أصبحت الأولوية القصوى لدى كل بنوك المنطقة تقريبا – بل والعالم – هي التحول الرقمي، خصوصا مع تزايد حرص البنوك المركزية على فرض المتطلبات ومنح الحوافز لتطوير الخدمات المصرفية الرقمية، بل وسعي بعضها لإطلاق عملات رقمية.

لكن قطاع الخدمات المصرفية للشركات كان أبطأ في تحوله الرقمي. إذ إن تعقيدات الخدمات المصرفية للشركات وتمويل التجارة — إلى جانب التحديات المتعلقة بالأمن السيبراني، والبيروقراطية التي تحيط ببعض العمليات المستندية، وغيرها من العقبات — جعلت رحلة الابتكار والرقمنة في هذا القطاع أكثر تحفظا.

إلا أن هذا الوضع بدأ يتغير بسرعة. وبنك المشرق هو واحد من البنوك التي أخذت زمام المبادرة لطرح حلول رقمية للخدمات المصرفية للشركات وحلول تمويل التجارة، وقد نجح عبر خطة طرح تدريجية طموحة في إنشاء واحدة من أكثر المنصات شمولا وتطورا في المنطقة حتى الآن، وهي منصة تتمتع بقدرات مصرفية متعددة ومفتوحة. هذه المنصة، التي تحمل اسم نيو كورب، وتتضمن وحدة لتمويل التجارة والإدارة النقدية، بدأ طرحها في البحرين شهر سبتمبر، ثم توسعت إلى الكويت وقطر خلال الأشهر الماضية. والآن، يخطط البنك لإتاحتها على مستوى العالم، وجعلها أكثر ذكاء باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

في لقاء خاص مع فيكتور بينا (لينكد إن)، رئيس خدمات المعاملات المصرفية العالمية في بنك المشرق، تحدث معنا عن جهود التحول الرقمي للبنك فيما يخص الخدمات المصرفية للشركات، وعن الخدمات المصرفية المفتوحة، والرؤية المستقبلية الأوسع للمنصة خلال السنوات القادمة.

إنتربرايز: كيف تعمل منصة نيو كورب؟ وما الفائدة التي يمكن للشركات أن تحققها من خلالها؟

فيكتور بينا: على صعيد المدفوعات، تتيح المنصة إجراء جميع أنواع المدفوعات الشائعة التي تحتاجها الشركات، مثل دفع الرواتب والمدفوعات الإلكترونية المحلية والدولية وغيرها. ومعظم المنصات الرقمية تقدم مثل هذه الخدمات.

لكن ما يميز هذه المنصة هو سهولة الاستخدام. على سبيل المثال، مجرد إدخال رمز سويفت الخاص بأحد البنوك سيؤدي إلى ملء باقي المعلومات تلقائيا. ربما شاهدت مثل هذه الخاصية على منصات الخدمات المصرفية للأفراد، لكنها نادرا ما تتوفر في المنصات المخصصة للشركات. وقد حرصنا على جلب العديد من تلك الخصائص من عالم الخدمات المصرفية للأفراد إلى هذه المنصة. يمكنك من خلال المنصة حفظ العمليات المفضلة لديك، تماما كما في الخدمات المصرفية للأفراد، أو إنشاء قوالب لاستخدامها مرارا وتكرارا.

ولتوفير المعلومات، أنشأنا لوحة شاملة تعرض أرصدة الحسابات وأهم خمسة حسابات في صفحة واحدة، مع أيقونات مختلفة لإجراء العمليات بسرعة، مثل الموافقة على المدفوعات. وأسفل الصفحة، يمكنك العثور على قوائم المهام. وكل ذلك متاح في صفحة واحدة. الهدف بشكل عام يتمثل في منحك القدرة على إنجاز أكثر من 80% من مهامك بضغطة واحدة.

بدلا من فلسفة التصميم التقليدية التي تتيح الوصول إلى الوظائف في ثلاث نقرات، اتبعنا نهجا يهدف إلى إنجازها بنقرة واحدة فقط، لجعل الأمور أسهل وأسرع.

إنتربرايز: ماذا عن الجانب الخاص بخدمات التجارة؟

فيكتور بينا: هنا مكمن الثورة الحقيقية التي أحدثناها، إذ لا تزال معظم البنوك تعتمد على العمليات اليدوية إلى حد كبير في مجال خدمات التجارة. ما أنجزناه هو رقمنة جميع العمليات تقريبا، وأتمتة الكثير من الأعمال المضنية المرتبطة بها.

على سبيل المثال، إن رغبت في الحصول على خطاب اعتماد، فلدينا مكتبة تحتوي على البنود والشروط القياسية التي يشيع استخدامها في خطابات الاعتماد، مما يتيح للعملاء اختيار ما يناسبهم بسهولة. وحتى إذا كنت بحاجة إلى إرفاق مستندات إضافية مثل وثائق التأمين، إذا كانت لديك بوليصة تأمين مثلا لدينا في البنك، فإن نظامنا يحتوي على هذه المستندات بالفعل، ويمكنك ببساطة نسخها ولصقها. كما أضفنا عمليات حسابية جاهزة لتقدير التكاليف قبل إرسال الطلب.

أما إذا كنت بحاجة لإرسال نسخة مسودة إلى المورد، فإن العملية المعتادة لدى معظم البنوك تتطلب إرسال البيانات، ثم يعد البنك نسخة مسودة بصيغة سويفت ويرسلها إلى المورد، وهو ما قد يستغرق يومين. لكن عبر منصتنا، ينشى العميل النسخة المسودة ويرسلها فورا إلى المورد.

حتى في تسوية الاعتمادات المستندية، تمكنا من رقمنة العملية بالكامل، لتسهيل تحويلها تلقائيا إلى قرض بوصل أمانة أو قرض استيراد. كما نوفر خيار تسوية القروض من حسابات متعددة عبر خاصية التسوية المجزأة، ما يعكس نجاحنا في أتمتة ورقمنة كل خطوات العملية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن مسح المستندات المصرفية ضوئيا وتحميلها وإرسالها عبر المنصة بكل سهولة.

وفي حال وجود استفسارات أو نقص في المعلومات، فإن جميع التعاملات تتم مباشرة عبر المنصة بين فريق العمليات لدينا والعميل، وهو تغيير جذري للغاية مقارنة بأسلوب عمل معظم البنوك.

إنتربرايز: أطلقتم حزمة خدمات نيو كورب الكاملة في البحرين قبل ثلاثة أشهر، كيف كان استقبالها هناك؟

فيكتور بينا: نظرا لسهولة استخدام المنصة، كان الاستقبال رائعا. العديد من العملاء تواصلوا معنا مباشرة بعد الإطلاق وطلبوا إجراء اجتماعات وعروض توضيحية لمناقشة المزيد من الجوانب التي يمكننا العمل عليها معا.

الموقع الإلكتروني ليس إلا إحدى الوسائل المتعددة للوصول إلى هذه البنية التحتية الرقمية التي أنشأناها لإدارة خدمات تمويل التجارة والسيولة النقدية للشركات، فنحن أيضا على وشك إطلاق تطبيق هاتف محمول قريبا. المنصة أيضا متاحة عبر الاتصال المباشر بين الأنظمة (host-to-host)، وباستخدام واجهات برمجة التطبيقات (APIs) التي تدعم توفير المعلومات وتنفيذ العمليات فورا.

بعد مناقشة إمكانيات واجهات برمجة التطبيقات مع العملاء، نال الأمر اهتمام الكثير منهم واستفسروا عن إمكانية استخدامها. السوق في البحرين متقدم جدا، لذا لم يكن اهتمام العملاء منصبا فقط على المنصة والمعلومات الرائعة التي توفرها، بل أيضا على الاتصال المباشر الذي تتيحه.

بعض العملاء كانوا مهتمين بمعرفة إذا كانوا يستطيعون استخدام واجهات برمجة التطبيقات، ليس فقط لإجراء أعمالهم مع بنك المشرق، بل وأيضا لتجميع المعلومات من بنوك أخرى، لا سيما بعد أن أعجبتهم لوحات المعلومات التي أنشأناها. ولذا لا يقتصر الأمر على أنهم وجدوا المنصة مفيدة للغاية، بل أنهم رغبوا في توسيع استخدامها لتشمل إدارة عملياتهم مع عدة بنوك أخرى.

إنتربرايز: هل أنتم منفتحون على توفير واجهات برمجة التطبيقات (APIs) لاستخدامها في إدارة حسابات البنوك الأخرى؟ وما هي أنواع واجهات البرمجة المتوفرة حاليا؟

فيكتور بينا: نحن على وشك طرح بوابة واجهة برمجة تطبيقات مطورة تتضمن مجموعة واسعة من الخيارات، مثل المدفوعات الفورية، ومعرفة أرصدة الحسابات، وتلقي إشعارات بالخصم أو الإيداع، بالإضافة إلى واجهات برمجة مخصصة تدعم وظائف محددة. من بين هذه الواجهات، تمكنا من تطوير واجهة تتيح لأنظمة تخطيط الموارد المؤسسية تأسيس حسابات افتراضية لاستخدامها في عمليات التحصيل من حسابات المدينين لدعم التسوية بين الأنظمة. طرحنا هذه الخدمة في الإمارات وندرس إطلاقها في بعض دول الخليج الأخرى.

لدى البحرين إطار عمل للخدمات المصرفية المفتوحة سيصبح متاحا للشركات خلال الربع الأول أو الثاني من عام 2025. ونحن متحمسون للمشاركة في هذا الإطار كي نستغل قدراتنا في واجهات برمجة التطبيقات لتمكين العملاء من الوصول إلى معلومات حساباتهم مع البنوك الأخرى، وربما تنفيذ معاملات على حساباتهم المختلفة عبر منصة المشرق. وبهذا الشكل، يمكن أن يتطور نظام نيو كورب ليصبح أشبه بنظام مبسط لإدارة الخزينة.

إنتربرايز: كم عدد العملاء الذين انضموا إلى النظام حتى الآن؟ وما هو العدد المتوقع بنهاية العام؟

فيكتور بينا: ما أستطيع قوله هو أننا سنضيف الآلاف من العملاء تدريجيا من شبكة عملائنا في الإمارات والخليج. ونتوقع أن نصل إلى حوالي ثلث قاعدة عملائنا بنهاية العام. يتمثل هدفنا في أن نجمع جميع العملاء على المنصة، من يرغبون في إدارة السيولة ومن يرغبون في تمويل التجارة، بحلول منتصف العام المقبل.

إنتربرايز: ما هي خطة الطرح في دول مجلس التعاون الخليجي؟ وما هي محطات المنصة التالية؟

طرحنا مؤخرا خدمات إدارة السيولة على مراحل، بداية من الإمارات ثم البحرين والكويت وقطر ومصر. وبعد ذلك سنطلق خدمات تمويل التجارة، التي أطلقناها بالفعل في البحرين وقطر والكويت مؤخرا. ونخطط لإطلاقها في مصر أوائل العام المقبل، ثم في الإمارات. كما نأمل أن نوفرها في عمان خلال العام القادم.

ونعمل أيضا على توسيع نطاق خدماتنا لتشمل شبكتنا الدولية، بما في ذلك المملكة المتحدة وهونغ كونغ ونيويورك، بهدف جعلها منصة عالمية.

إنتربرايز: هل هناك اختلافات بين تلك الأسواق التي تنوون إطلاق المنصة بها؟ وما هو حجم التوطين المطلوب مع كل سوق؟

فيكتور بينا: بالنسبة لخدمات تمويل التجارة، فإن المستندات والإجراءات المطلوبة ثابتة عالميا إلى حد كبير، لذا لا نجد اختلافات كبيرة في ذلك الأمر.

أما على صعيد خدمات المدفوعات، فهناك أنظمة تسوية مختلفة وأنظمة محلية مخصصة للمدفوعات مثل فواتير الخدمات أو الضرائب والجمارك، لذا علينا الاتصال بهذه الأنظمة مع كل سوق ندخله. لقد أكملنا الاتصال ببعض الأنظمة بالفعل وسنكمل الباقي خلال العام القادم.

ثمة اختلاف كذلك على مستوى الاتصال بالأنظمة المصرفية المفتوحة. ونحن نحاول بناء قاعدة مشتركة — يمكن تشبيهها بالمقابس — التي يمكن توصيلها بسهولة بمختلف أنظمة الخدمات المصرفية المفتوحة.

إنتربرايز: ما هي الخصائص أو الوظائف الإضافية التي تسعون لإضافتها في المستقبل؟

فيكتور بينا: منصة نيو كورب في طريقها لتصبح المنصة الشاملة للخدمات المصرفية المؤسسية للبنوك. نعمل حاليا على تقييم خدمة معاملات الصرف الأجنبي لإضافتها، كما نخطط لإضافة العديد من الخدمات الذاتية للمنصة. أمور كثيرة قد تكون مزعجة للعملاء، مثل تسجيل الكيانات القانونية، واستكمال إجراءات "اعرف عميلك"، وإدارة المستخدمين، وطلب المستندات من البنك، وكل ذلك نسعى لنقله بالكامل إلى المنصة خلال العام المقبل.

كما نجري تجارب كثيرة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، ونتطلع إلى تقديم مساعد ذكي يعتمد على الذكاء الاصطناعي إلى منصة نيو كورب في العام القادم، ليتمكن العملاء من تفويضه لتنفيذ بعض المهام نيابة عنهم.

الشيء الآخر الذي نتطلع إليه في نهاية المطاف هو بناء لوحات تحكم مخصصة بناء على نوع المستخدم. على سبيل المثال، إذا كنت مديرا ماليا، ستحصل على نسخة مخصصة تركز على السيولة والمخاطر المالية. وإذا كنت مختصا في التحصيلات، ستحصل على نسخة تركز عليها، وهكذا.

مع مرور الوقت، سنتعمق أكثر في مجال تحليلات البيانات. إذ نسعى لتقديم البيانات كجزء من خدماتنا، بحيث يتمكن العملاء من الاطلاع على جميع معلومات معاملاتهم، وفرزها، وإعداد التقارير بما يتناسب مع احتياجاتهم. وعلى المدى الطويل، نطمح لتوظيف الذكاء الاصطناعي لمحاكاة سيناريوهات بعينها وتحليل الاتجاهات. لم نصل إلى ذلك بعد لكننا بالتأكيد نطمح إليه في المرحلة القادمة من تطورنا.

مجال آخر سنركز عليه مستقبلا هو استخدام واجهات برمجة التطبيقات (APIs) لتطوير حلول مخصصة للصناعات المختلفة. ثمة طلب متزايد من قطاعات بعينها، لها طرق عمل خاصة، وتتطلب موافقات تنظيمية خاصة. وهي العملية التي غالبا ما تكون ورقية بالكامل حاليا. نهدف إلى ربط هذه الأنظمة مباشرة عبر واجهات برمجة التطبيقات للحصول على هذه الموافقات التنظيمية، وربطها بالمدفوعات، وتنفيذها وفقا لذلك. سيمكننا هذا من التكامل مع الجهات التنظيمية والبنوك وكذلك مزوديها بالأنظمة من الأطراف الأخرى.

العلامات: