يبدو أن منطقة دول مجلس التعاون الخليجي ما زالت تنجح في جذب المستثمرين إلى سوقها للسندات والصكوك. ففي ندوة بمؤتمر أرقام كابيتال لمستثمري الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأسبوع الماضي في أبوظبي، تناول المحللون مختلف العوامل التي تعزز شهية المستثمرين لسوق الدين الخليجي رغم اضطرابات السوق العالمي، والمخاطر التي قد تؤثر على السوق — تحديدا إصدارات الصكوك — وما يحتاج المصدرون إلى فعله في أوقات عدم اليقين.
أصول منطقة الخليج "هي الأصول الوحيدة التي يتزايد حجم سوقها زيادة ضخمة بين فئات الأصول سريعة النمو"، حسبما قال خلال الندوة فادي جندي، المدير التنفيذي وكبير مديري المحافظ في أرقام كابيتال، مقارنا منطقة الخليج بآسيا، التي تستفيد أيضا من انخفاض تقلباتها لكن سوقها يتقلص، وبشرق وسط أوروبا، الذي يعاني انخفاض العائدات. وأضاف جندي أن قاعدة المستثمرين المحليين الكبيرة تساعد في منع تفاقم التقلبات، بينما أشار جاد روضة، رئيس مبيعات أدوات الدخل الثابت في الأسواق الناشئة بأرقام كابيتال، إلى أن الدعم السيادي القوي الذي لا تحظى بمثله الأسواق الناشئة الأخرى يساعد أيضا في تعزيز ثقة المستثمرين.
وتبدو توقعات إصدارات المنطقة على المدى القريب إيجابية، إذ يتوقع جندي طرح إصدارات كبيرة من السعودية وأبوظبي. واعتبر جندي أبوظبي خياره الأفضل للمحافظ الاستثمارية، مشيرا إلى أن سوقها يدعمه الإنفاق الرأسمالي واختيارها للظروف المواتية. وأضاف أنه "برغم تداول إصدارات أبوظبي السيادية بفارق ضئيل جدا يبلغ نحو 20 نقطة أساس فوق سندات الخزانة الأمريكية، فإن بإمكانك رفع عوائدك إذا استثمرت في بعض الكيانات المرتبطة بحكومة أبوظبي، مثل أدنوك مربان ومصدر ومبادلة والقابضة (إيه دي كيو)، وغيرها".
هل هذا هو الوقت المناسب للمصدرين للتوجه إلى أسواق الدين؟ يرى عمر مشرف، رئيس حلول الدين وأسواق رأس مال الدين في أرقام كابيتال، أنه من الأفضل الاتفاق على تثبيت العوائد الحالية واتخاذ خطوات استباقية، بدلا من الانتظار في ظل حالة عدم اليقين الراهنة. وأضاف مشرف أن ذلك "سيوفر لك الاستقرار المالي ويقلل المخاطر فيما يتعلق بالتقلبات"، وتابع أنه كلما أمكن، ينبغي على المصدرين تمديد آجال الاستحقاق. ويبدو أن المصدرين يأخذون بهذه النصيحة، فأسواق الدين شهدت نشاطا كبيرا في الأشهر القليلة الأولى من العام.
ما هي أنواع الديون التي يتطلع إليها المصدرون؟ كانت الصكوك هي الخيار الشائع هذا العام حتى الآن. ففي وقت سابق من هذا الشهر، أتمت شوبا العقارية طرح إصدار صكوك بقيمة 500 مليون دولار متوافق مع اللائحة "إس"، بينما يستطلع مصرف الشارقة الإسلامي آراء المستثمرين بشأن إصدار صكوك من الشق الأول الإضافي لرأس المال. وفي الشهر الماضي، أتمت شركة أمنيات لتطوير العقارات الفاخرة في دبي طرح أول إصداراتها من الصكوك الخضراء بقيمة 500 مليون دولار، كما طرحت أدنوك إصدار صكوك بقيمة 1.5 مليار دولار، ومثلها موانئ دبي العالمية. كما لجأت شركة الدار للاستثمار العقاري إلى الأسواق العالمية بإصدار صكوك خضراء بقيمة 500 مليون دولار لأجل 10 سنوات في مارس الماضي، بينما عادت شركة داماك في فبراير إلى أسواق الديون بإصدارها القياسي الأول منذ عام ونصف، إذ طرحت إصدار صكوك بقيمة 750 مليون دولار لأجل 3.5 سنة. وطرحت كذلك شركة القابضة (إيه دي كيو) سندات بقيمة 2 مليار دولار في السوق، بينما أتمت شركة مصدر المملوكة للدولة والمتخصصة في الطاقة المتجددة طرح إصدار أخضر بقيمة مليار دولار.
ويزداد أيضا الإقبال على الإصدارات المقومة بالعملة المحلية منذ فترة، إذ أشار مشرف إلى أن الإصدارات المقومة بالدرهم الإماراتي تكتسب بالتدريج زخما بين الكيانات المرتبطة بالحكومة، رغم أن السيولة ما زالت موزعة إلى حد ما. وأضاف: "إذا كان هدفك من الإصدار هو جمع السيولة أو الانتشار، أو إذا كنت بحاجة إلى جمع أكثر من 500 مليون دولار، فإن الدولار الأمريكي ما زال هو الخيار الأساسي".
تذكر: من المتوقع أن تصدر الإمارات ديونا مقومة بالدرهم الإماراتي بحوالي 8 مليار دولار هذا العام للمساعدة في دعم "بناء منحنى العائد المحلي"، حسبما ذكرت ستاندرد أند بورز غلوبال للتصنيفات الائتمانية سابقا. ومن المتوقع أن تصدر الإمارات منفردة والحكومة الاتحادية ديونا إجمالية بنحو 18 مليار دولار هذا العام، انخفاضا من 19 مليار دولار في عام 2024.
وبالنسبة للصكوك، يمكن أن تؤدي اللوائح التنظيمية المقبلة إلى زعزعة السوق. فمن المتوقع أن يصدر هذا العام المعيار الشرعي الجديد رقم 62 الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي)، والذي من شأنه تحويل التركيز من الالتزامات التعاقدية للإصدارات إلى الأصول الأساسية التي تدعمها، وهو ما قد يفرض مخاطر إضافية على المستثمرين. وقال محمد داماك، الرئيس العالمي للتمويل الإسلامي في ستاندرد أند بورز، إن هذا المعيار لن يرفع التكلفة فحسب، بل سيكون أيضا أكثر تعقيدا بالنسبة للمصدرين.
وحذر روضة من تأثيرات تلك التغييرات، قائلا إن "المستثمرين الدوليين اليوم يشاركون دون الحاجة إلى فهم كل التفاصيل الفنية. لم يكن هذا هو الحال قبل 15 عاما. فتبسيط الهياكل جعل الصكوك في متناول الجميع، ويجب أن نكون حذرين حتى لا نخسر هذه البساطة مع تطبيق تلك التغييرات التنظيمية أو الهيكلية".
أما إصدارات السندات المرتبطة بالمعايير البيئية والاجتماعية ومعايير الحوكمة فستواصل اكتساب الزخم، مع سعي الدول المصدرة للنفط إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل بصمتها الكربونية، حسبما قال داماك، مشيرا إلى أن صكوك الاستدامة على وجه الخصوص يمكن أن يصل حجم سوقها إلى 20-25 مليار دولار بحلول عام 2028، ارتفاعا من 10-12 مليار دولار حاليا.