مر عام أو يزيد منذ أن أكمل أول "سلطان فضاء" إماراتي — سلطان النيادي — أول مهمة سير في الفضاء لرائد فضاء عربي. كان هذا واحدا من بين إنجازات عديدة حققتها دولة الإمارات منذ أن وضعت نصب أعينها ريادة المنطقة في قطاع الفضاء، من بينها إرسال هزاع المنصوري، أول رائد فضاء إماراتي، إلى الفضاء في عام 2019.
أرسلت الإمارات أول مسبار عربي غير مأهول إلى المريخ في عام 2021، وكثفت استثماراتها في مجال تصنيع الأقمار الصناعية، وانضمت إلى الولايات المتحدة واليابان وكندا والاتحاد الأوروبي في تنفيذ مشروع "البوابة القمرية" الذي سيسهم في إنشاء أول محطة فضائية تدور حول القمر. وسيمهد هذا المشروع الطموح الطريق لإرسال أول رائد فضاء إماراتي إلى مدار القمر.
لا تتوقف طموحات الإمارات هنا؛ فهي تسعى إلى تأسيس أول مستوطنة بشرية على سطح المريخ بحلول عام 2117.
لا شك أن قطاع الفضاء الوليد في الإمارات يحتم الاستفادة من خبرات القوى الرائدة في المجال، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، عبر تعزيز التعاون الثنائي. وقد شهدت السنوات الماضية نموا ملحوظا في العلاقات بين البلدين على مختلف الأصعدة، بدءا من الشراكة الاستراتيجية في مجال الذكاء الاصطناعي — التي تجسدت في استثمار مايكروسوفت بقيمة 1.5 مليار دولار في شركة الذكاء الاصطناعي الإماراتية "جي 42" — وصولا إلى مجال الدفاع، وغيرها من المجالات.
وما قطاع الفضاء إلا امتداد لهذه العلاقات المتينة؛ إذ استضافت أبوظبي الأسبوع الماضي أول وفد فضائي من غرفة التجارة الأمريكية. ضم الوفد أكثر من 20 شركة وما يزيد على 40 من قادة الأعمال، والتقى بمسؤولين إماراتيين بارزين وممثلين عن القطاع الخاص، من بينهم وزير الاقتصاد عبد الله بن طوق المري، وقيادات من وكالة الإمارات للفضاء، وشركة "سبيس 42" الحكومية لتكنولوجيا الفضاء، وشركة "فضاء" التابعة لمجموعة إيدج والمتخصصة في التكنولوجيا السيبرانية، وغيرهم.
أبرز ما جاء في اللقاء: في حين ما يزال قطاع الفضاء "مجالا تقنيا ناشئا" إلى حد كبير، فقد بدأ ينفتح تدريجيا على فرص تجارية وشراكات مع القطاع الخاص عبر مجالات متعددة، حسبما قال ستيف لوتس، نائب رئيس غرفة التجارة الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط، لإنتربرايز الإمارات. فقطاع الفضاء لم يعد مقصورا على شريحة بعينها، بحسب لوتس، مضيفا أن الفضاء أصبح يتقاطع مع مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والعلوم الحياتية والاقتصاد الأخضر والاستدامة.
يعتبر هذا تحولا ضخما لقطاع ظل يصنف في السابق ضمن القطاعات الأمنية العليا، واقتصرت الشراكات فيه على التعاون بين الحكومات، بحسب لوتس. فقد كانت مشاركة البيانات والمعلومات في هذا القطاع أمرا حساسا، وافتقر إلى العنصر التجاري الضروري لاجتذاب شراكات القطاع الخاص.
لكن مع تعزيز العلاقات التكنولوجية بين الولايات المتحدة والإمارات، أصبح من السهل الحصول على الموافقات من الحكومة الأمريكية لنقل هذه التقنيات والبيانات إلى الإمارات. "هناك شركات أمريكية تعمل على استكمال بعض الموافقات، ونتطلع إلى تأسيس تواجد صناعي في الإمارات، ما سيعد خطوة محورية في المرحلة المقبلة"، بحسب لوتس.
ويتزايد الاهتمام بمجالات العلوم الحياتية، وكذلك التقاطع بين مجالات الذكاء الاصطناعي والحد من التغير المناخي وبين مجال الفضاء، حسبما أضاف.
الشركات الأمريكية بدأت التعاون مع الإماراتية بدأ بالفعل: شهدنا هذا العام تأسيس مشروع مشترك بين شركة مارلان للاستثمار في مجال الفضاء والتكنولوجيا العميقة، الواقع مقرها في أبوظبي والمدعومة من الشركة العالمية القابضة، وشركة لوفت أوربيتال الأمريكية الناشئة، يهدف إلى تصنيع الأقمار الصناعية على نطاق واسع لأول مرة في منطقة الشرق الأوسط. كما تعاونت شركة بلانيت لابز المتخصصة في تحليلات وصور الأقمار الصناعية مع وكالة الإمارات للفضاء لتطوير أطلس يعتمد على بيانات الأقمار الصناعية، بهدف مساعدة الدول النامية في مواجهة الأضرار المرتبطة بتغير المناخ.
..وتأسيس مقرات في الإمارات أيضا: اختارت شركة سولار سبيس الأمريكية الناشئة المتخصصة في توليد الطاقة الشمسية تأسيس مقرها الإقليمي في أبوظبي، بعد انضمامها إلى مبادرة الجيل التالي من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، التي تسهل على الشركات الناشئة تأسيس أعمالها في الإمارات عبر تبسيط إجراءات التسجيل والترخيص، وإصدار التأشيرات، وتقديم حوافز إيجارية. هل تعلم؟ سولار سبيس زارت الإمارات لأول مرة ضمن وفد من شركات التكنولوجيا الخضراء نظمه لوتس وفريقه في غرفة التجارة الأمريكية.
ما الذي يجذب الشركات الأمريكية إلى الإمارات؟ الكفاءات والقيادة. "الكوادر البشرية هي واحدة من أهم استثمارات الإمارات في شعبها"، حسبما قال لوتس، مضيفا أنها "تسهل كثيرا إبرام شراكات في مجال البحث والتطوير أو تأسيس عمليات التصنيع". ويوافقه الرأي ديفيد فيلي، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سولار سبيس، قائلا: "لقد قطعت شركتي شوطا في أقل من عام، وهو ما كان سيستغرق خمس سنوات على الأقل في الولايات المتحدة"، مرجعا النجاح إلى الانفتاح والتقدمية التي تتمتع بها القيادة في الإمارات.
نظرة مستقبلية -
مع تولي الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب قيادة الولايات المتحدة، ما التوقعات المستقبلية للعلاقات الإماراتية الأمريكية؟ يأمل لوتس أن "العلاقات التجارية ستستمر في النمو"، خاصة بالنظر إلى أن ترامب رجل أعمال، على حد قوله.