استقبلت العاصمة العمانية مسقط بالأمس أول فروع بنك المشرق، الذي يعد من المؤسسات المالية الرائدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وشريكنا الأساسي في نشرة إنتربرايز الإمارات الصباحية. ولأن البنك الواقع مقره في دبي بدأ عام 1967 تحت اسم بنك عمان، فإن هذا التوسع يمثل للبنك بشكل ما عودة إلى الجذور.
بهذا الافتتاح الرسمي لفرع المشرق في عمان أصبح للبنك حضور مباشر في 14 سوقا ومركزا ماليا عالميا، تمتد من الإمارات ومصر إلى باكستان ولندن ومومباي وهونغ كونغ ونيويورك.
ولأن عمان بدأت تجتذب مزيدا من الاهتمام من الشركات الإقليمية والمستثمرين بالمنطقة، ذهبنا إلى مسقط وتحدثنا مع كبار المسؤولين في بنك المشرق عن دوافع التوسع في عمان، والسبب في اختيار هذا التوقيت، وأهم الفرص الواعدة في المستقبل.
تقوم استراتيجية بنك المشرق في عمان على الاستفادة من تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية بينها وبين الإمارات، إذ سيؤسس البنك حضوره على انخراطه في السوق العماني منذ عقود. وبالنسبة للتوقيت فهو موات للتوسع هناك، إذ برزت عمان في عام 2024 بوصفها واحدة من أكثر الوجهات جذبا للأعمال في المنطقة، مع تصاعد نشاط الطروحات فيها لتتفوق على لندن، بالإضافة إلى التزامها بتنمية الاقتصاد وتنويعه، وطموحاتها فيما يتعلق بأهداف النمو.
لماذا اتجه المشرق لعمان؟ تشير إجابة طارق النحاس، رئيس مجموعة الخدمات المصرفية الدولية في المشرق، إلى “قطاعات اللوجستيات والسياحة والتصنيع والطاقة المتجددة” وغيرها، وإلى رؤية عمان 2040 الطموحة، التي تستهدف بناء اقتصاد قادر على المنافسة عالميا، ويعطي الأولوية للاستدامة البيئية.
والعقارات أيضا على خارطة المشرق، حسبما أضاف النحاس، قائلا: “مولنا بالفعل عددا من المشروعات العقارية في قطاع السياحة، ونبحث مع الحكومة العمانية إمكانية الاستفادة من خبراتنا في الإمارات لتمويل المدن الذكية”.
وفي هذا الصدد، فشهية المشرق مفتوحة لمشروعات التطوير الضخمة، إذ قال رئيس مجلس الإدارة عبد العزيز الغرير “موازنتنا العمومية تمكننا من دعم المشروعات الضخمة التي ستكون مهمة للاقتصاد العماني خلال 5-10 سنوات. فالبنوك عليها أن تكون قادرة على توفير تمويلات كبيرة، واتخاذ القرارات محليا وبسرعة. وهذا هو ما يقوم به بنك المشرق: نضع استراتيجيتنا ونتخذ قراراتنا هنا من قلب المنطقة، وليس من لندن، ثم نطبق أفضل التقنيات والمعارف التي توصلنا إليها في الإمارات وحول العالم، سواء في خدمة الشركات الكبرى أو الأفراد”.
وبنك المشرق ليس غريبا على السلطنة. فيقول أحمد عبد العال، الرئيس التنفيذي لمجموعة المشرق: “لقد عملنا هنا لعقود مع عملاء من الشركات والجهات الحكومية وشبه الحكومية”، مضيفا أن توسع البنك في السوق العماني اليوم “يتماشى مع رؤية عمان 2040، ويؤكد على أهمية إضافة القيمة لعملائنا من خلال الخدمات المصرفية للشركات والتمويل المستدام والابتكارات الرقمية”.
ولأن “الإمارات هي أكبر الشركاء التجاريين لعمان، فإن التوسع هناك يصبح أولوية مع نمو أعمال البنك”، حسبما يرى الغرير، الذي أضاف أنه “بينما كانت لدينا أعمال هنا مع الحكومة والشركات منذ أكثر من 25 عاما، فمن الواضح أننا أصبحنا نحتاج الآن إلى مقر فعلي. واستراتيجية السلطان هيثم بن طارق آل سعيد جعلت السوق جذابا للغاية، وأوجدت فرصا ضخمة للتأثير في اقتصاد السلطنة والمساهمة بدور في إتاحة الاستثمارات. وقد حظينا بدعم هائل من البنك المركزي العماني في نهجنا القائم بالأساس على الخدمات الرقمية”، كما أشار الغرير إلى أن المشرق أغلق 95% من شبكة فروعه في الإمارات، موضحا أن البنك يستطيع تقديم خدمات أفضل لعملائه عبر الوسائل الرقمية.
وهذا لأن “بنوك الخليج من بين أكثر البنوك تطلعا للمستقبل في العالم”، حسبما يرى النحاس، الذي أشار إلى مرونة بنوك المنطقة، وتركيزها على تجربة العملاء، وتبنيها للتقنيات المتقدمة، مضيفا أن “عملاءنا يبحثون عن الأفضلية في عالم تسوده التنافسية والتشابك، سواء كانوا يريدون مواكبة الاتجاهات السائدة في التجارة العالمية، أو استكشاف الأسواق الجديدة ذات الإمكانات العالية. ومهمتنا تتمثل في مساعدتهم للاستفادة من الفرص المتاحة. وما نطمح إليه في المستقبل هو أن تتمكن الشركات في عمان من بناء اقتصاد تنافسي يعتمد على المعرفة، ومدعوم بروح ريادة الأعمال التي يتسم بها الجيل الجديد، ونريد أن نكون جزءا من هذا المستقبل، أن نساعد على نمو عملائنا والبلاد برمتها”.
ما هي المشروعات التي ينفذها بنك المشرق حاليا؟ يجيب النحاس عن ذلك موضحا أن البنك كان لفترة طويلة “شريكا مع الحكومة والعديد من الجهات المرتبطة بها والشركات الكبرى في عمان، وشارك في العديد من صفقات أسواق الديون في السنتين أو الثلاث الماضية لكيانات من قبيل شركة تنمية طاقة عمان. ونجري مباحثات حثيثة مع الحكومة بشأن الإصدارات السيادية، ونرى تزايدا في توافد عملائنا على عمان، سواء الإقليميين أو الدولييين. كما أن هناك تدفق كبير للاستثمار الأجنبي المباشر إلى البلاد، وهي على وشك أن تحظى بتصنيف ائتماني من الدرجة الاستثمارية. ونريد جذب المزيد من الشركات الإقليمية والعالمية إلى هنا، وتلبية احتياجاتهم، سواء بالعملة المحلية أو عبر حلول إدارة النقد. وفي المقابل، نريد أن نساعد الشركات العمانية في الانطلاق إلى الأسواق العالمية”.
وهذه الجاذبية التي تتمتع بها المؤسسات الحكومية والشركات الكبرى “لا تخطئها العين، ونحن منفتحون على قطاعات عدة”، حسبما قال الصلط بن محمد الخروصي (لينكد إن)، المواطن العماني والمسؤول المتمرس السابق في بنكي “إتش إس بي سي” وعمان العربي، والذي انضم إلى بنك المشرق قبل عام لتدشين الفرع الجديد وتولي منصب الرئيس الإقليمي في عمان.
ولم يفت النحاس التأكيد على مكانة بنك المشرق في قطاع التمويل المستدام، مشيرا إلى تعهده بالمساعدة “في جمع تمويل مستدام بقيمة 30 مليار دولار بحلول عام 2030، وفي هذا الصدد فإننا نسير في الاتجاه الصحيح، بل إننا تجاوزنا مستهدفاتنا. ولا تقتصر أهدافنا على الإمارات، بل نقود اتجاه التمويل المستدام لعملائنا في كافة دول الخليج، وفي الهند وأفريقيا. وهو ما يتماشى مع استراتيجية عمان بخصوص التحول الرقمي والتمويل المستدام”.
ولم يتوسع بنك المشرق في عمان ليكون منافسا للبنوك العمانية، بل شريكا لها، حسبما قال عبد العال، مضيفا أن “هدف المشرق من التوسع في أي سوق جديد هو العمل بالشراكة مع المؤسسات المحلية. وتكمن قوتنا في قدرتنا على ربط الأسواق العالمية من خلال شبكتنا وقدراتنا التكنولوجية، سواء كانت هذه الأسواق هي الإمارات ومومباي، أو لندن ونيويورك وهونغ كونغ وشنغهاي. ويشكل حضورنا في آسيا وإفريقيا نقطة قوة مميزة لنا، بالإضافة إلى قدراتنا الرقمية العالية”.
يهدف بنك المشرق إلى تحقيق الأرباح من اليوم الأول لتوسعه في عمان، حسبما قال الغرير، وهو هدف استثنائي لكنه ممكن، بفضل “فئة العملاء التي نتعامل معها هنا”.
خلفية – الإمارات وعمان تعززان شراكتهما التجارية أكثر من أي وقت مضى. إذ وقعت شركات إماراتية وعمانية اتفاقيات بقيمة تبلغ 35 مليار دولار في أبريل الماضي، منها اتفاقية لتدشين صندوق تكنولوجي ضخم، ومشروع طاقة عملاق بقيمة 117 مليار درهم، وخط سكك حديدية بين الإمارات والسلطنة. كما حدد المسؤولون الإماراتيون ونظراؤهم العمانيون القطاعات التي ستكون لها الأولوية في التعاون، وهي البنية التحتية الرقمية والأمن الغذائي والطاقة والنقل.