثم عبد الباقي: كان هدفي في عام 2017 هو امتلاك مصنع خاص بنا، وليس مصنعا مستأجرا. حققنا ذلك في عام 2023. ينتج المصنع 1200 وحدة كل ساعة، وهدفي هو تطوير مصنع جديد يبلغ حجمه 4 أضعاف حجم مصنعنا الحالي، مما سيسمح لنا بتوسيع نطاق الإنتاج والتوسع في أسواق مثل الولايات المتحدة وأوروبا.
إنتربرايز: كيف تبيع مثل هذا المنتج العربي الأصيل للعملاء الأوروبيين والأمريكيين؟
هيثم عبد الباقي: نجري أبحاثا مكثفة لأسواقنا قبل اتخاذ خطوة التوسع فيها. نحاول معرفة الأسواق المهتمة بالعطور العربية الفاخرة، ونصمم المنتجات وفقا لذلك.
في الولايات المتحدة، أجرينا مجموعات نقاشية لمعرفة كيفية استقبال منتجاتنا وكيف يمكننا العمل عليها لتناسب ذلك السوق. لا يمكننا الدخول بشكل أعمى بنفس المنتجات التي نبيعها في العالم العربي. نحتفظ بالجوهر العربي الأصلي الموجود في جميع عطورنا، لكننا نعدل الكثافة ونخلق مزيجا من النوتات العطرية التي تلبي أذواقهم.
إنتربرايز: نصل إلى الجزء المعتاد من هذه الفقرة، ما هو روتينك الصباحي؟
هيثم عبد الباقي: عادة ما أنام مبكرا، بين الساعة 11 مساء ومنتصف الليل، وأحرص على تنقية بريدي الوارد وتطبيق واتساب قبل النوم والتفرقة بين ما هو ملح وغير مستعجل للصباح التالي، لذا أبدأ يومي كل صباح وأنا أعرف أولوياتي.
فور وصولي إلى المكتب، أحاول تخصيص الوقت للإدارات التي تحتاجه أكثر من غيرها، حيث توجد فجوات في الأداء أو مشكلات. أراقب أيضا كاميرات المتاجر على مدار اليوم لأرى كيف تعمل في البلدان التي نعمل فيها. هذا أمر بالغ الأهمية، إنه اختبار حقيقي لمعرفة مدى صحة العمل وما هي المشكلات التشغيلية التي قد تؤثر عليه.
تعمل مرافق التصنيع لدينا في هذه المرحلة كآلة تعمل بكفاءة عالية. تعمل أنظمتها بسلاسة مع الحد الأدنى من التدخل، لذا ينصب معظم تركيزي على ما يحدث بعد أن يصبح المنتج جاهزا، أي في مرحلة التجزئة.
ترشيحات هيثم –
ما يقرأه: أستمتع حقا بقصص الأنبياء، قصة النبي يونس عليه السلام على سبيل المثال، أرى أنها تساعدني على الثبات وتعيدني إلى أزمنة أبسط، وتمنحني الكثير من الطاقة الإيجابية والأمل.
طريقته المفضلة للاستراحة من العمل: قضاء الوقت مع أطفالي. ففور أن أواجه مشكلات في العمل أو أبدأ في الشعور بالتوتر، أغلق هاتفي وآخذ أطفالي للخارج، إما في رحلة سفاري أو إلى مطعم لطيف.
نصيحته: لا يشترط أن تكون رائد أعمال لتكون ناجحا؛ كل ما تحتاجه هو هدف. عليك أن تكون مركزا وملتزما. الأمر لا يتعلق ببناء مشروع تجاري لمجرد القيام بذلك. لكن، ابحث عما تجيده، وتأكد من أن لديك استراتيجية، وأموالا كافية للبدء بشكل مجدٍ حتى تتمكن من إعالة نفسك.