إدريس الرفاعي، الرئيس التنفيذي والمؤسس الشريك لشركة فلو 48: روتيني الصباحي فقرة أسبوعية، نتحاور خلالها مع أحد الأفراد البارزين في مجتمعنا لنعرف كيف يبدأون يومهم، كما نطرح عليهم بعض الأسئلة المتعلقة بأعمالهم. ضيفنا هذا الأسبوع هو إدريس الرفاعي (لينكد إن)، الرئيس التنفيذي والمؤسس الشريك لشركة فلو 48. وإليكم مقتطفات محررة من الحوار:
اسمي إدريس، وأنا فرنسي عراقي، وُلدت ونشأت في فرنسا. خلفيتي غير تقليدية. فقد كنت لاعبا محترفا لكرة السلة لعدة سنوات، وشاركت مع المنتخب الفرنسي تحت سن 21 عاما، الذي كان الجيل الذهبي لفرنسا في كرة السلة، إذ انضم 10 لاعبين من أصل 12 للرابطة الوطنية لكرة السلة الأمريكية (إن بي ايه). حاولت ذلك لكن لم يحالفني التوفيق، ولعبت كرة السلة لمدة 3 سنوات في باريس.
انضممت بعدها للقوات الخاصة الفرنسية لمدة 3 سنوات. بُعثت خلالها إلى 13 دولة، وشاركت في 16 مهمة و9 عمليات سرية. وحصلت على حوالي 40 أو 50 ميدالية. ولأن معظم المهام كانت مهام استخبارية، أصبحت المستشار الشخصي لوزير الدفاع الفرنسي لمدة عامين، وقد كانت هذه وظيفة ممتعة، إذ سافرت إلى أكثر من 40 دولة. وبعد ذلك، حصلت على ماجستير إدارة الأعمال من جامعة شيكاغو، وأنشأت شركتي الأولى، ثم بعتها، وانتقلت إلى الشرق الأوسط لأعمل لمدة عامين مع شركة “بي سي جي”، وذلك كي أحاول أن أثبت للجميع أنني شخص طبيعي، قادر على أداء الوظائف العادية [قالها بضحك].
بعد فترة استقلت من وظيفتي لتأسيس شركتي الثانية، التي نمت وتضخمت لتصبح ثاني يونيكورن في الشرق الأوسط، ووصل عدد موظفيها إلى حوالي 5 آلاف شخص. كانت هذه شركة فيتشر، التي تخصصت في مجال الخدمات اللوجستية للتجارة الإلكترونية، وقد حققنا فيها نجاحات عديدة، وتعرضنا لانتكاسات أيضا. ثم انتقلت إلى غلوفو في برشلونة، حيث توليت شؤون التكنولوجيا والبيانات والاستراتيجية. واستطعنا توسعة أعمال الشركة من 8 دول إلى 25 دولة، ثم بعناها في النهاية مقابل 2.2 مليار دولار إلى شركة ديليفري هيرو منذ 3 سنوات. وحينها بدأت في تأسيس شركتي الرابعة، وأولى شركاتي في مجال التكنولوجيا المالية، وهي شركة فلو 48.
تعاني جميع الأسواق الناشئة من فجوة في التمويل التجاري. فعادة ما توفر الشركات الصغيرة والمتوسطة 80% من فرص العمل، وتساهم بنسبة 60% من الناتج المحلي الإجمالي في معظم الأسواق، لكنها لا تحظى إلا بنسبة 5-10% من قروض البنوك، لذا فهناك فجوة حرجة. ونعلم من رؤية دبي 2030 ورؤية السعودية 2030 أن الشركات الصغيرة والمتوسطة عامل أساسي في النمو الاقتصادي، وأنها قلب الاقتصاد، لكن البنوك لا تدري كيفية تقييمها، وبالتالي لا تمنحها القروض.
هذه هي المشكلة التي نحاول حلها في فلو 48، وذلك عبر أمرين: الأول يقوم على البيانات، فنجمع البيانات من حوالي 50 مصدرا مختلفا، لتتوفر لنا صورة من جميع الزوايا لسوق الشركات الصغيرة والمتوسطة، والثاني هو أننا نوجه التمويل لسد تلك الفجوة التي نشير إليها، فنعمل كبنك صغير لهذه الشركات، ونمنح القروض لأفضلها أداء.
هذا هو المنطق الذي دفعني إلى تأسيس الشركة، لكني فعلت ذلك أيضا بدافع الشغف؛ إذ تحفزني أي حلول لمشكلات عدم الإنصاف. فلو كانت لديك شركتان متشابهتان، تحققان نفس الإيرادات والأرباح، أحدهما في نيويورك والأخرى يملكها أفراد من الأقليات في دبي، تستطيع الأولى أن تحصل على تمويل بمعدل فائدة منخفض خلال 3 أيام فقط، بينما الثانية فإن احتمالية حصولها على تمويل ضئيلة للغاية، وإن تمكنت من ذلك فستحصل عليه بمعدل فائدة ضخم. وهذا فيه تحامل تجاهها، ولذلك نحاول سد هذه الفجوة.
أحد أسباب هذه المشكلة هو عدم توفر المعلومات عن تلك الشركات بنفس القدر. فالمرء عدو ما يجهل، والكثير من البنوك لا تعرف كيف يمكنها أن تقيم مخاطر الشركات الصغيرة والمتوسطة، لذا فإن تقييمها لتلك الشركات لا يكون سليما، ويبالغ في تقدير المخاطر. وما نرغب في تحقيقه هو الحد من مشكلة المعلومات هذه، لنستطيع جذب المزيد من رأس المال، والسماح لتلك الشركات بتوفير المزيد من فرص العمل.
وهدفنا هنا ليس التنافس مع الآخرين. فهذا مجال واسع، تقدر قيمته بمئات المليارات من الدولارات. وستوجد به عدد من شركات اليونيكورن — لعلنا نصبح واحدة منها — وربما حتى شركة ديكاكورن في وقت ما.
بالنسبة لروتيني اليومي، فأنا أسافر كثيرا، أقضي حوالي ثلثي وقتي في السفر، لذا من الصعب علي أن ألتزم بروتين معين. وأؤمن بالموازنة بين عملي وحياتي، وليس العمل 14 ساعة يوميا لسبعة أيام في الأسبوع. لا تؤجل سعادتك وتفترض أنك ستشعر بالسعادة حين تجمع قدرا ما من المال أو توسع شركتك، بل عليك أن تدير وقتك وتحقق التوازن. عليك أيضا أن تعمل ما تحب، وأن تظل قادرا في الوقت ذاته على اقتطاع وقت لنفسك، لتعيش فيه حياتك كإنسان وليس صاحب شركة.
وأحاول دائما إدارة جهدي وطاقتي. ومما كان يثير جنوني حين عملت بمجال الاستشارات أنني لم أكن أستطيع ارتياد صالة الألعاب الرياضية في منتصف اليوم، لأن هذا هو الوقت الذي أحتاج فيه دفعة من الطاقة، وليس في الصباح.
أستيقظ عادة في وقت مبكر، نحو السابعة صباحا، وأبدأ عملي في حوالي الثامنة. ثم أحاول اقتطاع بعض الوقت أثناء الظهيرة لشحن طاقتي. وأحاول إدارة جدول اجتماعاتي بحيث أكون في ذروة نشاطي خلال تلك الاجتماعات التي تتطلب قدرا كبيرا من الحيوية. كما أنني لا أتفق على أي اجتماعات تتجاوز نصف الساعة، بل أحاول أن أجتمع بفريقي اجتماعات قصيرة لا تطول عن ربع الساعة، لأننا جميعا نعمل عن بعد نظرا لطبيعة الوظيفة، وهذه الاجتماعات القصيرة للتنسيق بيننا بإمكانها أن تنجز الكثير، وأُفضلها دوما عن أن أجتمع بهم اجتماعا طويلا مرة كل أسبوع.
بالنسبة لأهدافي طويلة المدى، فأعتقد أن النجاح المفاجئ لا يتحقق إلا بعد سنوات من العمل. عليك أن تعمل دوما لتكون جاهزا للفرصة وتقتنصها حين تبرز نفسها. فالخطط طويلة المدى عادة ما تفشل، وقد كنت مخطئا بشأن العديد من الأمور في الماضي، حين ظننت مثلا أنني سأطرح شركتي للاكتتاب العام، إذ بعتها في النهاية في وقت أقرب مما ظننت. لذا، ما أرغب فيه خلال السنوات الخمس القادمة هو أن أبني كيانا أفتخر به.
أستمتع كثيرا بحلقات برنامج The Diary of a CEO. إذ تعجبني برامج البودكاست الطويلة التي تتعمق في موضوعات بعينها. وهذا البرنامج ليس عن المديرين التنفيذيين فقط، بل يتناول الصحة وطول العمر. كما بدأت مؤخرا أتابع بعض البرامج التاريخية، ويمكنني أن أشاهد حلقات طويلة تصل إلى 45 دقيقة عن موضوعات مثل حرب المئة عام.
هناك نصيحتان أبقيهما في بالي دوما، الأولى تعلمتها من الخبرة، والثانية تلقيتها من شخص عزيز. ما تعلمته من خبراتي هو أهمية الاستمتاع بالرحلة، وألا تؤجل الشعور بالسعادة. فالأيام الأولى لأي شركة وتلك الطاقة التي تحيط بك مع فريقك الصغير لها شعور مذهل.
النصيحة الثانية تلقيتها من أمي، وكانت حين بنيت شركة قاربت قيمتها المليار دولار، لينهار كل شيء بعدها في غضون 3 أسابيع. خسرت الشركة 700 مليون دولار من قيمتها، وخسرت معها ثروتي كلها، فانهرت. عرفت أمي ما عليها أن تقوله لتساعدني على أن أرى الوضع بوضوح. قالت لي إنك كما لو كنت قد فزت بالأولمبياد مرتين، ثم تملكك الضيق لأنك لم تفز في المرة الثالثة. وقد استوعبتُ ما قالت، لأنها محقة، فالمرء يعمل ويعمل ثم يمر بكبوة، وينسى أنه قد حقق ما كان سيرغب فيه الكثيرون.