في الوقت الذي تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ثورة مالية تدعمها الاستدامة، يأتي بنك المشرق في طليعة هذا التحول، وهو ما ينعكس في دعم القروض المرتبطة بالاستدامة (SLLs): وهي إحدى الأدوات القوية التي تربط نجاح أي شركة على الصعيد المالي بأثرها الإيجابي على البيئة والمجتمع. وسرعان ما أصبحت القروض المرتبطة بالاستدامة جزءٌ لا يتجزأ من مجال التمويل المستدام على الساحة العالمية، حيث تجمع بشكل فريد بين النماذج المالية للشركات القائمة على الأداء ومسؤولية الاستدامة للمقرضين. وبلغ إجمالي إصدارات سوق القروض المستدامة العالمي 390 مليار دولار أمريكي خلال النصف الأول من عام 2025، وشكلت نسبة القروض المرتبطة بالاستدامة منفردة 60% من هذا المبلغ.
وقد أظهرت الشركات التزامها الواضح نحو تحقيق مستقبل أفضل، وذلك من خلال ربط شروط القرض بأهداف واضحة وطموحة لتحقيق الاستدامة. وقد ساهم هذا الهيكل الابتكاري في تحويل هذه الشركات لتصبح قوة مؤثرة لتعظيم المردود الإيجابي على المجتمع والبيئة، فعندما تعمل استنادًا على هيكل قوي، فإنها تعد بمثابة أدوات تواصل فعالة، مؤكدةً التزامها، باعتبارها جهات مقترضة، بتحقيق الاستدامة. ولا يقتصر مردود هذا المنهج على تعزيز العلاقات مع المقرضين فحسب، بل يعزز أيضًا الشفافية — وهو أحد العوامل الحاسمة فيما يتعلق بالمتطلبات التنظيمية. وقد لمس البنك هذا الأثر بشكل مباشر، مع زيادة ملحوظة في جودة هياكل القروض المرتبطة بالاستدامة منذ انعقاد مؤتمري الأطراف (COP 27 وCOP 28) في المنطقة.
ورغم أهميتها، إلا أن هناك مجموعة من التحديات التي تواجه العديد من الشركات، مثل نقص البيانات الموثوقة للمقارنة مع نظيراتها أو الحاجة إلى استراتيجية قوية من جانب الإدارة التنفيذية فيما يتعلق بممارسات الاستدامة البيئية والاجتماعية ومبادئ الحوكمة، والتي من دونها لن تتمكن الشركات من الالتزام بتحقيق أهدافها الطموحة. وهنا يأتي دور البنك، حيث يقوم بتعزيز أطر التعاون الوثيق مع العملاء لمساعدتهم على تجاوز هذه التحديات. وفي إطار هذه الجهود، قام بنك المشرق بهيكلة أكثر من 35 صفقة منذ عام 2022، ومن بينها أكبر القروض المرتبطة بالاستدامة في المنطقة، وهو ما يؤكد أن هذه الأهداف يمكن تحقيقها عند اختيار الشراكات الصحيحة.
واستشرافًا للمستقبل، يشهد السوق تحولًا ملحوظًا من التركيز على الصفقات ذات الحجم الكبير الهائل إلى الالتزام بالجودة والابتكار، وهو ما يعكس تجاوز مرحلة التوسع السريع إلى مرحلة النضج والمساءلة. بالإضافة إلى ذلك، ظهرت العديد من مؤشرات الأداء الرئيسية الجديدة التي تتجاوز مقاييس الكربون البسيطة لمعالجة التأثيرات الاجتماعية، كما شهد تطبيق مبادئ القروض المرتبطة بالاستدامة توسعًا ملموسًا ليشمل قطاعات جديدة مثل الجهات السيادية والشراكات بين القطاعين العام والخاص.
ومن الجدير بالذكر أن ظهور الأدوات التكميلية مثل سندات تمويل القروض المرتبطة بالاستدامة (SLLB) يساهم في التوسع في نطاق وقابلية تكيف إطار عمل القروض المرتبطة بالاستدامة. وفي ظل مواصلة تطبيق مبادئ صارمة وضمان أطر الحوكمة القوية، فلن تقتصر القروض المرتبطة بالاستدامة على التخفيف من مخاطر التمويه الأخضر فحسب، بل تمتد لتصبح أداة أساسية في بناء اقتصاد مستدام ويعتمد عليه وينعكس مردوده الإيجابي على المستقبل. وختامًا، يمكننا ضمان مصداقية وشفافية هذه الأدوات المالية القوية، وذلك من خلال الالتزام بمبادئ القروض المرتبطة بالاستدامة (SLLPs) وتشجيع الحوكمة القوية بمختلف العمليات التشغيلية للشركات.
حسام عبد العال
المدير التنفيذي لقسم الأصول والتمويل المستدام – الخدمات المصرفية الاستثمارية في بنك المشرق