انقضى الربع الأول من العام دون أن تنجلي حالة عدم اليقين التي أشار إليها الكثيرون في بدايته. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب مستمر في شن حربه التجارية، ما زاد من حالة الارتباك في الأسواق، وأثار مزيدا من المخاوف بشأن ارتفاع التضخم، وبالتالي زاد عدم اليقين في الأسواق بشأن السياسات المالية والنقدية. وتشير المؤشرات الحالية أيضا إلى بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، كما تزداد احتمالية اندلاع حرب تجارية مع رفع الولايات المتحدة للتعرفات الجمركية على الصين ودول أخرى بقرار من ترامب.
رغم هذه التحديات المتوقعة، بدأت منطقة الشرق الأوسط العام الحالي في وضع جيد. فما تزال سياسات تنويع الموارد الاقتصادية في صدارة أولويات أكبر اقتصادات الخليج، إذ تمضي كل من السعودية والإمارات قدما في مشاريع البنية التحتية الكبرى والاستثمار في القطاعات غير النفطية.
تحدثنا مع شيراديب ديب، رئيس الخدمات المصرفية الاستثمارية العالمية في بنك المشرق، لمعرفة رؤيته بشأن مستقبل أسواق الديون ورؤوس المال المزدهرة في المنطقة في ظل هذه التحديات العالمية والتغيرات المرتقبة. وسألناه أيضا عن أهداف بنك المشرق بالنسبة لتنسيق الديون خلال العام الجاري، وكذلك رأيه في استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع المصرفي الاستثماري، وغيرها من المواضيع. وإليكم مقتطفات محررة من المقابلة:
إنتربرايز: هل تتوقع أن تؤثر التحديات العالمية مثل التوترات الجيوسياسية المتفاقمة والتعرفات الجمركية على أسواق المنطقة؟
شيراديب: أثبتت المنطقة قدرتها على الصمود رغم التوترات الجيوسياسية المحيطة بها. فقد بلغت عمليات جمع التمويل من أسواق رأس المال والقروض المشتركة للمقترضين في المنطقة مستويات غير مسبوقة، وهو ما يبشر بمستقبل واعد للمصارف في إطار سعيها لزيادة ميزانياتها العمومية. وفي النهاية، سيظل سعر النفط هو العامل الحاسم لأداء المنطقة في مواجهة تلك التغيرات العالمية. والسيناريو الأمثل هو أن يصل السعر إلى 70 أو 80 دولارا للبرميل أو أكثر.
على الجانب السلبي، إذا مضى ترامب في تطبيق السياسات الجمركية الجديدة التي تحدث عنها، فسيؤدي ذلك إلى ضغوط تضخمية على المدى القصير، ما سيستدعي الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول. وقد يسفر ذلك عن مواجهة المنطقة لحالة من الركود العالمي مع اقتراب نهاية العام.
إذا حدث هذا السيناريو، فقد نشهد تقلبات حقيقية في المنطقة، وحينها ستكون الدول الأكثر عرضة للتأثر هي البحرين ومصر وما شابههما. أما السعودية، نظرا للعدد الضخم من المشروعات العملاقة التي تعمل عليها، فقد تواجه ضغوطا، لا سيما مع اقتراب سعر التعادل المالي للنفط من حاجز التسعين دولارا.
أما الإمارات، فهي في وضع جيد للغاية. فلم تعد دبي معتمدة على الديون، إذ ساهمت الإدارة المالية الحكيمة خلال العقد الماضي في خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من نحو 120% خلال الأزمة المالية العالمية إلى ما بين 20 و30% حاليا.
وأعتقد أن المنطقة ما تزال تتحلى بمرونة كبيرة، ومعظم دولها في حالة مبشرة. هناك عدد من الدول بالطبع تواجه تحديات في سداد ديونها المستحقة، لكن مقارنة بالأزمات السابقة، فعموما وضع المنطقة أفضل من ذي قبل.
إنتربرايز: ما أبرز الاتجاهات التي تتوقع أن تشهدها أسواق الديون في المنطقة هذا العام؟
شيراديب: خلال العامين الماضيين، كانت المشاريع الجديدة مدفوعة في الأساس بالحكومات والجهات المرتبطة بها، بسبب ضعف الإنفاق الرأسمالي في القطاع الخاص في ظل أسعار الفائدة المرتفعة. لكنني أتوقع أن يبدأ هذا الاتجاه في التغير، مع مشاركة القطاع الخاص بدرجة أكبر إذا بدأت أسعار الفائدة في الانخفاض.
ربما لا يتحقق ذلك في العام الحالي، فالأمر سيحتاج ما بين 12 و18 شهرا لنشهد تراجعا ملموسا في أسعار الفائدة.
وقد لاحظنا أيضا تفوق أسواق رأس المال على أسواق القروض، بعد ركود الأولى في السنوات الثلاث أو الأربع الماضية، رغم نمو اقتصادات المنطقة. كما أقبل على السوق عدد مشجع من مصدري الديون ذات العوائد المرتفعة.
من التطورات الإيجابية أيضا تدفق شركات إدارة الأصول العالمية إلى المنطقة، علما بأنها لا تستهدف الاستثمار في الإمارات أو السعودية فحسب، بل ترى في المنطقة كلها فرصة لتنويع استثماراتها.
وقطاع الائتمان الخاص هو التوجه الرائج الجديد في المنطقة. وأتوقع أن نشهد قبل نهاية 2025 مشاركة أكبر في هذا النوع من الأصول، مع إنشاء مؤسسات إقليمية لصناديق ائتمان خاصة موجهة للاستثمار في أسواق المنطقة.
إنتربرايز: ما هي الأسواق الجديدة التي سيتوسع إليها بنك المشرق هذا العام؟
شيراديب: نغطي حاليا أكثر من 30 دولة حول العالم من حيث تنسيق إصدارات الديون. ومن أبرز نجاحاتنا الأخيرة عملنا في بلدان رابطة الدول المستقلة وبلدان وسط أوروبا. كما أننا خلال 12-18 شهرا مضت نسقنا قروضا مشتركة بأكثر من 700 مليون دولار لبنوك في بلدان رابطة الدول المستقلة. فالبنوك الأوروبية تمر بفترة صعبة من حيث شهيتها للمخاطرة ومعايير العوائد، لذا تحاول هذه الأسواق تنويع مصادر التمويل.
وكنا أول بنك من الشرق الأوسط يشارك في إصدارات أسواق المال لبعض من أكبر البنوك والجهات الحكومية في أوزبكستان وكازاخستان، وحققنا أيضا نجاحات في أرمينيا وأذربيجان وجورجيا. فنحن دائما ما نحاول ربط بنوك الأسواق الواعدة بسيولة الشرق الأوسط، سواء من خلال القروض أو أسواق رأس المال.
نحب أن نخلق الفرص ونتيحها للبنوك الأخرى، سواء في المنطقة أو عالميا من خلال شبكتنا. كما أننا نخوض حوارات مستمرة من أجل مشاركة جزء من المخاطر التي نواجهها، وهو ما يسمح لنا بالوجود في أسواق تصنيفاتها الائتمانية B أو -B، تلك الأسواق التي نود أن نبقي فيها على المدى الطويل.
إنتربرايز: هل أنت متفائل أم متشائم بخصوص الذكاء الاصطناعي؟ وكيف يستخدمه الفريق حاليا، وما هي آفاقه المستقبلية؟
شيراديب: أنا من أكبر مؤيدي فكرة الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في العمل اليومي. ورغم البداية المتخبطة لمحاولاتنا، فإن عددا من المبادرات التي واصلنا العمل عليها ساعدتنا على دمج نماذج ذكاء اصطناعي مطورة محليا في نموذج خدماتنا. مكننا هذا من استهداف المستثمرين الذين تزيد احتمالية أن يصبحوا من ضمن عملائنا، ما ساعدنا على مضاعفة حجم التعاملات أربع مرات خلال ثلاث سنوات، وهو نمو يعود الفضل فيه إلى الذكاء الاصطناعي إلى حد كبير.
تعمل أيضا نماذج الذكاء الاصطناعي باستمرار على متابعة شهية المخاطرة لدى الأطراف المقابلة (المشاركين في تحمل المخاطر). ويمكن للنموذج في غضون ثوان تحديد السعر المناسب الذي من المرجح أن يشجعهم على شراء أصل جديد، بالإضافة إلى تقدير فترة استحقاق الصفقات، كما يزودنا بالمعلومات اللازمة للتواصل معهم. هذا يوفر علينا وقتا كبيرا يمكن استثماره في تكوين علاقات قوية مع المستثمرين، وإجراء حوارات بناءة لتوسيع قاعدة أعمالنا.
إنتربرايز: ما هي أكبر فرص بنك المشرق خلال 2025 من وجهة نظرك؟
شيراديب: فرصة المشرق تتمثل في تعميق أهميته بالنسبة لقاعدة عملائه. فبينما تتوسع المؤسسات المنافسة من خلال ضخ ميزانيات أكبر في الصفقات والمعاملات، يكمن اختلافنا في المشرق في قدرتنا على الابتكار باستمرار. إذ يقدر عملاؤنا الحلول المبتكرة التي نقدمها. كما أننا نؤمن بأن نمو أعمالنا سيتحقق من خلال استعانة كيانات في أسواق جديدة بنا، بينما نواصل ترسيخ وجودنا في سوق تلو الآخر.
تشهد البيئة المالية في المنطقة نموا سريعا من ناحية المشاركين في السوق. والبنوك المشابهة للمشرق، بحكم طبيعة الصفقات التي نتولاها، تترك أثرا على الكيانات الجديدة. واستراتيجيتنا تقوم على مزيج يتضمن التواصل مع الرعاة الماليين ومديري أصول الدخل الثابت ومؤسسات الائتمان الخاص ومكاتب إدارة الثروات العائلية، وعقد شراكات واتفاقيات معهم.