في ديسمبر الماضي، أصبح بنك المشرق أول مصرف يحصل على ترخيص مقيد من المصرف المركزي الباكستاني لبدء العمليات التجريبية كبنك رقمي للأفراد. وبذلك وسع المشرق عملياته لتشمل 14 دولة، مع استعداده لتقديم الخدمات المصرفية الرقمية والإسلامية في باكستان هذا العام، بهدف جذب ملايين العملاء على مدى السنوات الخمس المقبلة.
يعمل البنك على أساس تجريبي منذ 6 أشهر، إذ يقدم الخدمات المصرفية لموظفي البنك وعائلاتهم، ويتطلع إلى الحصول على موافقة المصرف المركزي الباكستاني لبدء العمليات التجارية في وقت ما من هذا العام، بعد الانتهاء من مراجعة عملياته التجريبية.
حاورنا محمد هميون سجاد الرئيس التنفيذي لبنك المشرق في باكستان، لنتحدث معه حول حجم الفرص في باكستان التي يبلغ عدد سكانها نحو 250 مليون نسمة، فضلا عن تحديات تقديم الخدمات المصرفية الرقمية بينما الاقتصاد هناك ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على النقد. وإليكم مقتطفات محررة من الحوار:
إنتربرايز: لماذا اختار المشرق باكستان لتكون أحدث محطاته في آسيا؟ ولماذا الآن؟
محمد سجاد: بلغ عدد المؤسسات المالية في باكستان حتى يونيو 2024 نحو 55 مؤسسة مالية، من شركات التكنولوجيا المالية والتمويل متناهي الصغر إلى البنوك التقليدية الكبيرة، وينتشر بين الناس هناك استخدام التقنيات الرقمية مثل الهواتف الذكية وخدمات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. لذا فنحن بلد جاهز تقريبا من الناحية الرقمية، لكن القطاع المصرفي ما زال في مرحلة ناشئة من حيث الخدمات الرقمية التي يوفرها.
ومن بين أكثر من 90 مليون مودع، لدينا في باكستان 18.7 مليون مستخدم للتطبيقات المصرفية عبر الهاتف المحمول، و12 مليون مستخدم للخدمات المصرفية عبر الإنترنت. ويظل التحدي الحقيقي يتمثل في أن معظم مستخدمي الخدمات المصرفية الرقمية ما زالوا يعانون من نقص الخدمات، وفي حالة مواجهة أي مشكلة، يبحثون عن شخص يعرفونه في بنكهم للمساعدة في حل شكاواهم.
تخيل أنك في الماضي وذهبت لتفتح حسابا بنكيا وتحصل على دفتر شيكات، ثم أخبرك البنك بأن الحد الأقصى لشيكاتك 200 روبية باكستانية. هكذا الخدمات المصرفية الرقمية في باكستان، فهي حاليا تفرض قيودا على المستخدمين في التحويلات المالية، إذ لا يمكنهم سوى تحويل مبالغ محدودة يوميا، وهناك أيضا حدود أسبوعية وشهرية وحتى سنوية للتحويلات، ويعاني الناس لتذكر هذه الحدود ومتابعة معاملاتهم وما استنفدوه منها. تسببت هذه القيود في معاناة العملاء من صعوبات مستمرة وانعدام الثقة في الخدمات المصرفية الرقمية في باكستان.
كما تظهر إحصاءات المصرف المركزي الباكستاني أن المعاملات النقدية شهدت انخفاضا في العدد خلال العام المالي 2024، لكن قيمتها زادت بأكثر من 50% لتصل إلى 447.7 تريليون روبية باكستانية، مما يشير إلى أن المعاملات عالية القيمة ما زالت تتم باستخدام النقود الورقية حتى الآن. ولدينا حاليا أكثر من 18 ألف فرع بنكي في البلاد، منها 750 فرعا افتُتحت في عام واحد فقط، خلال فترة من العامين الماليين 2023 و2024، وما زالت البنوك تفتتح فروعا جديدة.
نريد أن نكون حامل شعلة تطور الخدمات المصرفية الرقمية في باكستان. فنحن البنك العالمي الوحيد في باكستان الذي يمتد تاريخه لأكثر من 50 عاما، ونتوسع في السوق كمنصة رقمية أولا تقوم على الخدمات السحابية، لتحفيز تطور الخدمات المصرفية في البلاد. إذ بدأ البنك عمله في باكستان في وقت قياسي يقل عن 18 شهرا، بأقل من 115 موظفا ودون أي فروع فعلية.
إنتربرايز: ما هي استراتيجيتكم عند دخول السوق؟ وما أنواع العملاء الذين ستستهدفونهم؟
محمد سجاد: تقوم استراتيجيتنا في استهداف العملاء على جانبين؛ تقديم الحلول المصرفية للباكستانيين الذين لا يحظون بالخدمات المالية، واستهداف عملاء الخدمات المصرفية الرقمية الحاليين الذين لا يجدون ما يحتاجونه من خدمات.
ندرك التحديات التي يواجهها عملاء الخدمات المصرفية الرقمية المتمرسون في باكستان في ظل الوضع الحالي لتلك الخدمات. هؤلاء يفهمون كيفية عمل تطبيقات الهاتف المحمول وعمليات التأهيل الرقمي، لكنهم يعانون من الخدمات المصرفية المتاحة حاليا. وبالاستفادة من قدرات المشرق المصرفية الرقمية السلسة والمتوافقة مع المعايير العالمية، نهدف إلى توفير تجربة أفضل لهؤلاء العملاء تتسم بالأمان والبساطة، وتركز على احتياجاتهم وتفضيلاتهم.
نعتقد أن توفير مثل هذه التجارب سيجعلهم تلقائيا يروجون لمنتجاتنا لدى الشرائح الأخرى التي لا تحظى بالخدمات المالية في المجتمع. إذ ينتقل الناس من المناطق الريفية إلى المدن للعمل، ويعتادون مع الوقت على أنماط الحياة الرقمية. وعندما يعودون إلى ديارهم خلال الإجازات، فإنهم ينقلون نمط الحياة هذا وما اكتسبوه من الثقة والمعرفة إلى الآخرين، وهذا جزء كبير من التحول المعرفي الجاري في باكستان.
إنتربرايز: مع تحويل باكستان لجميع خدماتها المصرفية إلى النموذج الإسلامي بحلول عام 2028، كيف يستعد المشرق لهذا التحول؟
محمد سجاد: هناك ميل كبير في باكستان نحو الخدمات المصرفية الإسلامية منذ عشر سنوات، والدافع الأساسي لذلك هو ما يعتقد العملاء بأن الخدمات الإسلامية تتسم به من أخلاقية وشفافية وعدالة.
ولدى المشرق في الإمارات نافذة للخدمات المصرفية الإسلامية. وقد أرست إمكانياتنا الرقمية المتقدمة نموذجا في مجال الخدمات المصرفية الإسلامية حول العالم، ونحن متحمسون لتقديم نفس المستوى من التميز في عملياتنا في باكستان.
كما أننا مستعدون لنعمل كبنك رقمي إسلامي في المقام الأول في باكستان، وأن نقدم تجربة مصرفية رقمية إسلامية خالصة ومتكاملة، تتسم بالسهولة والشفافية ومتاحة للجميع. فلأول مرة، سيمكن للعملاء فتح حساب مصرفي إسلامي من أي مكان في البلاد في غضون دقائق، وإدارة شؤونهم المالية بالكامل عبر الإنترنت دون زيارة أي فرع.
إنتربرايز: ماذا عن استراتيجيتكم من المنظور التشغيلي؟ ما هي المنتجات والخدمات التي تخططون للتركيز عليها في السنوات الأولى من التشغيل؟
محمد سجاد: كشركة عالمية رائدة في الخدمات الرقمية، سنركز على تقديم العديد من حلولنا الرقمية الرائدة عالميا والحائزة على جوائز، مثل المشرق نيو ونيو بيز ونيو نكست. كان المشرق نيو أول حل في الإمارات يتيح الاستثمار في الأسواق الدولية، بما في ذلك الأسهم الأجنبية وتجارة الذهب وحسابات العملات الأجنبية. واليوم، يتوسع المشرق نيو إلى خارج الإمارات، ليشمل مصر والآن باكستان، مما سيتيح للباكستانيين لأول مرة خدمة متكاملة ومنصة مصرفية شاملة ورقمية بالكامل.
نتطلع أيضا إلى طرح المشرق نيو نكست ضمن خدماتنا لتلبية احتياجات الشباب الأكثر إلماما بالتكنولوجيا الرقمية. تتيح تلك الخدمة تجربة سلسة تعتمد على الهاتف المحمول أولا، بها أدوات تفاعلية تساعد على اكتساب الثقافة المالية، مصممة لتناسب أعمار شباب ذلك الجيل الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و18 عاما.
هدفنا النهائي هو زيادة الثقة في بنكنا في بلد يرى فيه الناس حاليا الخدمات الرقمية على أنها "محفظة"، فيعتقدون أن الخدمات المصرفية الرقمية مخصصة للمدفوعات الصغيرة، وأن الخدمات المصرفية المهمة تحدث في الفروع. لذا، عندما نبدأ العمليات التجارية، سنروج لأنفسنا كبنك وليس كبنك رقمي، حتى يفهم الناس علامتنا التجارية تماما ويثقون فيها.
وأحد المجالات ذات الأولوية القصوى بالنسبة لنا هو التحويلات المالية من الخارج. شهدت باكستان تحويلات بقيمة 30.3 مليار دولار في العام المالي 2024 وحده، ومن المتوقع أن يزيد هذا الرقم إلى 35 مليار دولار في العام المالي 2025. ورغم ذلك، ما زالت عملية استلام التحويلات في باكستان غير مناسبة، إذ تتم نسبة كبيرة منها عبر وسطاء.
لكن يتمتع بنك المشرق بوضع ملائم نظرا لوجوده في الإمارات، التي تعد ثاني أكبر ممر للتحويلات إلى باكستان، بما يقرب من 6 مليارات دولار من التحويلات في العام الماضي، ساهم المشرق بنحو 7.3% من عددها. ونحن موجودون أيضا في جميع المناطق الرئيسية التي يوجد بها الباكستانيون حول العالم، ونعمل على طرح بعض من منتجات وخدمات التحويلات الفريدة التي لا وجود لها في البلاد اليوم.
المجال الثاني الذي سنركز عليه هو الشركات الصغيرة والمتوسطة. تلك الشركات في باكستان اليوم ليس لديها ما يكفي من البنوك الرقمية الشاملة لتتعامل معها. وعندما تعتمد مثل هذه الشركات على الخدمات المصرفية الرقمية فإن أعمالها تنمو، وتتمكن من إجراء معاملات أكثر مع الشركات الأخرى والعملاء، وتساهم في الاقتصاد بتوفير وظائف أكثر.
إلا أن الشركات الصغيرة والمتوسطة في باكستان اليوم لا تحظى بما يكفي من الخدمات. فلا يمكنها بدء معاملاتها المصرفية إلا من خلال الفروع، ولا توجد خدمة تأهيل رقمية تقدمها البنوك. كما لا توجد قنوات رقمية مخصصة لها؛ فالبنوك توفر لها تطبيقات مصرفية مخصصة للأفراد، أو منصات مصرفية معقدة للشركات الكبيرة. لكن المشرق سيوفر منصة مصرفية جديدة مخصصة للشركات الصغيرة والمتوسطة في باكستان، تستند إلى المعرفة التي اكتسبها البنك والنجاح الذي حققه في الإمارات.
ويجرب المشرق في الإمارات أيضا عددا من المبادرات التي تركز على الشركات الصغيرة والمتوسطة، تشمل الإقراض دون ضمانات ورموز الأمان الرقمية وحلول التمويل التجاري الموسعة من خلال المشرق نيو بيز، المنتج المصرفي الرقمي الشامل للشركات الصغيرة والمتوسطة. وبعد المرحلة التجريبية والحصول على الموافقات التنظيمية، نستعد لطرح نيو بيز في مصر هذا العام، ولاحقا في باكستان.