تحول صناديق الثروة السيادية الخليجية أنظارها إلى الشرق، في ظل تفوق أسواق آسيا بنموها على الأسواق الغربية الناضجة، حسبما قالت جولي كساب، رئيسة قطاع صناديق الثروة السيادية لدى ديلويت الشرق الأوسط، لنشرة إنتربرايز الصباحية. وأوضحت كساب أنه نظرا لكون الصناديق الخليجية من بين أكبر الصناديق إنفاقا في العالم — تصدر صندوق مبادلة الصناديق السيادية حول العالم من حيث الإنفاق خلال العام الماضي — فإنها تزداد تطلعا إلى الاقتصادات الآسيوية التي تتيح “مزيجا جذابا من إمكانات النمو الأكبر، والتركيبات السكانية الأصغر سنا، والأسواق الاستهلاكية المستمرة في التوسع”.
ما زالت آسيا تحظى بنسبة صغيرة من محافظ صناديق الثروة السيادية الخليجية، لكن تلك النسبة تنمو باطراد. فمحفظة جهاز أبوظبي خلال العام الماضي كانت موجهة بالأساس للاستثمار في أمريكا الشمالية بنسبة 4-60%، بينما خصص الجهاز 10-20% للأسواق الناشئة، و5-10% للأسواق المتقدمة في آسيا. وهذا العام كثف الجهاز من استثماراته في القارة، وبالأخص الهند. إذ استثمر 200 مليون دولار في شركة مايكرو لايف ساينسز (ميريل) الهندية لتصنيع الأجهزة الطبية، واستحوذ على حصة قدرها 5.1% في بنك “آي دي إف سي فيرست” مقابل نحو 310 مليون دولار، وساهم في الطرح العام الأولي لشركة أنثيم بايوساينسز البالغة قيمته 395 مليون دولار، وجولة التمويل السابقة للطرح العام الأولي لشركة “إتش دي بي” للخدمات المالية، والتي جمعت 3.4 ألف كرور (نحو 1.5 مليار درهم). كما حصل صندوق الاستثمارات العامة السعودي على إعفاء من قواعد الملكية الأجنبية في الهند.
أما صندوق مبادلة فيخصص حاليا 12% من محفظته لآسيا، ويخطط لزيادة استثماراته هناك بأكثر من الضعف لتصل إلى 25%. وقد أبرم صفقات استثمارية مؤخرا لتحقيق ذلك الهدف، تشمل شركة مانيبال هيلث إنتربرايزس الهندية، وشركة إل جي كيم الكورية الجنوبية، واستثمارا بقيمة 150 مليون دولار في الطرح العام الأولي لمجموعة إف دبليو دي في هونغ كونغ، وصندوق “بي إيه جي آر إي إن 1” للطاقة المتجددة التابع لشركة “بي إيه جي”. كما شكلت مبادلة شراكة للائتمان الخاص بقيمة مليار دولار مع غولدمان ساكس العام الماضي للاستثمار في فرص بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ.
تظل آسيا أولوية بالنسبة لصناديق الخليج حتى مع تسارع وتيرة الاستثمار المحلي. وعلقت كساب على ذلك قائلة إن صناديق الثروة السيادية الخليجية ستسعى إلى “تحسين محافظها الاستثمارية، وتحقيق التوازن بين الأولويات المحلية والاستثمارات الدولية الاستراتيجية”.
لكن تختلف الأساليب باختلاف الصندوق. فأوضح لوبيز أن “جهاز أبوظبي للاستثمار هو فقط مستثمر مالي، ليس لديه مكاتب في الخارج، لذلك يحاول دائما الاستعانة بشركاء في تلك المناطق. أما مبادلة فتتبع نهجا مختلفا، إذ لديها مكاتب كبيرة في كل من موسكو وبكين، وتسعى إلى تحقيق النهوض الاقتصادي لدولة الإمارات وليس مجرد جني العوائد المالية. وبالنسبة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي فبدأ للتو في آسيا، بعد حصوله على ترخيص كمؤسسة أجنبية استثمارية مؤهلة قبل بضع سنوات فقط، وافتتح مؤخرا مكاتب في هونغ كونغ وبكين”.
أولويات آسيا تتوافق جيدا مع أولويات الخليج: تسعى الصناديق الخليجية إلى الاستثمار في تحول الطاقة والتوجه الرقمي في آسيا، مع استمرارها في التركيز على تنويع اقتصاداتها ومحافظها لتقلل اعتمادها على النفط. وأشارت كساب إلى التوسع الذي تشهده آسيا في مجالات الطاقة المتجددة والتصنيع المتقدم والابتكار التكنولوجي، ما يتيح فرصا استثمارية جذابة ومنصات لنقل المعرفة. كما يتناسب التوسع الحضري السريع ونمو البنية التحتية هناك مع الرؤى طويلة الأجل لصناديق الثروة السيادية.
يأتي هذا في وقت تفقد فيه الأسواق الغربية بعضا من بريقها. إذ قال دييغو لوبيز، مؤسس ومدير عام شركة “غلوبال إس دبليو إف”، في تصريحات لنشرتنا إن أصول أمريكا الشمالية “تتسم بالتقلب الشديد وعدم اليقين”، وكذلك تفتقر الأصول الأوروبية إلى “إمكانات النمو الكبيرة”. وأضافت كساب أن العلاقات الحكومية الأقوى مع آسيا تمنح الصناديق الخليجية أيضا إمكانية الاستثمار في قطاعات كانت محظورة في السابق مثل البنية التحتية.
لا تتخذ الصناديق الخليجية قراراتها الاستثمارية لمجرد الاستثمار، وإنما تتصرف على نحو استراتيجي. شرح لوبيز ذلك قائلا إن “الصناديق السيادية تساعد في تكوين روابط أقوى في مجالات التجارة والأعمال بين الشرق الأوسط وآسيا. فالممر بين الشرق الأوسط وآسيا يزداد ازدحاما، وتلعب صناديق الثروة السيادية دورا مهما في تحقيق ذلك”. وتجري الاستثمارات جنبا إلى جنب مع توجه دبلوماسي دؤوب لتوثيق العلاقات مع المنطقة. فلدى الإمارات اتفاقيات شراكة تجارية واقتصادية مع الهند وفيتنام وإندونيسيا وماليزيا وأذربيجان وتركيا، وتستعد لإبرام اتفاقية مع الفلبين.
على أي دول تركز هذه الجهود؟ تهيمن الهند والصين على أجندة الصناديق السيادية. فقالت كساب إن “الاقتصادات الآسيوية الكبرى مثل الهند والصين تظل أسواقا محورية لاستراتيجيات صناديق الثروة السيادية الخليجية، نظرا لحجمها وبيئاتها الابتكارية وأسواقها الاستهلاكية النشيطة”. وأضافت أن أهم مجالات التركيز تشمل الطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية والرعاية الصحية والسلع الاستهلاكية، كما أن قطاعات التصنيع المتقدم والعقارات تكتسب زخما أيضا في الوقت الحالي.
كل بلد في آسيا يتيح فرصا في قطاعات استراتيجية رئيسية. ففي الصين، تستهدف صناديق الثروة السيادية الإماراتية قطاعات المركبات الكهربائية والبنية التحتية للبيانات والتصنيع المتقدم، بينما تركز الصناديق السعودية على “الشراكات الاستراتيجية والاستثمارات المشتركة، لا سيما في القطاعات التحويلية مثل الطاقة المتجددة والتكنولوجيا”، على حد قول كساب. كما أوضح لوبيز أنه “في الصين، ربما ينصب التركيز أكثر على التكنولوجيا والابتكار، أما في الهند فينصب على الطاقة المتجددة والطرق ذات الرسوم، وبالنسبة لإندونيسيا ربما ينصب التركيز على الرعاية الصحية والسلع الاستهلاكية”.
الوجهة التالية: بدأت منطقة جنوب شرق آسيا تحظى بحصة أكبر من المناطق المستهدفة. وأشار لوبيز إلى أنه في حين كانت الصين والهند وإندونيسيا عادة هي الاقتصادات الثلاث الكبرى، فإن “الاقتصادات الأصغر الأخرى مثل فيتنام وماليزيا تتيح فرصا كبيرة أيضا”.
ذكرت كساب أيضا فيتنام وماليزيا وبنجلاديش ضمن الدول الأصغر في آسيا التي بدأت تحظى باهتمام أكبر، وذلك بفضل ما تتمتع به من موارد، وتنامي عدد سكان الطبقات المتوسطة. وأضافت أن فيتنام وبنجلاديش على وجه الخصوص تبديان إمكانات واعدة في مجالات الطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا الاستهلاكية.
لكن بعض الشراكات لم تحقق النتائج المرجوة. إذ اضطرت مبادلة إلى إنهاء مشروعها للائتمان الخاص مع شركة بلاك روك في آسيا، بعد أن واجهت صعوبة في العثور على صفقات تحقق العوائد المستهدفة.
العنصر المفقود: قالت كساب إن النجاح يتطلب “استراتيجيات مدروسة لدخول الأسواق”، مشيرة إلى أن صناديق الثروة السيادية يمكن أن تعزز نهجها من خلال “توسيع الشراكات الإقليمية، وإنشاء مكاتب محلية، والتعاون مع مؤسسات تمويل التنمية”. كما نوهت إلى أن هناك مجالات لا تحظى بما يكفي من التركيز، منها البنية التحتية للرعاية الصحية، والتكنولوجيا الزراعية، وتكنولوجيا التعليم، والتكيف المناخي، وكلها مجالات واعدة بالنسبة لرأس المال الخليجي.