لم ينتصف شهر مارس بعد هذا العام، لكن يبدو وكأنه قد مر عامين. فالعالم يشهد تغيرات متسارعة في جميع الجوانب، من التكنولوجيا إلى الأوضاع الجيوسياسية، ولهذا تداعيات ضخمة على قطاع الأعمال. ومع استمرار حالة عدم اليقين في التأثير على المستثمرين والشركات على حد سواء، ونظرا للتغيرات الجذرية التي تشهدها العلاقات الجيوسياسية والأسواق والتدفقات المالية العالمية بفعل الحرب التجارية الجارية، إلى جانب احتمالية توقف النزاعات في قطاع غزة وأوكرانيا، أدى كل هذا إلى تصدر مفهومين جديدين لأولويات الشركات، وهما القدرة على التكيف والمرونة.
إذ يعمل أصحاب الأعمال على ضمان أن تستطيع شركاتهم مواكبة تحديات المستقبل. فتسعى مثلا بعض الدول مثل الإمارات إلى إبرام مزيد من الاتفاقيات التجارية وتنويع مواردها الاقتصادية، كما أن الذكاء الاصطناعي صار يشغل قدرا من اهتمام جميع المسؤولين التنفيذيين تقريبا. لذا، من دبي إلى القاهرة، ومن أبوظبي إلى الرياض، نتحاور مع ألمع معارفنا، كي نستوعب المشهد الجاري، ونستشرف الاتجاهات التي تتبلور حاليا، والتي ستغير قطاع الأعمال هذا العام وما بعده.
ضيفنا اليوم هو نورمان تامباخ (لينكد إن)، رئيس الشؤون المالية لمجموعة المشرق، الذي تولى منصبه منذ ما يزيد على العام، بعد أن عمل لمدة 10 سنوات لدى بنك " آي إن جي " الألماني، حيث شغل منصب رئيس الشؤون المالية كذلك اعتبارا من 2019. كما أمضى 20 عاما يعمل مع شركة "كيه بي إم جي" في أوروبا. وتامباخ، شأنه شأن الكثير من المسؤولين التنفيذيين في المشرق الذين التقينا بهم، شغوف بالتكنولوجيا وتحقيق السبق، ويفكر دائما في الاستعانة بالأشخاص المناسبين لتنفيذ التغيرات اللازمة.
إنتربرايز: لم ينته بعد الشهر الثالث من عام 2025، ومع ذلك فقد شهدنا الكثير والكثير على مستوى العالم. فما هي الاتجاهات التي ترى أنها تتبلور حاليا وقد تغير قطاع الأعمال في 2030؟
تامباخ: إن كنت سأجيب على هذا السؤال قبل شهر أو اثنين فحسب، لقلت إن الأمر مرهون بالسياسات التي ستتبناها الدول فيما يتعلق بانخفاض أسعار الفائدة. فقد سلك البنك المركزي الأوروبي هذا الاتجاه العام الماضي، وخفض أسعار الفائدة 4 مرات خلال الفترة بين يونيو وديسمبر، لتصبح 3% بعد أن كانت 4% بداية العام الماضي. وتسارعت وتيرة هذا الاتجاه حتى نهاية 2024. وشهدنا اتجاها مشابها في الولايات المتحدة، إلا أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي بدأ يتبنى هذا النهج بعدها بفترة وجيزة، ليخفض أسعار الفائدة بواقع 100 نقطة أساس خلال الفترة بين سبتمبر وديسمبر.
ومع بدء يناير 2025، كانت التوقعات هي أن يخفض الفيدرالي أسعار الفائدة 4 مرات هذا العام، لكن حالة عدم اليقين التجارية والمالية في الولايات المتحدة، فضلا عن ارتفاع معدلات التضخم في يناير، أدت إلى عدول الكثيرين عن توقعاتهم السابقة، وترجيح خفض أسعار الفائدة مرتين هذا العام بإجمالي 50 نقطة أساس.
ومن الجلي أن اتخاذ قرارات أقل بخفض أسعار الفائدة يؤثر إيجابيا على هوامش صافي الفائدة بالنسبة للبنوك، لكن من الناحية الأخرى فهناك تغيرات هائلة تعيد تشكيل أوضاع التجارة العالمية والأنظمة السياسية.
إنتربرايز: كيف ستؤثر إدارة ترامب في المنطقة؟
تامباخ: من السابق لأوانه إجابة هذا السؤال، لكن من الملحوظ أن فترته الرئاسية الثانية ستؤدي إلى تغيرات على مستوى العالم. فسياساته التي تركز في المقام الأول على مصالح الولايات المتحدة ستمثل تحديا للعديد من الأطراف، منها أوروبا التي تعاني لتنمية اقتصاداتها. فالكثير من الشركات الأوروبية تواجه صعوبات بالفعل، وما زالت القارة تحاول التكيف مع أزمة شح الطاقة الروسية الرخيصة. وفولكس فاغن مثلا كانت على وشك إغلاق 3 مصانع العام الماضي، لم يكن هذا ليخطر على بال أحد قبل 10 سنوات. كما أن أوروبا لديها بعض المشكلات الحرجة فيما يخص الأمن الاجتماعي. لذا أتوقع أن تواجه أوروبا عددا من التحديات. وستواجه الصين أيضا رياحا اقتصادية معاكسة، خاصة بعد أن فرضت الولايات المتحدة تعرفات جمركية عليها في الآونة الأخيرة.
لكني مع ذلك أشعر بالتفاؤل. فهناك علاقات وطيدة بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، وخاصة الإمارات، ويسعى الجانبان دائما إلى المحافظة عليها.
إنتربرايز: إن كنت في عشاء عمل وبجانبك رئيسة شؤون مالية معينة حديثا لدى أحد البنوك، وإذ بها تطلب منك 3 نصائح. فبماذا ستوصيها؟
تامباخ: سأنصحها أولا بالتحلي بالمرونة، أي تنويع مصادر الإيرادات، وإدارة المخاطر بكفاءة، وخفض التكاليف، وتصميم العمليات بحيث تكون قابلة للتوسع. كان لابد للمؤسسات أن تعمل على ترسيخ ثقافة المرونة على كافة المستويات خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة. ولم يفت الأوان بعد.
وإن كانت قد بدأت في منصبها حديثا، فإنها تتمتع بمنظور جديد، وليست في حاجة إليّ. لكنني سأنصحها بأن تتحين الفرص في هذه البقعة من العالم، وفي منطقة مجلس التعاون الخليجي على وجه التحديد. سأحثها على العمل مع الرئيس التنفيذي وقادة المؤسسة لاقتناص تلك الفرص. فبالرغم مما نشهده من تغيرات، ما زلت متفائلا تجاه المنطقة.
وعليها أن ترصد أي مؤشرات معاكسة، لكن الاقتصاد في الوقت الراهن يمر بدورة معتدلة إلى حد ما. إذ تتمتع دول الخليج بوضع مالي قوي، وما زالت تكاليف المخاطر أقل من متوسطها على المدى الطويل. فقادة المنطقة يتولون زمام الأمور جيدا. بالإضافة إلى ذلك، يساهم النمو الاقتصادي الذي تشهده الهند في تشكل الوضع الإقليمي.
إنتربرايز: ما هي تلك "المؤشرات المعاكسة" التي أشرت إليها؟
تامباخ: على سبيل المثال، هل نتوقع زيادة مخاطر الائتمان؟ كما ذكرت، لا نرى احتمالية لحدوث ذلك في الوقت الراهن، لكننا نراقب عن كثب مؤشرات تغير الدورة الاقتصادية. وتتمتع حاليا الشركات الكبيرة بوفرة في السيولة النقدية، وتسدد قروضها بيسر وسهولة. وبالإضافة إلى ذلك، لا نرى ارتفاعات كبيرة في الأدوات المالية ذات التقلبات الدورية الشديدة مثل القروض الشخصية، وقروض الشركات الصغيرة والمتوسطة، وبطاقات الائتمان. فإن كنت مصرفيا أو تدير عملا تجاريا، عليك بمتابعة اتجاهات المشهد الاستهلاكي وحال الشركات الصغيرة، لأنها مؤشرات في غاية الأهمية.
وبالطبع، تشمل هذه المؤشرات أي تغيرات في توجهات أسعار الفائدة. فسواء كنت تخصص رأس المال أو تطمح في جمعه، فإن تغيرات بيئة أسعار الفائدة لها تأثير جذري. إذ إن قدرتك على جمع رأس المال من محفظة سندات ذات مخاطر مقبولة، يحصل المستثمرون فيها على عائد 7%، تختلف تماما عن قدرتك عندما تصبح أسعار الفائدة نصف هذه النسبة أو أقل.
وفي 2025، حالي كحال غالبيتنا، أترقب الأوضاع الجيوسياسية عن كثب. ماذا ستؤول إليه الأوضاع في أوكرانيا؟ والحرب الإسرائيلية الفلسطينية؟ وكيف ستؤثر التعرفات الجمركية واستراتيجية "الصين زائد واحد" للتصنيع على سلاسل التوريد ومستويات التضخم؟
إنتربرايز: ما هي توقعاتك للإمارات؟
تامباخ: لست منجما، لكن ما سأقوله هو إن كنت تعتقد أن عالمنا سيشهد مزيدا من السياسات التجارية الحمائية والتعرفات الجمركية والضغوط الاقتصادية، فأرى حينها أن الوجود في الإمارات سيكون أمرا جيدا حقا. إذ إنها مستمرة في إقامة علاقات وثيقة مع غيرها من الدول، وهي محايدة تماما في هذا الشأن. وترغب فقط في إقامة علاقات تجارية والتعاون في الأعمال مع جميع الدول. والتزامها بوضع لوائح تنظيمية محكمة وإرساء السلام والرخاء وإبرام الشراكات التجارية واسعة النطاق جيد لقطاع الأعمال. فالإمارات بشكل عام، ودبي تحديدا، تتبع نهجا غاية في التقدم والانفتاح، مما أثمر بوضوح عن تحقيق الرخاء.
إنتربرايز: هل تظن أن الذكاء الاصطناعي سيصبح أقل أهمية هذا العام عن العام الماضي؟
تامباخ: بالتأكيد لا. ومن يعتقد بأن وتيرة التغير بطيئة، وأن إمكانيات نماذج الذكاء الاصطناعي بلغت أعلى مستوياتها، لا يفكر بشكل سليم في هذه المسألة. أعتقد أن ثورة الذكاء الاصطناعي قد بدأت للتو في تغيير حياتنا.
إنتربرايز: لكن الكثيرين من كبار المسؤولين التنفيذيين لا يحبذون الذكاء الاصطناعي على المستوى الشخصي.
تامباخ: عندما يتعلق عملك بأحدث تطورات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، فإن الاستشاريين أحيانا ما يكون عاجزين عن تقديم المساعدة. فشركات الخدمات الاستشارية والتكنولوجية لا يمكنها مساعدتك إلا في مجالات بعينها، والجهود المتعلقة بالريادة في استخدام الذكاء الاصطناعي واستغلال تقنياته والاستمرار في تبنيه يحب أن تتولاها المؤسسات بنفسها.
وهذا ليس بالأمر الجديد، بل الواقع الذي نعيشه كلما حاول أي قطاع أن يستكشف كيفية مواكبة أي تغير هائل. والنهج الأمثل في ذلك بالنسبة لرؤساء الشؤون المالية وغيرهم من قيادات المؤسسات المالية هو تجزئة التغيير إلى مشكلات أو تجارب صغيرة منفصلة، والبدء بمحاولات إثبات الجدوى. عليك البدء باستكشاف ذلك بنفسك. فالبديل هو أن تنتظر غيرك، وأن تأمل في تلقي الأفكار الجديدة مع مرور الوقت. لكننا في المشرق قررنا أن نكون في الصدارة، لذا علينا أن نمضي قدما بدأب، وبتدبر في الوقت نفسه.
إنتربرايز: كيف تتعامل مع المقاومة الداخلية؟
تامباخ: التغيير أحيانا يثير المخاوف، ومن الطبيعي أن يقاومه البعض. ومع ذلك، فكل مؤسسة لديها من يتحمسون لفكرة الصدارة. وعليكم البحث عن هؤلاء. ينبغى عليك أيضا أن تفكر مليا في الجهات التي ستتعاون معها، فربما تحتاج إلى جهة استشارية بالفعل، لكنها ربما لا تكون من شركائك التكنولوجيين المعتادين. وأحيانا قد تجد ضالتك في شركة تكنولوجيا صغيرة بالهند أو مصر أو باكستان.
إنتربرايز: إلى أي مدى أثبت الذكاء الاصطناعي جدارته بالنسبة إليكم؟
تامباخ: بالطبع بدأنا في الاستعانة بتطبيق كوبايلوت من مايكروسوفت، ومن المدهش ملاحظة كيفية تطوره وزيادة قدراته مع الوقت. وشركات الخدمات التي تواجه تحديات لن تكون مايكروسوفت أو "أوبن ايه آي" أو غوغل، بل غيرها من شركات برمجيات الأعمال الكبرى مثل أوراكل وساب. فهل ستسارع هذه الشركات بالتخطيط وطرح خصائص ذكاء اصطناعي مدمجة في تطبيقاتها؟ وما هي خططها لمعالجة مشكلات الشركات وتلبية احتياجاتها؟
إنتربرايز: هل سيحث الذكاء الاصطناعي الشركات على تغيير مزودي الخدمات التكنولوجية اللذين تستعين بهم؟
تامباخ: لا أتوقع ذلك. فمن ناحية الذكاء الاصطناعي، تحاول الشركات دائما اللحاق بالركب والبقاء في الصدارة. ومن الصعب للغاية أن أتخيل عالما يتحول فيه المصرفيون في مؤسسة ما إلى استخدام تقنيات ساب بدلا من أوراكل مثلا. فهذا التغيير مكلف للغاية من ناحية الوقت والمال. إذ إنه النظام الذي تقوم عليه مؤسستك بالكامل، لذا فإن أسباب التغير لا بد أن تكون مقنعة.
ما قد نشهده بناء على تجربتي في أوروبا هو أن تتبنى الشركات نهجا يقوم على وحدات منفصلة تتكامل مع بعضها، فتستخدم مثلا أنظمة أوراكل في قاعدة بياناتها، وتنفتح في الوقت ذاته على الاستعانة بشركات متخصصة أخرى لتحصل على تطبيقات أو خصائص أو تقنيات إضافية ضرورية لها، وخاصة عندما ترى أن شركات برمجيات الأعمال الكبرى لا تواكب التطورات السريعة للذكاء الاصطناعي وخصائصه.
وهنا تكمن أهمية التخطيط الاستراتيجي لتحقيق ذلك، وهو ما يمثل تحديا كبيرا في حد ذاته. ففي هذا الشأن يتجلى دور التخطيط الجيد والتنفيذ، عبر التعاون الوثيق مع الشركاء في قطاع التكنولوجيا، إلى جانب الاستعداد لتقسيم المسألة إلى خطوات مختلفة، والقدرة على تخطيط احتياجات العمل المستقبلية مع النمو والتطور.
إنتربرايز: هل تستطيع الشركات الناشئة اقتناص حصة سوقية من الشركات ذات الثقل، سواء شركات توريد الأنظمة الخاصة بتخطيط موارد المؤسسات، أو تلك المعنية بتطوير الأنظمة المصرفية الأساسية؟
تامباخ: إن لم تتحرك الشركات الراسخة بالسرعة اللازمة، فربما يحدث ذلك. لكني أعتقد بأن الفرص المتاحة تتعلق بالتطبيقات الأكثر تخصصا وتفردا، مثل أنظمة إدارة موردي الخدمات والنفقات والعقود. فالبيانات الأساسية لأعمالك لن تتغير، لكن يمكنني تخيل أن تطور شركة ما منظومة مثيرة للاهتمام تقدم قيمة جديدة لأمثالنا من المؤسسات.
إنتربرايز: ما الدروس المستفادة من تجربتك في قيادة التحول التكنولوجي التي قد تفيد من ما زالوا في مرحلة مبكرة من مسيراتهم المهنية؟
تامباخ: كرئيس للشؤون المالية، عليك أن تتولى العملية بنفسك وتتحكم فيها، لا أن تنتظر من شركائك في قطاع التكنولوجيا إيجاد حلول لكل شيء. فهذا هو ما يشغل يومك. وأيضا ينبغى أن تضع معايير واضحة للاستثناءات المسموح بها، فتعديل الأنظمة والتطبيقات القياسية يتطلب كثيرا من الوقت والمال. والأطراف المختلفة المعنية في مؤسستك دائما ما سترغب في أنظمة جديدة مماثلة للقديمة، لكن بها بعض الخصائص الإضافية. إلا أن النجاح في استخدام التطبيقات المختلفة يتطلب الموازنة بين التغييرات في أنظمة العمل الحالية وبين التعديلات المسموح بها. فالتحول الرقمي يصبح أسهل بكثير عندما تستعين بمنتجات قياسية، والاستثناءات هي عدو الكفاءة في هذا الصدد.
إنتربرايز: مع أننا نتحدث عن التغيرات التكنولوجية، إلا أنك تعود باستمرار إلى الحديث عن الأشخاص. أين تجد أولئك الذين يفكرون مثلك فيما يخص تلك التغيرات؟
تامباخ: أحيانا يكونون بالفعل ضمن مجلس الإدارة. وفي أغلب الأحيان تجد مثل هؤلاء بين زملائك بالفريق الإداري. وأعتقد أن الحظ يحالفني، لأنني عثرت على كليهما في المشرق. لكن إن كان لديك فريق جيد لجذب المواهب، وإدارة ملهمة، ووضعت مؤشرات الأداء والحوافز كما ينبغي، فأنا متأكد من أنك ستبني الفريق المناسب، وستجد أولئك الراغبين في إنجاز المهام من خلال العمل في بيئة مرنة وتعاونية. لكن الأمر ليس سهلا، أليس كذلك؟