يزدهر قطاع الفن في منطقة الخليج والشرق الأوسط بشكل غير مسبوق، مدفوعا بتدفق الثروات إلى المنطقة، مما يخلق مساحة لسوق لم تستغلها المعارض وشركات الاستشارات الفنية العالمية من قبل. والآن، باتت أنظار دور المزادات والمعارض، وحتى معارض الفن والتصميم الشهيرة مثل ديزاين ميامي وآرتبازل تتجه بشكل متزايد نحو المنطقة.
تلقى سوق الفن في المنطقة دفعة قوية من صناديق الثروة السيادية والحكومات الخليجية في إطار سعيها لتنويع اقتصاداتها بعيدا عن النفط. ولعل أبرز مثال على هذا صفقة استحواذ القابضة (إيه دي كيو) على حصة أقلية بقيمة مليار دولار في دار سوذبيز للمزادات العالمية في العام الماضي، والتي تضمنت التزام سوذبيز بافتتاح مقر لها في أبوظبي.
ومن بين الساعين لاغتنام هذه الفرصة آدم بالدوين، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركتي بالدوين كونتيمبوراري وبالدوين فاين آرت أكويزيشنز.
آدم هو ضيفنا هذا الأسبوع في فقرة روتيني الصباحي، وهي فقرة أسبوعية نتحاور خلالها مع أحد الأفراد البارزين في مجتمعنا لنعرف كيف يبدؤون يومهم، ونستغل فرصة اللقاء للغوص في تفاصيل قطاع أعمالهم. تحدثنا هذا الأسبوع مع بالدوين حول كيفية تأسيسه للشركة، وما الذي جذبه إلى دبي، وكيف يدير عملا (شخصيا للغاية) يمتد عبر قارتين. وإليكم مقتطفات محررة من الحوار:
إنتربرايز: لنبدأ من الصفر: ما هي طبيعة عملكم؟
آدم بالدوين: نشاطنا في المقام الأول هو تجارة الأعمال الفنية الخاصة. بدأنا في لندن منذ نحو ثماني سنوات، ولدينا مقر في ميامي، والآن تمثل دبي ثالث مقراتنا.
ينصب تركيزنا على السوق الثانوية للأعمال الفنية التي تعود للقرن العشرين، والتي تأتي غالبيتها من أمريكا الشمالية وبريطانيا وأوروبا وآسيا. ونحن نعمل حصريا في السوق الثانوية، ما يعني ببساطة أننا لا نمثل الفنانين.
إنتربرايز: ما هو دورك في الشركة اليوم؟
آدم: أنا مؤسس الشركة وأعمل رئيسا تنفيذيا لها وشريكا إداريا فيها. لقد نما الفريق ووصل إلى مرحلة جيدة الآن؛ ولدينا من يعملون في الشركة بشكل مستقل نسبيا. لكن المعارض الفنية فيها شيء مختلف، فهي تكتسب طابع مؤسسيها؛ فالمعرض الفني — عمليا — عمل بسيط، لكنك ترى كل معرض مختلف تماما عن الآخر، وهذا أحد أسباب حبي لهذا المجال، وهو أيضا السبب وراء صعوبة التخطيط للتعاقب الوظيفي في شركات المعارض الفنية، بعيدا عما يتوفر لك في اللحظة الحالية.
إنتربرايز: إذا سمحت لنا بالنظر للصورة الأكبر، لماذا اخترت الفن كمشروع تجاري في المقام الأول؟
آدم: كنت مقتنيا للأعمال الفنية قبل أن أصبح تاجرا. وأصبحت تاجرا بالصدفة عندما اشتريت عملا فنيا لم يعجب زوجتي. وبعد جدال استمر عامين، قررت محاولة بيعه.
عرضته في مزاد، وقلت لدار المزادات: "لا أعرف طبيعة العمل، ولكن سأكون سعيدا إذا تمكنت من استعادة ما دفعته فيه". لأكتشف أن دار المزاد باعت العمل بحوالي عشرة أضعاف السعر الذي دفعناه. فوجدت الأمر مثيرا للاهتمام.
من هنا كانت البداية. فأنا بدأت بالاقتناء، ثم تحولت إلى مقتن يبيع بعض الأعمال أحيانا، ثم أصبحت مقتنٍ وتاجر. ثم بدأت أبيع بمستويات تطلبت فتح مقر، مما يعني تعيين موظفين، ومن ثم تضخم الأمر ككرة الثلج. أصبحت الشركة على ما هي عليه الآن، لكن في المراحل الأولى، لم يكن هناك اتجاه محدد حقا. كنت أفعل ما أحبه فقط.
إنتربرايز: لماذا القرن العشرين بالتحديد؟
آدم:لأنه في البداية كان الأمر يقتصر علي وحدي. وكان هذا ما أحبه وما أعرفه. كان هذا هو السوق الذي يمكنني التركيز عليه، ومن هناك توسع كل شيء.
إنتربرايز: هل شعرت بأي قلق من تحويل الشغف إلى عمل تجاري؟ غالبا ما نسمع الناس يقلقون من أن العمل قد يفسد الهواية.
آدم:حسنا، أعتقد أنه أفسد الهواية بطريقة ما، ولكن بطريقة رائعة. الهواية لم تعد موجودة بشكلها الأصلي، لكني أحب ذلك. أقضي وقت فراغي في قراءة كتب عن الفن وعن سوق الفن. وأنا أحب هذا جدا، ولأكون صادقا، ما زلت لا أدري كيف حولنا هذا الشغف إلى عمل تجاري، وهذا من حسن حظي.
إنتربرايز: كيف تدير عملا يعتمد على التواصل الشخصي من موقعين مختلفين ومتباعدين جدا؟
آدم:لدينا فريق صغير يعمل معنا في هذين الموقعين المختلفين. كل موقع يدير نفسه بنفسه إلى حد ما. في النهاية، هو عمل شخصي، لكن العمل انطلق حقا خلال عمليات الإغلاق بسبب جائحة كورونا. دخلنا الإغلاق ونحن جدد نسبيا على السوق — كنت في هذه الفترة مقتنيا يبيع أحيانا — وخرجنا من الجائحة شركة فنية مكتملة الأركان.
تأسست نواة الشركة كنوع من الأعمال "العالمية أولا". وبسبب ذلك، نحن أكثر مرونة من المنافسين التقليديين. فخلال الجائحة، عانت بعض المعارض وبعضها أفلست، بينما كانت تلك الفترة فترة نمونا.
نحن نقيم معارض، لكن غالبية عملنا هي مبيعات خاصة مع مقتنينا حول العالم. لدينا مخازن في كل مكان، في سويسرا، وفي الولايات المتحدة، لندن، والآن دبي. نحن لسنا معرضا محليا في شارع رئيسي يأمل أن يدخل شخص ما اليوم لشراء شيء ما. هذه ليست طبيعة عملنا.
إنتربرايز: من هم عملاؤكم، من الناحية النوعية؟
آدم: عملنا الأساسي هو الشراء من المقتنين والبيع لهم، والبيع لمقتني فن ما بعد الحرب والفن المعاصر، ولكن من الواضح أن المقتنين يتخذون أشكالا مختلفة. نحن نعمل مع المؤسسات والمتاحف والمكاتب العائلية. نقوم بالكثير من الأعمال التجارية البينية (مع تجار آخرين) أيضا، وهو أمر لا يقوم به الكثير من المنافسين التقليديين بنفس القدر.
امتلاكنا لمخزوننا بالكامل يسمح لنا بأن نكون أكثر نشاطا في تعاملاتنا التجارية — فهو يمنحنا الحرية المطلقة لإيداع الأعمال التي نملكها لدى معارض وتجار آخرين (سواء للمعارض الفنية القادمة أو المعارض الكبرى، على سبيل المثال).
إنتربرايز: ما الذي جاء بك إلى دبي؟
آدم: لدي اهتمامات تجارية هنا منذ فترة. ولدينا عدد من المقتنين البارزين المقيمين هنا وقد تزايد حجم الأعمال بيننا مؤخرا.
يبدو الحضور في هذه المدينة مهما؛ فربما تكون أسرع شبكة نمو للمقتنين والمستثمرين والمكاتب العائلية في العالم حاليا. الكثير ممن عرفتهم من لندن — وخاصة العائلات التجارية الهندية الشهيرة — غادروا قبل خمس أو ست سنوات وهم جميعا في دبي الآن. المدينة تنبض بالحياة، ولا أستطيع مقارنة دبي بأي مدينة من حيث تدفق نوعية من نتعامل معهم.
إنتربرايز: ما الذي يشغلك حاليا؟
آدم: توجه الشركة هو أمر له أولوية؛ للشركة حاليا عدة مجالات مختلفة تعمل فيها، لذا فإن التركيز وتذكر دائما ما نجيد فعله هو أمر ضروري. يجب أن يقودنا السوق إلى حد ما، ولكن علينا أيضا أن نتذكر نقاط قوتنا ونقاط ضعفنا.
في عالم الفن، من المهم معرفة ما يجب أن تقول له "لا". مع أنواع الصفقات التي نبرمها والمبالغ التي ندفعها، يجب أن تعرف كل شيء عنها، وإلا ستجد نفسك خارج المسار بسرعة لا تتخيلها.
إنتربرايز: ما هو الاتجاه الأكثر إثارة للاهتمام في الصناعة الآن والذي قد يجعلك تقول "لقد كنت على حق"؟
آدم:أعتقد أن أحد الأشياء المسكوت عنها هو تغير موازين القوى داخل عالم الفن. إذا عدت بالزمن 30 أو 40 عاما، لوجدنا أن المعارض الكبرى في نيويورك ولندن وباريس كانت هي المتحكم المطلق في الذوق العام؛ تدخل المعرض، وهم يسيطرون على الفنان، ويسيطرون على كل شيء.
الآن، أصبح اكتشاف الأعمال الفنية أسهل بكثير مع وسائل التواصل الاجتماعي وتوفر البيانات بشكل عام. أعمل مع مقتنيين يذهبون لزيارة استوديوهات الفنانين مباشرة. وبات بإمكانك الآن التواصل بسهولة نسبية مع أشخاص كان من الصعب للغاية الوصول إليهم في الماضي.. ومؤخرا، دعاني صديق لي —وهو من كبار المقتنيين— لمرافقته في زيارة لاستوديو فنان شهير وبارز جدا. أخبرته أنه من الأفضل ألا أذهب لأن المعرض الذي يمثل هذا الفنان لن يرحب بوجود تاجر آخر في اللقاء، لكنه أجابني: "لا شأن لهم بهذا، لقد راسلت الفنان مباشرة عبر إنستغرام ودعاني للحضور". وهذا أمر لم يكن ليحدث قبل 20 عاما.
أشعر أن "المعارض الكبرى" تتمتع حاليا بنفوذ غير مسبوق من ناحية، ولكنها من ناحية أخرى لم تكن يوما مكشوفة أمام التغيرات الديموغرافية للسوق كما هي الآن. فلديك نماذج مثل شركتنا، التي دخلت السوق دون استثمارات ضخمة أو خطة عمل معقدة، بل بدأت بمجهود فردي مني. وأتوقع أنه في غضون عشر سنوات، ستتوسع دائرة "حراس البوابة" في عالم الفن بشكل أكبر. لدي مقتنيين في جميع أنحاء العالم بعت لهم أعمالا فنية مهمة قبل أن ألتقي بهم شخصيا، وهو مشهد مغاير تماما لما كان عليه الحال في الثمانينيات أو التسعينيات.
إنتربرايز: إذن، دعنا نسألك عن روتينك الصباحي؟
آدم:بما أنني في دبي منذ أربعة أشهر فقط، فالأمر يتغير يوميا. لدينا صالة ألعاب رياضية في منزلنا، وهو ما لم يكن لدي في لندن، لذلك غالبا ما أذهب إلى الصالة الرياضية. أستيقظ في الخامسة صباحا وأحاول ممارسة الرياضة قبل الإفطار مع العائلة. لدي ولدان وقد بدأ أحدهما الذهاب إلى المدرسة هنا، لذلك أوصله دائما إلى المدرسة، وبعدها أذهب للعمل.
إنتربرايز: وكيف يبدو يوم العمل المعتاد؟
آدم: في الحقيقية، لا يوجد يوم معتاد. الشيء الجيد في دبي هو أننا نسبق لندن بضع ساعات، لذلك غالبا ما تكون الساعات الأولى من يومي هادئة ودون اضطراب. نقضي الكثير من الوقت في المعارض والبرمجة، لضمان تقديم الأفضل لمقتنينا. وفي أيام المواسم، مثل موسم المزادات في نيويورك أو لندن، يكون جدول العمل مزدحما جدا.
نموذج عملنا مثير للاهتمام، فنحن نمتلك معظم الأعمال الفنية التي نبيعها، إذ نشتريها برأس مالنا الخاص وأحيانا بالتعاون مع شركاء. وهذا يختلف عن معظم المعارض الأخرى التي تعتمد بشكل أكبر على الوساطة أو عرض الأعمال بنظام الأمانات. ولطالما كانت وتيرتنا أكثر استقرارا؛ فنحن نشتري الأعمال بأنفسنا ونحتفظ بها لفترة.
إنتربرايز: ولكن ذلك يكون على حساب تجميد رأس المال في الميزانية العمومية. لماذا التحرك في هذا الاتجاه؟
آدم: لأن هذا ما نجيده. نحن جيدون في شراء الأعمال واستخدام قنوات التوزيع الخاصة بنا لبيعها. لدينا "نشاط الاستحواذات" هذا هنا والذي لم يكن مخططا له. يبدأ الأمر بشكل عفوي: تبيع بضعة أعمال لمكتب عائلي، وتبدأ المحادثة، ويقولون: "إذا رأيت أي شيء جيد، ولكن ليس لديك التدفق النقدي، هل يمكننا الدخول في شراكة؟". ونتيجة لذلك، نقوم الآن بمشروعات مشتركة، وتمويل مباشر، وملكية مشتركة مع عملاء يرغبون أساسا في تمويل مخزوننا جزئيا.
نحن نتعامل مع الأعمال الفنية من جانب العرض وصولا إلى جانب التمويل. لقد مولنا ضمانات في المزادات، وقدمنا قروضا بضمان أعمال فنية. لقد قمنا بالمزيد مما يمكن تسميته "الجانب التركيبي" لسوق الفن. لا أحد في سوق الفن يسميه كذلك، لكن هذا هو واقعه.
إنتربرايز: كيف تحافظ على نظامك؟
آدم: لدي مساعدة شخصية استثنائية في المملكة المتحدة تعرف جدول أعمالي أفضل مني. ولدي قائمة مهام على هاتفي لا يبدو أنها تكبر أو تصغر، تنجز مهمة وتضاف أخرى.
الترتيب مهم وإلا يمكنك الانتقال من بداية اليوم إلى نهايته دون إنجاز يذكر. وجودي في دبي يجعل شركتنا أكثر تنظيما لأننا مضطرون لترتيب مكالمات مع لندن والولايات المتحدة. أنا أحب ذلك نوعا ما. وما يبدو للعالم الخارجي عملا سريعا ومثيرا، هو في الواقع بطيء وثابت جدا خلف الكواليس.
ينتهي يومي في وقت مبكر من المساء، لكنني نوعا ما لا أتوقف عن التفكير في العمل. لدي موظفون في الولايات المتحدة وأوروبا وهنا. لن أرتاح وأنا أعلم أن هناك أشياء في بريدي الوارد لم أرها. لكني أستمتع بذلك. إنه عملي الخاص.
إنتربرايز: ما هو أكبر تحد يواجهك كرائد أعمال؟
آدم: التركيز. ومعرفة ما يجب أن تقول له "لا". ليس هناك نقص في الأفكار الجيدة؛ النقص في الساعات. أنا رجل صفقات، ومع الوقت يتكون لديك إحساس لما سينجح. أحيانا يجب أن أتدخل مع الموظفين وأقول: "هذا لن يحدث، إنه يسير في الاتجاه الخاطئ".
المثال النموذجي في عالم الفن هو عميل يطلب مبلغا كبيرا جدا لعمل فني. قد يقول التاجر المبتدئ: "نعم، سنجرب". لكن عليك أن تقول: "إنه مضيعة للوقت، لن يباع بهذا السعر". قول "لا" أصعب من قول "نعم".
ترشيحات آدم -
المطعم المفضل في دبي: سيبرياني في قرية البوابة. كنت أذهب لفرع لندن ثلاث مرات في الأسبوع، لذلك أشعر أنه مألوف جدا. أنا كائن يميل للروتين. لست بحاجة للذهاب إلى الشيء الجديد في البداية. أنا أعرف ما أحب.
الفيلم المفضل: ليس جديدا، لكنني من أشد المعجبين بأفلام جيمس بوند القديمة. شاهدنا فيلم Thunderball قبل أيام، أرى أداء شون كونري لشخصية بوند استثنائيا.
الكتاب المفضل: أعيد قراءة كتاب Barbarians at the Gate مرة أخرى. قرأته لأول مرة قبل عشر سنوات. يقبض الكتاب على لحظة مهمة في تاريخ التمويل، ويحلل طفرة الاستحواذ بالرافعة المالية وتطور الملكية الخاصة الحديثة. وأنا أقرأ الكتاب أقول أحيانا "هذا مثير حقا" وأحيانا أخرى أتساءل "هل من الغريب أن أستمتع بهذا القدر؟"، ولكن في كل الأحوال، الكتاب مسبوك بشكل درامي رائع.