هل الطفرة العقارية الحالية علامة على قرب انهيار السوق أم على نضجه؟ في ظل الزخم الكبير في سوق العقارات بدبي، وزيادة الوحدات المعروضة، وتحقيق السوق لأداء قياسي لعدة أرباع متتالية، تتزايد التكهنات حول ما إذا كانت هناك مؤشرات على أن السوق يمر بفقاعة عقارية، على غرار تلك التي سبقت انهيار عام 2008.

وفي حين تشير كثير من التوقعات إلى أن السوق سيصل إلى ذروته في المستقبل القريب، وأن قطاعات السوق المختلفة قد تتمايز فيما بينها بدرجة ما، فإن الرأي المتفق عليه هو أن الجوانب الإيجابية والمؤشرات التي تدل على نضج السوق أكثر من تلك التي تنبئ بوجود فقاعة وشيكة.

تذكر: ارتفعت قيمة المنازل بأكثر من 70% في السنوات الأربع الماضية، لكن محللي السوق يتوقعون الآن تصحيحا في الأسعار بداية من أواخر العام. إذ تتوقع وكالة فيتش للتصنيف الائتماني تصحيحا معتدلا في أسعار المنازل في دبي يصل إلى 15% خلال النصف الثاني من العام الجاري، بينما تتوقع موديز وديلويت أيضا تراجع الأسعار والإيجارات أو استقرارهما. كما يشهد العرض زيادة كبيرة، فمن المتوقع تسليم 250 ألف منزل جديد في السنوات القليلة المقبلة، بزيادة قدرها 30%، مع ظهور عدد كبير من شركات التطوير العقاري الجديدة على الساحة.

ما زالت العوامل الأساسية التي دعمت سوق العقارات في دبي قائمة، بل إنها ربما تزداد قوة مع الوقت. فالضرائب المنخفضة، ولوائح التأشيرات الميسرة، والاقتصاد المزدهر، كلها عوامل تجعل دبي في حالة تناقض صارخ مع مدن أوروبا، إذ تفقد مدن مثل لندن وباريس بمعدل سريع أصحاب الثروات والمليونيرات (ستفقد المملكة المتحدة وحدها نحو 16500 من أصحاب الثروات الكبيرة هذا العام)، بسبب الأنظمة الضريبية غير المواتية والركود الاقتصادي. ومن المرجح أن يستمر تفاقم التقلبات السياسية والمخاوف بشأن الوضع المالي بالعديد من دول أوروبا في دفع المزيد من الناس إلى مغادرة المنطقة.

ونهضة السعودية تمنح الإمارات ميزة كذلك: يرى زين قريشي، الرئيس الدولي لقسم التمويل العقاري والاستشارات في بنك المشرق، أن دول مجلس التعاون الخليجي في حد ذاتها تحقق أداء جيدا للغاية من الناحية الاقتصادية. وأضاف أن المنطقة أصبح نهجها يتزايد في انفتاحه وعالميته، وأن الإصلاحات الأخيرة في السعودية تجذب أعدادا لا حصر لها من الناس. وتابع قائلا: “يمكن للسعودية أن تصبح من اللاعبين الكبار […] والبعض مثل الإمارات يتابعون ما يحدث هناك وفي منطقة الخليج عموما”.

إذن، بماذا تخبرنا الطفرة المستمرة في الأسعار حاليا؟ يمكن أن نستشف منها أن الطلب ما زال مرتفعا، لكن إذا ألقينا نظرة أعمق على البيانات، فإن مؤشرات التراجع الطفيف في مبيعات العقارات قيد الإنشاء تعني زيادة حساسية المشترين تجاه الأسعار، خاصة في شرائح ذوي الدخول المتوسطة والمنخفضة. وقال قريشي إنه مع استمرار ارتفاع الإيجارات، من المرجح أن يتجه المستهلكون النهائيون للعقارات إلى الوحدات الجاهزة، بدلا من إنفاق الكثير من الأموال على الإيجارات حتى يتسلموا وحداتهم التي اشتروها قبل إنجازها.

وارتفاع نشاط بيع الوحدات قيد الإنشاء عموما غير صحي على المدى الطويل، فهذا يجعل بعض المشروعات غير مستدامة، حسبما أوضح مارتن ليندر، الرئيس التنفيذي لشركة الاستثمار العقاري المتخصصة غلوبال بارتنرز، مضيفا أنه يلاحظ تزايد المضاربين في السوق. وأشار إلى أنه في حين أن البيانات الرسمية ما زالت تكشف وصول المبيعات إلى مستويات قياسية، فإن تلك المبيعات تعتمد بالأساس على نشاط بيع الوحدات قيد الإنشاء، والذي قد يشمل حالات من المضاربة.

هل هناك فرط في نشاط البناء؟ يقول قريشي إن المشكلة الأكبر هي “القدرة على تسليم هذه المشاريع، وعدم التأخر عن موعدها المحدد، وهذا يعتمد إلى حد كبير على ما إذا كان هناك عدد كاف من المقاولين، وما إذا كانوا يمتلكون القدرات والموارد الكافية للقيام بذلك”.

تذكر – لجأت بعض شركات التطوير العقاري إلى تولي عمليات الإنشاءات بنفسها، في محاولة لممارسة المزيد من الرقابة والتحكم في تسليم مشاريعها. ويشمل ذلك كيانات كبرى في السوق مثل إعمار، وعزيزي للتطوير العقاري، ومجموعة شوبا، بالإضافة إلى شركات أخرى مثل سمانا. لكن بعض المحللين قالوا إن هذه الخطوة قد تزيد من الضغط على القدرات الإدارية للشركات، وربما ترفع النفقات العامة التي يمكن أن تمثل مشكلة أثناء فترات الركود في السوق.

وبالنسبة للأسواق الثانوية فيشير الأداء القوي لبعضها إلى قوة الطلب من المستخدمين النهائيين على الوحدات عالية الجودة، حسبما قال ليندر. وأضاف أنه يجب أن يكون هناك المزيد من التمايز في الأسعار بين الوحدات حسب جودتها.

السوق قد يستفيد من إقبال المزيد من المؤسسات: من العوامل التي يمكن أن تساعد في ذلك الوضع مشاركة كبرى المؤسسات الاستثمارية مثل بروكفيلد وبلاكستون، وهو ما سيؤدي على الأرجح إلى تحسن جودة الوحدات، لأنهم يبحثون عن مزايا مثل الالتزام بالمعايير البيئية والاجتماعية ومعايير الحوكمة، وجودة المواقع. ويوضح ليندر أن “إقبال المؤسسات الاستثمارية على السوق ودراسة الوضع والسعي وراء المنتجات عالية الجودة سيرفع سعر هذه المنتجات، وستتسع الفجوة ببساطة”.

والموقع يعد من العوامل المهمة أيضا، فهناك مناطق بها فرص عديدة في جميع أنحاء دبي، تقل فيها تقييمات الأراضي عن قيمتها الحقيقية، وتحتاج إلى مستثمرين جادين ومخططات تطوير جذابة لتغيير وضعها، وهذا ما تركز عليه غلوبال بارتنرز في محفظتها، التي تقول عنها إن معدل عائدها الداخلي الصافي سيزيد على الأرجح عن 30%. وقد جمعت شركة الاستثمار أكثر من 503 ملايين دولار من رأس المال، وتدير حاليا أصولا تتجاوز 1.4 مليار دولار. وتعمل الشركة على تطوير مشروع متعدد الاستخدامات بقيمة تقارب مليار دولار في المرحلة الثانية من مدينة دبي الطبية، بالإضافة إلى مشروع سكني فاخر يطل على قناة دبي المائية.

العامل الأساسي المشترك بين تلك المشاريع هو وجود مخطط رئيسي يمكن لغلوبال بارتنرز المساعدة في تطويره، في منطقة يعزز من وضعها بالفعل وجود إحدى أفضل المدارس في دبي، وهي المدرسة السويسرية الدولية العلمية، وتحيط بها مشاريع تطوير وفنادق فاخرة، بعضها مكتمل والبعض الآخر قيد الإنشاء. ورغم أن بعض هذه الأحياء ما زال قيد التطوير، يرى ليندر أن مواقعها المركزية وارتباطها بمراكز الأعمال الرئيسية وخططها المستقبلية الطموحة تشير إلى أنها ستشهد تحولا جذريا.

ويشير قريشي إلى أن هناك علامة أخرى على نضج السوق، وهي زيادة تنوع خيارات التمويل المتاحة لشركات العقارات، فخيارات التمويل البديل مثل السندات والصكوك وتمويل الميزانين والديون الخاصة أصبحت شائعة للغاية في الإمارات. وأوضح أن “السوق يتسم بعمق كبير فيما يتعلق بالسيولة، وهذا هو ما عليك أن تبحث عنه في أي اقتصاد متقدم”. وأضاف أن هذا يعد علامة على قوة السوق، لأنه يتمتع بقدرة كبيرة على التحمل في حال تغيرت المؤشرات الاقتصادية الكلية.

كما تواصل الحكومة تعزيز الطلب، ودعم أولئك الذين قد يجدون صعوبة في تحمل الأسعار، حسبما قال قريشي، إضافة إلى أن المبادرات مثل برنامج تملك العقار الأول وترميز العقارات تجذب استثمارات أكثر تنوعا إلى السوق.

العلامات: