العوامل المحركة لأسواق المال في المنطقة والمؤشرات التي ينبغي متابعتها في النصف الثاني من العام: سجلت سوق الطروحات العامة الأولية في السعودية أداء قويا من حيث عدد الإدراجات الجديدة وقيمتها خلال النصف الأول من العام، وتفوقت البورصة المصرية على نظيراتها في المنطقة منذ بداية العام وحتى الآن، بينما حافظت الإمارات على استقرارها رغم ما تشهده المنطقة من تقلبات وتراجع أسعار النفط. وفي المجمل، حققت أسواق المال في المنطقة أداء قويا خلال العام الحالي حتى الآن.

ولذلك، أجرينا حوارا مع مصطفى جاد، رئيس قطاع الترويج وتغطية الاكتتاب في “إي إف جي القابضة”، لتحليل أسباب هذا الزخم، وما الذي يبحث عنه المستثمرون الأجانب، وكيف نعرف أننا على المسار الصحيح نحو تعزيز أسواق المال. كما استعرض معنا جاد بعض العوامل التي ساعدت أنشط الأسواق في المنطقة في تحقيق النجاح.

وفيما يلي مقتطفات محررة من حوارنا:

يرى جاد أن نشاط أسواق الأسهم في المنطقة سيستمر عدة سنوات وأنه ليس مجرد ظاهرة مقتصرة على النصف الأول من العام الجاري، مضيفا أن فترة الصعود الحالية تأتي نتيجة للزخم المتراكم بقوة خلال السنوات الثلاث أو الأربع الماضية، بفضل الإصلاحات الهيكلية في مختلف أنحاء المنطقة.

السياق: انخفض المؤشر الرئيسي للسوق السعودية بأكثر من 9% منذ بداية العام وحتى الآن، في حين ارتفع مؤشر دبي بنسبة 20%، ومؤشر سوق أبوظبي للأوراق المالية بنسبة 9%. كما ارتفع مؤشر البورصة المصرية بنسبة 14% منذ بداية العام وحتى الآن.

الأساسات في المنطقة أقوى بكثير مما يتوقعه الكثيرون، وفقا لجاد. فالمخاطر المتصورة هي أكبر مفهوم خاطئ لدى المستثمرين الأجانب عن المنطقة. إذ يقول جاد إن التصورات أسوأ بكثير من الواقع. صحيح أن المنطقة تبدو غير مستقرة عند النظر إليها من بعيد، لكن ثقتهم في المنطقة سرعان ما تتعزز حالما يزورونها بالفعل ويتفاعلون مع السوق مباشرة.

رغم صعوبة الوضع الجيوسياسي، يحمل جاد تفاؤلا حذرا بشأن النصف الثاني من العام. وحتى مع وجود ظروف عالمية معاكسة، مثل السياسات التجارية لإدارة ترامب، فإن جاد ليس قلقا للغاية بشأن تأثير هذه التطورات على أسواق المنطقة. بل إنه يتوقع أن تهدأ حدة التوترات الجيوسياسية قريبا، بدلا من أن تشتد. وعلى أي حال، فقد أظهرت الأسواق مرونة، وإذا استمرت هكذا، فربما تسجل أداء جيدا في النصف الثاني من العام. إذ يتوقع جاد أن يتجاوز عدد الطروحات العامة الأولية في النصف الثاني ما شهده النصف الأول.

جدول حافل في انتظار “إي إف جي” للفترة المتبقية من العام. إذ تستعد الشركة لعدد من الإصدارات في السعودية والإمارات والكويت. فقد أتمت أربعة بالفعل من عمليات طرح الأسهم، وتهدف إلى إتمام ثلاث أو خمس عمليات أخرى قبل نهاية العام. كما أن قائمة أعمالها المرتقبة فيما يخص صفقات الدمج والاستحواذ وأسواق الدين حافلة للغاية.

الوضع المحلي –

ما الذي يعيق الطروحات العامة الأولية في الإمارات مقارنة بنظيراتها في المنطقة؟ يرى جاد أن كل ما هنالك أن القطاع الخاص لدى السعودية أكبر وأكثر تطورا من نظيره في الإمارات. لذا فحتى لو لم يشهد السوق إدراج شركات حكومية كبيرة، توجد شركات كثيرة جاهزة للطرح العام في السعودية. أما في الإمارات، فالقطاع الخاص أصغر حجما رغم حيويته، ولذا فإن عدد الشركات المرشحة للاكتتاب العام الأولي أقل.

وقد فهمت السلطات هنا أن تعزيز النشاط والسيولة في سوق الأسهم يستلزم إدراج شركات حكومية ناجحة. وبالفعل ساهمت الطروحات العامة الأولية لمؤسسات بارزة، مثل هيئة كهرباء ومياه دبي (ديوا) وشركة سالك، في جذب انتباه المستثمرين، وضخ السيولة، ومهدت الطريق لزيادة مشاركة القطاع الخاص في المستقبل.

التنويع عامل رئيسي لمرونة سوق دبي المالي: قال جاد إن البورصة أظهرت مرونة في أدائها منذ بداية العام وحتى الآن، مشيرا إلى أن السبب الأكبر في ذلك هو انفصال السوق إلى حد ما عن أسعار النفط، بفضل محركاتها الاقتصادية المتنوعة. فمع أن أسعار العقارات عادة ما كانت ترتبط ارتباطا قويا بأسعار النفط، يبدو أن هذا الرابط لم يعد قويا كما كان في السابق.

والاقتصاد ما زال نشطا، مع تسجيل أداء قوي في القطاعات الرئيسية، بما في ذلك العقارات والخدمات والخدمات اللوجستية والسياحة. ولعل ازدهار كل هذه القطاعات يفسر تفاوت الأداء بين سوق دبي المالي والأسواق الأخرى في المنطقة.

وفي بقية المنطقة –

تقدم أسواق الأسهم في السعودية الآن تنوعا ملحوظا، حسبما قال جاد، موضحا أن المستثمرين يمكنهم الاستثمار في مجموعة واسعة من القطاعات، بدءا من الطاقة والبنية التحتية إلى الرعاية الصحية والسلع الاستهلاكية. كما أن كل شركة تتميز عن غيرها باختلاف سرديتها وأسلوب إدارتها وإمكانات نموها، ما يجعل السوق عميقة ومتجددة باستمرار.

والآن النتائج تتحدث عن نفسها: إذ قال جاد إن السوق السعودية تسجل في المتوسط حوالي 20 إدراجا سنويا، وهي أرقام لم يسمع بها أحد في الماضي تقريبا، موضحا أن العديد من هذه الإدراجات كانت كبيرة الحجم، ما يعكس تزايد ثقة المستثمرين واهتمامهم.

لكن السوق السعودية شهدت بعض الإدراجات الأولية الضعيفة أيضا، ويرجع ذلك في الغالب إلى التقييمات المبالغ فيها، حسبما قال جاد، مضيفا أن تصحيح التقييمات قد يكون مفيدا في الواقع. فمن منظور إيجابي، يمكن النظر إلى هذا التصحيح على أنه متنفَّس يسمح بإعادة ضبط التقييمات عند مستويات واقعية. كما أنه يساعد في جعل القيمة السوقية للشركات المدرجة أكثر استدامة.

وفي مصر، ما زالت وتيرة الإدراجات في البورصة المصرية بطيئة، ويرجع ذلك في الغالب إلى عدم كفاية رأس المال المؤسسي المحلي. فالطروحات العامة الأولية الكبيرة هناك تتطلب مشاركة أجنبية، وقد توقف الأجانب عن المشاركة بسبب عدم يقينهم بشأن سعر الصرف ومخاوفهم من عدم قدرتهم على العودة بالأرباح إلى بلادهم.

يريد المستثمرون الأجانب من مصر: “النمو، بكل بساطة”. إذ أوضح جاد أن جذب الاهتمام الأجنبي يتطلب من الشركات المصرية إظهار نمو قوي، لا سيما في بيئتها التضخمية، مضيفا أنه في ظل أسعار الفائدة التي تتجاوز 20%، فإن عوائد الأرباح وحدها لن تكون كافية. فلماذا تستثمر أموالك في سهم ما دمت تستطيع الحصول على عائد خال من المخاطر بنسبة 20%؟ ويقول جاد إن المستثمرين الأجانب يبحثون الآن عن شركات لديها إمكانات نمو كبيرة وأساسات قوية ومرونة لتحمل التغيرات القوية في قيمة العملة.

هل يمكن أن تشهد مصر المزيد من الإدراجات هذا العام؟ ربما، لكن لا تعول على ذلك. فمن المرجح أن يستغرق الأمر من 6 أشهر إلى 12 شهرا آخر قبل أن تشهد البورصة المصرية طروحات أكبر مرة أخرى. صحيح أن ثقة المستثمرين تتزايد، لكن ترجمة هذه الثقة إلى أفعال تستغرق وقتا.