نقترب من نهاية عام كان من المتوقع أن يشهد اضطرابات كبيرة في الأسواق — إذ جرت نحو 64 عملية انتخابية في أنحاء العالم، ومن بينها الولايات المتحدة، إلى جانب تصاعد التوترات الجيوسياسية إلى حرب شاملة في المنطقة، والرياح الاقتصادية المعاكسة في آسيا. لكن عكس أغلب التوقعات، استمرت شهية المخاطرة في الأسواق وحافظ المستثمرون على تفاؤلهم، حسبما قال رئيس مجموعة أسواق رأس المال المقترض بالمشرق حسن عروج لإنتربرايز الإمارات.
تحدثنا إلى عروج عن استجابة الأسواق لهذه الرياح المعاكسة على مدار العام، ونظرته المستقبلية لأسعار الفائدة وأثرها على أسواق الديون. وإليكم ملخص الجزء الأول من الحوار:
- الأسواق صمدت في وجه الرياح الجيوسياسية المعاكسة، فيما جاءت الأسواق الخليجية في المقدمة؛
- الإصدارات الخليجية سجلت نموا تجاوز نمو الإصدارات في المناطق الأخرى، ويرجع هذا بالأساس إلى زيادة الاستثمارات في البنية التحتية — وتنامي الحاجة إلى رؤوس الأموال — لدى جهات الإصدار الخليجية؛
- سيتحول التركيز خلال العام المقبل على صعيد الاقتصاد الكلي من الاحتياطي الفيدرالي إلى السياسة المالية في الولايات المتحدة.
ترقبوا الجزء الثاني من الحوار الأسبوع المقبل، حيث نناقش النظرة المستقبلية لإصدارات الديون في المنطقة خلال الربعين المقبلين، والمجالات التي يراهن عليها المشرق، والمزيد.
إنتربرايز: كيف تصف أسواق رأس المال هذا العام؟
حسن عروج: الكلمة التي أصفها بها هي “المثابرة”. لقد واجهت الأسواق العديد من العقبات هذا العام والعام الماضي، من رفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة ضمن واحدة من أشد دورات أسعار الفائدة، إلى السياق الجيوسياسي. وتخوفنا من أن يرتكب الفيدرالي ما نسميه بخطأ السياسة النقدية ويبقي أسعار الفائدة مرتفعة لمدة أطول من اللازم. وشهدنا آثار تجارة الفائدة على الين الياباني في أغسطس، ما سبب موجة عزوف عن المخاطر. لكن هذه الموجة لم تستمر طويلا، إذ تعافت الأسواق بسلاسة واستعادت اتجاهها الإيجابي الذي شهدناه في أغلب الأوقات هذا العام.
السياق الجيوسياسي أسوأ بكثير أيضا من العام الماضي، لكن الأسواق حافظت على قوتها. ونحن نشهد عاما مميزا للغاية لأنه عام الانتخابات في العديد من الاقتصادات الكبرى، ومن بينها الولايات المتحدة.
وعلى صعيد أدوات الدخل الثابت، أظهرت السندات الأمريكية منحنى العائد المقلوب، وهذا أمر غير معتاد وغالبا ما يكون مؤشرا على أن الاقتصاد مقبل على الكساد.
كان على الأسواق أن تتعامل مع هذه التحديات المحتملة، وهو ما حدث. مضت الأسواق في الإقبال على المخاطر، وشهدنا في أسواق سندات الشركات تضييق الفارق في معدلات العائد إلى مستويات قياسية.
إنتربرايز: تحدثنا عن الوضع العالمي — ماذا عن المنطقة؟ هل أظهرت الأسواق أداء مشابها؟
حسن عروج: شهدنا بعض الاختلاف في أسواق المنطقة، وهذه ليست المرة الأولى. ويمكن تحليل أداء الأسواق من زاويتين: الأولى هي الأداء والعائد على الاستثمار، والثانية هي مستوى النشاط.
أسواق الخليج شهدت مستويات نشاط أعلى بكثير — فإذا قارننا الفترة منذ يناير بالفترة نفسها العام الماضي، سنلاحظ زيادة في حجم الإصدارات الخليجية بنسبة 54%، مقارنة بزيادة 39% فقط في الولايات المتحدة و22% في دول غرب أوروبا. ودول الخليج تظهر بوضوح معدلات نمو أعلى، وأكثر النمو يأتي من السعودية حيث تسعى الجهات المصدرة إلى تمويل المشروعات والمبادرات المرتبطة برؤية 2030. ومن حيث أداء الأسواق، تماشى أداء الجهات السيادية والشركات الخليجية بوجه عام مع فروق معدلات العائد الاستثمارية الأمريكية. في حين سجلت الجهات السيادية الأقل في التصنيف مثل سلطنة عمان أداء فاق التوقعات.
لكن بسبب نمو الإصدارات السعودية، شهدنا تراجعا بسيطا في الأداء من حيث فروق العائد. فالمستثمرون على دراية بكثرة المعروض، وهذا حد من تضييق فروق أسعار العائد، مقارنة بأسواق خليجية أخرى حجم الإصدارات فيها أقل من السعودية.
أما في أسواق الأسهم فقد شهدنا اختلافا ملحوظا. فقد كان نشاط الطروحات العامة في أوروبا محدودا للغاية، بينما قادت أسواق الخليج نشاط الطروحات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا بأكملها.
إنتربرايز: قلت إن 2024 كان عاما صعبا شهد توترات وتقلبات جيوسياسية — آخرها الانتخابات الأمريكية وفوز الرئيس دونالد ترامب. ما توقعاتك لرد فعل الأسواق خلال الأسابيع الأخيرة من العام؟
حسن عروج: ستتوقف استجابة الأسواق بالأساس على سياسة الإنفاق المالي التي ستنتهجها الإدارة الأمريكية المقبلة وأثرها على عائد سندات الخزانة الأمريكية، ففي نهاية المطاف، ذلك هو ما سيؤثر على حجم الاقتراض من جانب الولايات المتحدة. وهذا يؤثر علينا في الأسواق الناشئة تأثيرا هائلا. فلدينا الكثير من الجهات السيادية في الأسواق الناشئة — ليس فقط الأسواق الخليجية، لأن الخليج أصبح سوقا متقدما بدرجة كبيرة — مثل مصر، أو بعض الجهات السيادية في دول أفريقيا جنوب الصحراء أو وسط آسيا، وهذه الجهات ستتأثر بشدة بمعدلات الفائدة الأساسية.
وليس التسعير هو العامل الوحيد؛ بل الوصول إلى الأسواق أيضا. تحدثنا عن صمود الأسواق وقوتها منذ بداية العام، وهذا يعني أيضا أن بعض المقترضين في الأسواق الناشئة أصبحت الأسواق مفتوحة أمامهم الآن بعد طول انتظار — انتظار دام 3 أعوام في حالة أسواق أفريقيا على سبيل المثال.
الأسواق وضعت في حساباتها بقدر كبير أسعار الفائدة الجديدة والمستقبلية بالفعل. في الأسابيع الستة الأخيرة، معدلات العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات أعلى بواقع 60 نقطة أساس أو نحو ذلك. وأرى أننا نواجه خطر ارتفاع كبير في معدلات العائد مستقبلا، ويمكن القول إن الاتجاه الإيجابي الذي شهدناه منذ بداية العام مهدد مع اقتراب نهاية العام وبداية الربع الأول من 2025.
وتتوقع الأسواق أيضا خفضا جديدا لأسعار الفائدة في ديسمبر، وخفضين آخرين في النصف الأول من العام المقبل، مع أن الفيدرالي سيعقد 4 اجتماعات خلال النصف الأول. وهذا يعني أن الأسواق تتوقع تباطؤ وتيرة خفض أسعار الفائدة خلال العام المقبل. وأرى أنه من المستبعد أن تأخذ الأمور مسارا مختلفا كثيرا عن هذه التوقعات.
ما تغير منذ اجتماع سبتمبر هو أن الأسواق في ذلك الحين كانت تضع في حساباتها اتجاه الفيدرالي إلى خفض أسعار الفائدة بوتيرة عالية، لكن ما يتسلل إليها الآن هو مخاوف من توقف الفيدرالي عن خفض أسعار الفائدة، ومدة هذا التوقف. هل سيتوقف الفيدرالي هذا العام؟ لست واثقا، لكن يبدو أن هذا التوقف قادم في مرحلة ما. وقد صدرت بيانات الوظائف غير الزراعية الأسبوع الماضي، وأظهرت الكثير من الضعف.
إنتربرايز: لنفترض أن أسعار الفائدة ستوافق توقعاتك. ما أثر ذلك على إصدارات الديون في المنطقة؟
حسن عروج: الأسواق تتطلع إلى الأمام دائما — كانت الأسواق تتوقع خفضا كبيرا في أسعار الفائدة بوتيرة متسارعة منذ شهرين فقط، وقد تراجعت عن هذه التوقعات بدرجة كبيرة. نزلت الأسواق إلى أرض الواقع وأدركت أن الفيدرالي لن يخفض أسعار الفائدة بالوتيرة التي كنا نظنها في البداية. وأرى أن الخطر الآن لا يكمن في ما سيفعله الفيدرالي في نوفمبر وديسمبر — بل في ما سيفعله إجمالا خلال العام المقبل على سبيل المثال.
كما أن الكرة لم تعد في ملعب الفيدرالي بدرجة كبيرة. أرى أن الفيدرالي سعى إلى كبح التضخم وحقق نجاحا كبيرا في ذلك. والآن تحولت الدفة إلى السياسات المالية.