كان هذا العام عاما حافلا لبنك المشرق، دشن فيه البنك المشرق نيو — تطبيق الخدمات المصرفية الرقمية — في مصر، ويتجهز لتدشينه في باكستان أيضا بالإضافة إلى إتاحة الخدمات المصرفية الإسلامية في البلد الآسيوي، وشارك في أكبر صفقةتمويل مستدام في المنطقة حتى الآن، كما أطلق منصة نيو كورب في الكويت، وسجل صافي أرباحه نموا بنسبة 14% على أساس سنوي خلال النصف الأول من هذا العام أيضا، رغم تطبيق ضريبة الشركات والصعوبات التي تواجهها بيئة الاقتصاد الكلي في المنطقة والعالم.
كما أصدر بنك المشرق سندات إضافية بقيمة 500 مليون دولار من المستوى الأول — وهو الإصدار الثاني من نوعه — والذي تضمن أقل معدل عائد لسندات من هذه الفئة من مؤسسة مالية إماراتية في السنوات الثلاث الماضية، وشهد إقبالا كثيفا من المستثمرين، فقد تجاوزت تغطية الإصدار 4.4 مرة.
ما هي سندات المستوى الأول؟ هي أدوات رأس مال غير مضمونة تصدرها البنوك لتقوية قاعدة رأس مالها.
يقود عمليات جمع رأس المال وتوجيه النمو رئيس الشؤون المالية للمجموعة نورمان تامباخ (لينكد إن)، الذي تولى المنصب منذ ما يزيد عن العام. انضم تامباخ إلى المشرق قادما من " أي إن جي " الألمانية، حيث عمل رئيسا للشؤون المالية وعضوا في مجلس الإدارة عام 2019، بعد انضمامه إلى الشركة في 2013، بعد عقدين تقريبا من العمل في "كيه بي إم جي" في أوروبا.
انضم تامباخ إلى المشرق في الوقت الذي تزدهر فيه خطط البنك للنمو والتحول الرقمي — وكعادة قادة المشرق الذين نلتقي بهم، يوافق توجه تامباخ رؤية المشرق للنمو وشغفه بالتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والبقاء في الطليعة.
إذن، ماذا وراء نجاح البنك في إصدار سندات من المستوى الأول بأفضل معدل عائد منذ سنوات؟ تطلب الأمر مشروعا متماسكا، وأساسات قوية، والاستمرارية في جمع رأس المال، واختيار المستثمرين المناسبين — مستثمرين لديهم شهية للاستثمار في بنك له مشروع وملف مخاطر يليق ببنك ريادي إماراتي.
تحدثنا إلى نورمان تامباخ عن كل هذا وأكثر، لا سيما ونحن على أعتاب بيئة جديدة لأسعار الفائدة مع بداية الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تخفيف السياسة النقدية، إلى جانب زيادة الأسعار وتفاقم التوترات الإقليمية. وإليكم مقتطفات محررة من الحوار:
إنتربرايز: أخبرنا عن الإصدار من المستوى الأول. كيف نجحتم في الحصول على أقل معدل عائد؟
نورمان: كانت سيرة بنك المشرق خلال العامين الماضيين طبية للغاية، لذا لدينا قصة رائعة نرويها. ذهبت أنا ورئيس الخزينة وأسواق رأس المال حماد إلى لندن، وقضينا يومين في تقديم عروض وزيارات للمستثمرين. ولا شك أن مفتاح النجاح في هذا النوع من الاجتماعات هو القدرة على بيع قصة مقنعة.
السؤال الذي يريد المستثمرون الإجابة عنه هو "هل هذا العرض مجرد تسويق جيد؟ أم إنه يستند إلى أساس قوي حقا؟". يتعلق الأمر كذلك ببناء رابط شخصي، لذلك حاولنا بناء صلات قوية. يمكن للإدارة أن تحكي قصة، لكن المستثمر لن يثق في هذه القصة إذا لم يثق في الفريق الإداري الذي يراه أمامه.
في حالة الإصدار من المستوى الأول، يكون السؤال هو "لماذا تريدون المال؟". وإذا كانت المسألة تحقيق عائدات فقط أو شيئا من هذا القبيل، فهذا لن يكفي — إذ يرغب المستثمرون في مشروع جيد، ويريدون معرفة إذا ما كانت لديك استراتيجية سليمة، ومدى التزامك بالنمو، وخطتك وقدرتك على استدعاء السندات في تاريخ الاستدعاء الأول بموجب التعاقد.
نحن لدينا قصة — وقصتنا جيدة. ولدينا خبرة في السوق أيضا. وسبق لنا إصدار سندات من المستوى الأول والثاني، وربما نستبدلها ونستدعيها في موعد الطلب، لذا يتمتع بنك المشرق بالحضور المستمر في أسواق رأس المال والديون العالمية.
كان علينا التأكد أيضا من أننا نستهدف المستثمرين المناسبين. وقد حظينا باهتمام كبير من مستثمرين رأوا وتمكنوا من فهم وتقييم المخاطر لبنك في الإمارات ومنطقة الخليج بصفة عامة، لا سيما بالنظر إلى قصة نمو البنك. حددنا المستثمرين المحترفين في المنطقة والعالم ممن لديهم شهية للاستثمار في المنطقة ويدركون مخاطر ومنافع هذا الاستثمار. كما أن رؤية حكومة الإمارات طويلة المدى للقطاع المصرفي، إلى جانب جهة تنظيمية قوية متمثلة في المصرف المركزي، وازدهار قطاع الخدمات المالية في المنطقة، كلها كرست بيئة صحية لإصدارات السندات.
تولي السلطات التنظيمية اهتماما كبيرا بضمان التوافق بين مصالح البنوك والمستثمرين. تفهم الحكومة والسلطات التنظيمية آليات أسواق الدين وأسواق رأس المال العالمية، وآخر ما يريدونه هو تصعيب إصدار المؤسسات المالية أدوات الدين أو رأس المال من المستوى الأول أو الثاني في المستقبل.
عليك فهم ديناميكيات المنطقة حتى تستطيع وضع تقييم واقعي لمخاطر هذه الأدوات من منظور المستثمر. وعند وضع تقييم سليم، مع الوضع في الاعتبار ديناميكيات الاقتصاد في المنطقة، والقوة المالية لبنك المشرق، يتضح أن احتمالات تخلفنا عن السداد — أو عدم استدعائنا للسندات بعد 5 سنوات — هي في رأيي ضئيلة جدا.
إنتربرايز: لماذا اعتبرتم هذا الوقت المناسب لدخول السوق بمثل هذا الإصدار، بالنسبة لوضع بنك المشرق ومن ناحية التسعير أيضا؟
نورمان: نريد أن يكون لدينا أفضل هيكل رأس مال، ويعني هذا أن يكون لك رأس مال يجمع بين المستوى الأول والمستوى الثاني، بحصة مناسبة لكل منهما. علينا أن ندرك أيضا أنه حين يكون البنك في مأزق أو لا يكون الوضع الاقتصادي في أفضل حالاته، فإن هذا ليس أفضل وقت لإصدار أدوات من المستوى الأول. فالوقت المناسب هو عندما تبدو الأمور وردية، والاحتياج إلى رأس المال ليس شديدا بفضل مركزك المالي القوي، لكنك تريد رأس المال الجديد ليساعدك في تمويل النمو المستقبلي.
عندما سألني المستثمرون "لماذا الآن؟"، أجبت بأن حصة أدوات المستوى الأول منخفضة في مزيج رأس المال الإجمالي لدينا، مقارنة بأقراننا. وبهذا الإصدار الجديد، أصبحت عناصر رأس المال عندنا على قدم المساواة مع نظرائنا في المنطقة.
نريد أن ندخل السوق بانتظام، وعلينا أن نستبدل رأس مالنا باستمرار — فهذه استراتيجيتنا. ولدينا هدف لرأس المال يتجاوز بكثير المتطلبات التنظيمية، كما نتوقع تحقيق أرباح قوية في المستقبل، وكانت نسبة توزيعات الأرباح على مدار الأعوام الماضية 50% من أرباحنا تقريبا، ولكي يستمر هذا النمو، نضع خطة لرأس المال تضمن توافره على مدار العامين المقبلين.
ومن الواضح أن التوقيت كان مناسبا للمستثمرين أيضا — فقد تحدد معدل عائد الإصدار عند مستوى أعلى بقليل من 7%، وهذا معدل عائد جذاب للغاية مقارنة بالمخاطر التي يتحملونها، لا سيما أن السوق ينتظر تخفيضين جديدين لأسعار الفائدة بمعدل 25 نقطة أساس، أحدهما قبل نهاية العام، والآخر خلال العام المقبل، بالإضافة إلى أربعة تخفيضات مماثلة خلال العام المقبل. لذا قد يصل الخفض الإجمالي لأسعار الفائدة إلى 200 نقطة أساس إذا احتسبنا الخفض بمقدار نصف نقطة مئوية في سبتمبر الماضي.
وفي منطقتنا، نشهد معدلات ممتازة للنمو الاقتصادي. نجد هنا في الإمارات معدلات نمو بنسبة 4% وقد تصل إلى 5% خلال العامين المقبلين، وهذا له علاقة كبيرة بالبلد نفسه ومكانته العالمية. فإلى الشرق نجد الهند، والكثير من الاقتصاديين يتوقعون أن العقد الحالي هو "عقد الهند". وإلى الغرب، نجد السعودية، التي باتت تضخ استثمارات ضخمة داخل المملكة، بدلا من الاستثمار خارج المنطقة فقط. ونحن بين هذين الجارين، لذا فإن احتمالات أن نشهد معدلات نمو جيدة في المنطقة في السنوات المقبلة جيدة للغاية، وهذا ليس الحال في بقاع كثيرة من العالم.
إنتربرايز: دعنا ننتقل إلى توقعاتك لمناخ الأعمال حتى نهاية العام، مع الأخذ بالاعتبار السياق العام لخفض أسعار الفائدة.
نورمان: لخفض أسعار الفائدة تأثير على أغلب البنوك. ومن المتوقع أن يكون التأثير محدودا ومقتصرا على الربع الأخير من العام. لكن في العام المقبل والذي يليه سنرى آثارا أكبر على أرباح الفوائد. لكني أتوقع أن تحافظ البنوك على ربحيتها، رغم انخفاض أرباح الفوائد عن مستوياتها الضخمة سابقا.
نخطط للتركيز على أمرين لموازنة هذا التأثير، وهما النمو المربح لودائع العملاء وأنشطة الإقراض — فبنمو حجم الأعمال، يمكنك تعويض الخسارة (جزئيا على الأقل) في دخل الفوائد الناتج عن تقليص هامش صافي الفائدة - والتركيز على زيادة دخلنا غير المرتبط بالفائدة لتقليل تأثير التقلب العام في أسعار السوق على صافي الأرباح.
كما يؤثر عاملان مهمان على ربحية البنك، وهما تكاليف المخاطر والتكاليف التشغيلية. وتكاليف المخاطر لإقراض العملاء في المنطقة منخفضة نسبيا على البنوك. ونحن ما زلنا في بيئة اقتصادية جيدة، ولا نرى حتى الآن أي مؤشرات واضحة على تغير ذلك في المستقبل القريب.
العامل الثاني المهم هو التحكم في التكاليف التشغيلية، مع إتاحة المجال للاستثمارات. وبنك المشرق من البنوك التي لها تاريخ من ترشيد التكاليف، فقد وظفنا نحو 50% من موظفينا في الدول منخفضة الأجور، وسنواصل الموازنة بين الدول التي نود أن نزيد عدد موظفينا فيها للحفاظ على انخفاض تكاليفنا التشغيلية في المستقبل.
ونستثمر في مساحة ثالثة، وهي الرقمنة والاستفادة من الذكاء الاصطناعي التوليدي في كافة المجالات المصرفية، ومن بينها التمويل. ونضخ الكثير من الاستثمارات لضمان التحول الرقمي الكامل وقابلية التطوير لعملياتنا الداخلية. ونريدها أن تتوافق بالكامل مع واجهاتنا الرقمية الكبرى، مثل تطبيق نيو المشرق.
نتطلع للانتهاء بحلول نهاية العام من إثبات مفهوم يتيح الأتمتة الكاملة لعملية إعداد التقارير الإدارية. وهذا يتضمن إعداد تقارير سهلة القراءة، واستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحليل المستجدات وصياغة التعليقات. ونعرف أن هذا ممكن بالفعل من الناحية الفنية، وإذا نجح إثبات المفهوم، نريد توسيع نطاقه ليشمل كافة التقارير الإدارية الفصلية. ومن ثم سيجري الخبراء الماليون المراجعات النهائية فقط، ما سيوفر لنا الكثير من الوقت الذي سنستغله لتقديم المزيد من القيمة المضافة لأصحاب المصلحة.