تشير التوقعات إلى تراجع زيادات الرواتب في الإمارات العام القادم إلى نسبة 1.6%، نظرا لاحتدام المنافسة وتدفق الوافدين على الدولة بمعدل يفوق توفر الوظائف الجديدة، بحسب دليل كوبر فيتش للرواتب في الإمارات لعام 2026. وتستند هذه التوقعات إلى آراء أكثر من ألف مؤسسة تمثل قرابة مليون موظف.

ستمثل هذه "عملية معايرة طويلة الأجل" لدورة الرواتب في الإمارات، حسبما صرح تريفور ميرفي الرئيس التنفيذي لشركة كوبر فيتش في مقابلة مع نشرة إنتربرايز الإمارات، مشيرا إلى أن الدولة تقع بالفعل "في أعلى مقياس الرواتب العالمية، فرواتبها تتفوق على 75% من دول العالم، حتى قبل احتساب الضرائب".

توقعات مسبقة: في وقت سابق من هذا العام، حذر مسؤولو التوظيف من أن شعبية دبي تدفع الرواتب نحو الركود، إذ تجتذب الوظائف المعلنة أكثر من ألفي متقدم، وأصحاب العمل يجدون أنفسهم في غير حاجة إلى عرض مزايا كبيرة لجذب أصحاب المهارات.

إعادة تحديد الرواتب المبدئية: مع زيادة القوى العاملة المتوفرة، تميز الشركات بدرجة متزايدة بين أصحاب الخبرة في السوق الإماراتي وبين الوافدين الجدد إليه. ووجد الدليل أن 15% من أصحاب العمل يتوقعون عرض نطاقات رواتب أقل على الموظفين الجدد في العام المقبل، بينما يخطط معظمهم لزيادات متواضعة تتراوح بين 0% و5%. وأكد ميرفي أن الشركات تعيد حاليا تحديد الرواتب المبدئية، لا سيما للمرشحين الوافدين من الخارج، موضحا أن "الراتب المبدئي لشخص ليست لديه خبرة في السوق الخليجي أو الإماراتي سيكون أقل قليلا من رواتب ذوي الخبرة المحلية".

هل ستتجاوز الزيادات النطاق المتوقع؟ هناك سابقة لهذا تتمثل فيما جرى العام الحالي؛ إذ توقع أصحاب العمل أن يبلغ المتوسط المرجح لزيادات المرتبات 0%، لكنهم رفعوا المرتبات في النهاية بنسبة 2.6%. وقال ميرفي إن الديناميكيات ذاتها قد تتكرر في العام المقبل، لتصل الزيادات الفعلية "إلى ما يقرب من 4%"، وذلك إذا قامت الشركات بتعديل أوضاعها في منتصف العام للاحتفاظ بأهم الموظفين.

المكافآت تعوض الفارق: لم تفضل الشركات دفع رواتب ثابتة هذا العام، وإنما اعتمدت أكثر على المكافآت المرتبطة بالأداء، وهو اتجاه يتوقع ميرفي استمراره خلال العام المقبل. ومع ضعف زيادات الرواتب الأساسية، أصبحت المكافآت أداة رئيسية للاحتفاظ بالموظفين ذوي الأداء العالي.

المتخصصون يحصدون الزيادات الأكبر: رغم أن معدل النمو الإجمالي سيكون طفيفا، فإن الوظائف المتخصصة ستتميز عن غيرها. إذ يشير الدليل إلى أن 14% من الموظفين الأفراد سيحصلون على زيادات بنسبة 6-9%، وهو ما يقرب من ثلاثة أمثال الزيادات على مستوى القادة. ويقول ميرفي إن كبار المهندسين والمعماريين والمتخصصين الماليين "يلحقون بالركب حاليا" بعد تجاهلهم في الزيادات خلال السنوات الأخيرة. وأضاف: "إنهم لا يديرون فرقا، لكنهم أساسيون لجودة سير العمل في المؤسسات".

والتوطين نقطة مضيئة أخرى: أشار ميرفي إلى أن الشركات تتنافس تنافسا متزايدا على المواهب الإماراتية، وفي بعض الحالات ستحتاج إلى رفع الرواتب لجذب المواطنين إلى الأدوار المتخصصة والأدوار القيادية المتوسطة والاحتفاظ بهم.

هل سيؤدي تراجع زيادات الرواتب إلى عزوف الكفاءات العالمية؟ لا يتوقع ميرفي أن يؤدي تراجع الزيادات إلى فتور جاذبية الإمارات للموظفين الأجانب. وأشار إلى أن المدن العالمية المماثلة مثل لندن وباريس وفرانكفورت تفرض ضرائب أعلى والتكاليف الأساسية للمعيشة بها مقاربة، مما يبقي دبي قادرة على المنافسة حتى في حالة تقليل زيادات الأجور. وأضاف أن التحدي يتجلى أكثر بالنسبة للقادمين من أسواق منخفضة في تكاليف المعيشة، وليس من الأسواق المماثلة.

استمرار زخم التوظيف: رغم التوقعات المتواضعة لزيادات الأجور، ظل التوظيف قويا في الربع الثالث. فسجلت الإمارات نموا في التوظيف بنسبة 3% على أساس ربع سنوي، وهو المعدل الأسرع بين دول مجلس التعاون الخليجي، مدعومة في ذلك بقطاعات العقارات والطيران والسياحة، وفقا لمؤشر كوبر فيتش للتوظيف في الخليج (بي دي إف). وتركز التوظيف في الأدوار التشغيلية والقيادية المرتبطة بتسليم المشاريع.

ودليل الرواتب يؤكد ذلك: من المتوقع أن تظل العقارات والإنشاءات أكبر محركات النمو غير النفطي في الإمارات حتى عام 2026، مدعومة بخطط المشاريع متعددة السنوات والطلب قوي من المستثمرين. كما يزداد التوظيف في القطاع العام، ويتوقع ما يقرب من نصف الجهات نموا مزدوج الرقم في عدد الموظفين العام المقبل. كما تبدي قطاعات الطيران والدفاع والفضاء زخما مماثلا.

وأشار ميرفي إلى محركات بنيوية واضحة لهذا الزخم؛ تتمثل في الإنفاق الحكومي القياسي، والمطارات الجديدة وتوسعات المترو، وأعداد الزوار المتزايدة، فدبي في طريقها إلى جذب 120 مليون سائح. وتضيف التدفقات السكانية التي تتراوح بين 200 و300 ألف شخص سنويا طلبا مستداما على خدمات الإسكان والتعليم والرعاية الصحية والخدمات المالية، ما يؤدي إلى وجود احتياجات توظيف عبر المنظومة بأكملها.

تذكر - ارتفع التوظيف في الإمارات أيضا بنسبة 4% في الربع الثاني، وهي النسبة الأكبر في المنطقة، بفضل أنشطة قطاعات العقارات والخدمات المالية والتكنولوجيا، إلى جانب تدفقات أصحاب الثروات العالية. وجاء ذلك بعد زيادة أقل بنسبة 1.25% في الربع الأول.

وفرة في أصحاب المهارات المطلوبة للمستويات المتوسطة ونقص في المستويات القيادية: يظهر دليل كوبر فيتش أن 67% من أصحاب العمل يعتقدون أن الإمارات لديها ما يكفي من أصحاب المهارات لتلبية احتياجات التوظيف. لكن ينخفض هذا التفاؤل انخفاضا حادا في المستويات العليا؛ إذ يقول 40% من المديرين التنفيذيين إن السوق لا يمكنه توفير مهارات القيادة والتحول التي يحتاجونها.

هذا النقص يقتصر على أدوار معينة، ويتركز في التحول الرقمي ووضع الاستراتيجيات وتسليم المشاريع العملاقة. ويقول ميرفي إن المهارات في هذه الأدوار تتطور "من شهر لآخر"، والمشاريع الجديدة واسعة النطاق مثل توسعات المطارات توجد طلبا على قدرات ومهارات غير متوفرة محليا بعد.

وعلى مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، نما التوظيف بنسبة 1.3% في الربع الثالث، إذ تواصل الشركات التركيز على الأدوار المدرة للدخل، والتي تركز على تسليم المشروعات والتحول الرقمي، مع الحد من العمالة غير الأساسية بسبب تباطؤ خطط المشاريع وضغوط التكاليف. وحافظ أصحاب العمل على تفاؤلهم في القطاعات غير النفطية، لكنهم ربطوا الموافقات على التوظيف بدرجة أكبر بالأداء والانضباط في الميزانية.

نظرة إقليمية: سجلت السعودية نموا في التوظيف بنسبة 1.5% مع تقدم المشاريع الكبرى. وظل نمو التوظيف في قطر وعمان ثابتا بشكل عام، بينما شهدت الكويت والبحرين انخفاضا بنسبة 1-2%.

وفي جميع أنحاء الخليج كان التوظيف أقوى في القطاع المالي بالمستويات العليا (+8%)، مدفوعا بالطلب على مهارات التخطيط والتحليل المالي وإدارة الخزانة، وزاد التوظيف في قطاع الاستثمار (+4%) مع تعزيز الشركات للحوكمة وقدرات عمليات الصناديق. كما نما التوظيف في قطاع العقارات (+7%) بفضل الزخم المستمر مع تقدم المشروعات الرئيسية الكبرى إلى مراحل التسليم، ونما التوظيف في القطاع العام (+5%) مدعوما ببرامج الرقمنة والبنية التحتية الجارية.

وظلت الأدوار المتعلقة بالتكنولوجيا مرنة، إذ زاد التوظيف في مجالات البرمجيات والرقمنة والبيانات والذكاء الاصطناعي بنسبة 4%، بينما زاد في مجال الحوسبة السحابية بنسبة 3% وانخفض في حالة الأمن السيبراني بنسبة 1% مع تركيز الشركات على رفع المهارات. أما القطاع المصرفي فتراجع فيه التوظيف بنسبة 2% مع تقدم البنوك الإماراتية في تنفيذ الاندماجات والاستعانة بموظفين داخليين لتولي الأدوار الرئيسية.

ويتباين موقف الشركات فيما يتعلق بالمستقبل، إذ تخطط حوالي 48% من الشركات الإماراتية لزيادة عدد الموظفين، بينما يخطط ما يقرب من الثلث لتقليص العدد، وفقا لدليل الرواتب.

وقال ميرفي إن الانقسام يعكس مدى اعتماد الطلب الإقليمي على العمالة على دورات تسليم المشاريع، لا سيما في قطاع العقارات، حيث يحتفظ المطورون بفرق عمل مرنة، ويتوسع التوظيف أو ينكمش بناء على انتقال المشاريع إلى مرحلة البناء. ويمكن أن تؤدي التأخيرات أو التسليمات المبكرة إلى تغيير احتياجات التوظيف تغيرا كبيرا من ربع لآخر.

وعلى مستوى المنطقة، من المتوقع أن يظل معدل التوظيف ثابتا حتى عام 2026، بقيادة قطاعات العقارات والتمويل والطيران والصناعات الرقمية. وستظل الموافقات مرتبطة بتسليم المشاريع وانضباط الميزانية وقيمة الأعمال.

ومن ناحية الأجور، قال ميرفي إنه من غير المرجح أن يزداد نمو الرواتب دون تراجع فائض العمالة. ومن المتوقع أن يستمر أصحاب العمل في تفضيل الموظفين الجدد ذوي التكلفة المنخفضة، واعتماد استراتيجيات توظيف أكثر انتقائية طوال عام 2026.

العلامات: