تصدرت الإمارات طفرة نشاط رأس المال المغامر في الشرق الأوسط هذا العام، مسجلة تمويلات قياسية بقيمة 1.4 مليار دولار، بزيادة 188% على أساس سنوي خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري، وفقا لآخر تقرير لشركة ماغنيت عن أسواق الاستثمار المغامر الناشئة وبيان صحفي عن التقرير (بي دي إف). كما ارتفع العدد الإجمالي للصفقات بنسبة 5% ليصل إلى 164 صفقة، ما يضعها في المرتبة الثالثة من حيث العدد بين الأسواق الناشئة.

ما وراء الأرقام: شهدت الإمارات انتعاشا في الصفقات الكبرى، التي وصلت قيمتها الإجمالية إلى 653 مليون دولار مقارنة بعدم إبرام أي صفقات كبرى في عام 2024. هذا إلى جانب النشاط القوي للصفقات الأخرى، والتي ارتفعت قيمتها بنسبة 57% على أساس سنوي لتصل 775 مليون دولار. وبفضل عوامل منها اهتمام المستثمرين الدوليين والدعم القوي من الصناديق السيادية والصفقات الضخمة، تمكن قطاع رأس المال المغامر في الإمارات من مخالفة اتجاه التراجع العام في التمويل بالأسواق الناشئة، والتي انخفض نشاط الصفقات فيها بنسبة 18% على أساس سنوي.

ثلاث جولات ضخمة قادت النمو: ضخت الإمارات أكثر من نصف إجمالي رأس المال المغامر المستثمر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والذي وصل إلى 3 مليارات دولار، وذلك بفضل جولات كبيرة لصالح شركة إكسبانسيو، التي جمعت 250 مليون دولار في جولة من السلسلة “أ”، وشركة إيرالو التي جمعت 220 مليون دولار في جولة من السلسلة “ج”.

ووصل تمويل الشركات التي ما زالت في مراحلها المبكرة إلى مستويات كبيرة أيضا، إذ زاد رأس المال المخصص لجولات التمويل ما قبل التأسيسية والتأسيسية بنسبة 11% على أساس سنوي، من خلال 81 صفقة على مدار الأشهر التسعة الأولى من العام، مما يشير إلى وجود مجموعة قوية من الصفقات المرتقبة في قطاع رأس المال المغامر. وبلغت حصة تلك المراحل من الاستثمارات نحو 87%. كما وصلت تمويلات الجولات من السلسلتين “أ” و”ب” إلى مستوى قياسي بلغ 819 مليون دولار خلال تلك الفترة.

وفي الربع الثالث من العام نمت صفقات التمويل غير الضخمة بنسبة 51% على أساس سنوي، مدعومة بزيادة صفقات المراحل المتوسطة، إذ زادت الجولات التمويلية من السلسلة “أ” بنسبة 75%، وشكلت 7% من إجمالي الصفقات، وزادت الجولات التمويلية من السلسلة “ب” بأكثر من عشرة أمثال لتشكل نسبة 5%.

نمو واسع النطاق: “في حين أن الأداء القياسي للربع الثالث من العام تعزز بالجولات التمويلية الكبيرة، فإن استمرار النمو الربعي لنشاط الصفقات غير الضخمة منذ الربع الثالث من عام 2024 يظهر كثافة نشاط هذه الصفقات، وأن التركيز عليها لم يكن نهجا قصير المدى”، حسبما قال فيليب بحوشي، الرئيس التنفيذي لشركة ماغنيت، في تصريحات لنشرة إنتربرايز الصباحية.

المستثمرون الأجانب يهيمنون على المشهد ويدعمون الاستثمار: جاءت غالبية رؤوس الأموال المستثمرة في الشركات الناشئة الإماراتية خلال الأشهر التسعة الأولى من العام من مستثمرين غير إماراتيين (بنسبة 82%)، وكان هناك 4 مستثمرين أجانب ضمن أكبر 5 مستثمرين من حيث رأس المال، وفقا لبحوشي. وأضاف أن الصناديق الواقع مقرها في الولايات المتحدة كانت من بين الأكثر نشاطا، إذ شكلت 30% من المستثمرين، بينما شكل المستثمرون الإماراتيون 19% فقط.

وجهة جاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر في المنطقة: “يظهر هذا التحول أن دور الحكومة أصبح محفزا عبر إنشاء القاعدة التنظيمية والبنية التحتية، بينما يتزايد دعم المستثمرين العالميين لنمو الشركات في المراحل المتقدمة، مما يجعل الإمارات وجهة إقليمية جاذبة لرأس المال الدولي، بدلا من كونها سوقا تقوده الدولة”، بحسب بحوشي.

ويتماشى هذا مع التوجه الإقليمي، فللمرة الأولى منذ سنوات، ضخ المستثمرون الدوليون رؤوس أموال تفوق تلك التي ضخها المستثمرون المحليون في الربع الثالث من العام، لتشكل 59% من إجمالي التمويلات، وفقا للتقرير. وركز جزء كبير من تلك التمويلات على جولات التمويل المتقدمة، إذ جاءت 64% من رؤوس الأموال في الصفقات التي تجاوزت قيمتها 20 مليون دولار من أطراف دولية، و85% من رؤوس الأموال في الجولات التمويلية من السلسلة “أ” من مستثمرين أجانب، مما يسلط الضوء على دورهم المتنامي كمستثمرين رئيسيين في الشركات الناشئة المتوسعة في المنطقة.

وتصدرت الإمارات أيضا المشهد من حيث صفقات التخارج من الشركات الناشئة في قطاع التكنولوجيا المالية بواقع 15 صفقة، ارتفاعا من 11 صفقة في العام الماضي.

المشهد الإقليمي –

أداء قياسي للمنطقة في الأشهر التسعة الأولى: جمعت الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما يزيد عن 3 مليارات دولار عبر 469 صفقة بنهاية سبتمبر، وهو ما يتجاوز ضعف إجمالي العام الماضي، للتفوق المنطقة لأول مرة على منطقة جنوب شرق آسيا التي طالما تصدرت الأسواق الناشئة، والتي تراجعت تمويلاتها إلى 2.5 مليار دولار، وفقا لبيان ماغنيت. تراجعت منطقة جنوب شرق آسيا بشدة فيما يتعلق بتمويلات الشركات الناشئة، التي انخفضت بنسبة 48% لتسجل أضعف ربع لها منذ سبع سنوات، في حين شهد نشاط رأس المال المغامر في الأسواق الناشئة انخفاضا بنسبة 6% على أساس سنوي، لتبلغ تمويلاته 6.56 مليار دولار.

وكان نشاط الربع الثالث هو الأقوى في تاريخ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ جمعت الشركات 1.2 مليار دولار (بزيادة 121% على أساس سنوي). ويشير هذا إلى “تحول محتمل في تخصيص رأس المال العالمي”، لكن الأمر سيتطلب فترة أطول لتأكيد استدامة هذا التوجه، حسبما أوضح بحوشي.

قادت تمويلات المراحل المتوسطة نشاط السوق (السلسلتان “أ” و”ب”)، إذ قفزت بنسبة 205% على أساس سنوي لتصل إلى 1.4 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام. كما ظل نشاط صفقات المراحل المبكرة قويا، إذ زادت جولات التمويل ما قبل التأسيسية بنسبة 30% على أساس سنوي، مما يشير إلى تدفق عدد لا بأس به من مؤسسي الشركات الجدد.

وما زالت الشركات الناشئة في قطاع التكنولوجيا المالية تتصدر المشهد، إذ اجتذبت 965 مليون دولار (بزيادة 97% على أساس سنوي)، ومثلت أكثر من ربع الصفقات. تعزز هذا النمو بفضل أطر الخدمات المصرفية المفتوح، والفعاليات الإقليمية الكبرى، والصفقات السعودية الضخمة. كما اكتسب قطاع برمجيات المؤسسات زخما، لترتفع تمويلاته إلى 320 مليون دولار عبر 52 صفقة، مقارنة بـ 70 مليون دولار عبر 44 صفقة في الفترة ذاتها من العام الماضي.

زيادة صفقات التخارج والسيولة: تضاعف نشاط عمليات الدمج والاستحواذ ليصل إلى 40 صفقة في الأشهر التسعة الأولى من العام، وهو أعلى مستوى له منذ ثلاث سنوات، ويدل على “زيادة قوة بيئة الأعمال وتوفر السيولة”، حسبما قال بحوشي. وتركزت صفقات التخارج في الإمارات (15 صفقة) ومصر (13 صفقة)، نظرا لنضج قواعد المشترين ومنظومات البلدين. ومع ذلك، فإن “تحدي التخارج أكثر حدة في الإمارات ومصر منه في السعودية”، إذ تبحث الشركات الناشئة الأكثر نضجا في كلا البلدين عن السيولة اللازمة للصمود في ظل الزيادة العالمية الملحوظة في متوسط فترة التخارج، والذي وصل إلى سبع سنوات، وفقا لبحوشي.

ومن المتوقع أن يستمر هذا الزخم خلال الربع الأخير من العام. إذ تتوقع ماجنيت أن تشهد الأشهر المتبقية من عام 2025 “زخما مستمرا وتفاؤلا حذرا”، بفضل التعاون المستمر بين القطاعين العام والخاص، وتدفق رأس المال المؤسسي إلى الأسواق الناشئة.