توماس كوروفيلا، الشريك الإداري في آرثر دي ليتل الشرق الأوسط والهند: روتيني الصباحي فقرة أسبوعية، نتحاور خلالها مع أحد الأفراد البارزين في مجتمعنا لنعرف كيف يبدأون يومهم، كما نطرح عليهم بعض الأسئلة المتعلقة بأعمالهم. ويتحدث إلينا هذا الأسبوع توماس كوروفيلا (لينكد إن)، الشريك الإداري في آرثر دي ليتل الشرق الأوسط والهند. وإليكم مقتطفات محررة من الحوار:

أعمل في شركة آرثر دي ليتل منذ 26 عاما، عملت خلالها في العديد من البلدان؛ بدأت في سنغافورة، ثم انتقلت إلى ماليزيا، وبعدها أستراليا والولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وكرواتيا والهند، وحاليا في الشرق الأوسط. خدمت لفترة وجيزة في القوات الجوية الهندية، ثم عملت مع شركة لارسن آند توبرو، وهي شركة هندسية ضخمة في الهند، وأخيرا انتقلت إلى مجال الاستشارات. وفي الحقيقة فإن شغفي بهذا المجال لم يفتر حتى بعد مرور 26 عاما.

أدرس كذلك في ثلاث كليات لبرامج ماجستير إدارة الأعمال في الهند، إذ أنني شغوف أيضا بالتدريس. ربما أكون ورثت هذا الشغف، فقد كان والداي معلمين لمدة 30 عاما في مدينة لاغوس بنيجيريا حيث ولدت، قبل أن أنتقل إلى الهند لدراسة الهندسة، ثم إلى أستراليا للحصول على ماجستير إدارة الأعمال. وأحب التفاعل مع الطلاب، كما أنني حريص على رد الجميل للمجتمع لعلمي بضرورة ذلك. وبالإضافة إلى هذا فأنا أحب التعلم من الآخرين ومشاركة ما تعلمته.

آرثر دي ليتل هي شركة الاستشارات الأولى من نوعها في العالم، إذ تأسست في عام 1886 على يد آرثر ديهون ليتل، وهو كيميائي تخرج في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. ربما يجهل الكثيرون أن آرثر دي ليتل كانت مسؤولة عن العديد من المشروعات الرائدة، مثل إنشاء مختبر البحث والتطوير لشركة جنرال موتورز عام 1911، والمساعدة في وصول ناسا إلى القمر عام 1969. كما أنشأنا منظمة الأوبك في الشرق الأوسط عام 1966.

ساعدت الشركة أيضا في تطوير اللوائح التي تطبقها العديد من دول الشرق الأوسط في مجالات الاتصالات والنقل والطاقة والإعلام والرعاية الصحية خلال ما مضى من 10-15 عاما. وكان لنا شرف دعم الحكومات في المنطقة، خاصة في دول مجلس التعاون الخليجي، في تطوير أجندات وطنية متعددة القطاعات، في إطار ما يعرف عموما ببرامج الرؤية.

في الماضي، كان الاستشاريون يشكلون رؤاهم بناء على المعرفة الضخمة التي يمتلكونها مقارنة بغيرهم، لكن المعرفة الآن أصبحت متاحة للجميع؛ ولذلك تحول دور الاستشاري أكثر فأكثر نحو التفكير النقدي والتحليل لفهم تلك الرؤى.

وبات على الاستشاريين الآن التحلي بالإبداع، فهم بحاجة إلى أن يكونوا قادرين على معالجة كميات مهولة من المعلومات والرؤى، والخروج منها بتوصيات استراتيجية مدعومة بالبيانات والحجج الموثوقة.

وأصبح الاستشاريون أيضا بحاجة إلى موازنة مسألة أخرى، وهي إضافة لمستهم الإنسانية وهم يتناولون الأجندات أو السياسات الداخلية غير المتسقة. فهم يتدخلون ليس فقط للمساعدة في معالجة المشاكل، لكن أيضا للمواءمة بين موظفي المؤسسات المختلفين في وجهات النظر، تحت لواء هدف مشترك يحقق مصالح هذه المؤسسات، سواء كانت كيانات حكومية أو شركات خاصة.

وبالنسبة لعملية جمع وتحليل المعلومات وتجهيز العروض التقديمية، فإنها كانت تمثل حوالي 25-30% من عمل المستشارين في الماضي. لكن الذكاء الاصطناعي بات قادرا على إنجازها بالكامل تقريبا. الجانب المشرق في ذلك أنه سيتيح للاستشاريين التركيز على الأنشطة ذات القيمة المضافة. وهكذا، فإذا كانوا في الماضي يقضون 70% من وقتهم يبتكرون حلولا إبداعية، ستصبح تلك النسبة 100%، ما يزيد من القيمة المضافة للعملاء.

تتكون وظيفتي من شقين أساسيين: العمل مع العملاء والعمل مع فريق تنفيذ المشروعات. بالنسبة للعملاء، فنحن نمدهم بالخبرات إما من داخل الشركة، أو من خارجها عبر شبكة الخبراء العالميين الخاصة بنا. هذا هو ما يميز آرثر دي ليتل، إذ لدينا ما نسميه بمفهوم الاستشارات المفتوحة، وهو نموذج نطبقه من خلال شبكتنا أو منصتنا التي تضم 6 ملايين خبير يمكننا التواصل معهم. والهدف هو تزويد العميل بأفضل الخبراء في العالم، وليس فقط في شركتنا.

لا يمكن لشركة استشارات واحدة أن تحيط علما بكل شيء، وهنا يأتي دور الاستعانة بخبرات خارجية. وبفضل هذا نشتهر بأننا نمد العملاء بتوصيات عملية قابلة للتنفيذ، بدلا من تزويدهم بتوصيات نظرية أو بما يوافق هواهم.

وعلى نفس القدر من الأهمية يأتي الشق الثاني، ألا هو توظيف وتطوير الفريق لتقديم خدمة بهذه الجودة. وأحب دوما أن أنخرط في العمل بنفسي، فأقضي الكثير من الوقت مع فريق العمل وفي توجيهه، سواء كان أفراده يتعاملون مع العملاء أم يجهزون المقترحات. فلا بد من أن تبقى مطلعا لتتمكن من مساعدة الآخرين بفعالية، وهذا سيساعدك بدوره على مواصلة التعلم.

عندما توليت هذا الدور القيادي، كنت قلقا بعض الشيء من أنني قد أبتعد عن أنشطة العمل اليومية. لذلك أحرص على قضاء أكبر وقت ممكن مع الفريق. كما أنني أتعلم الكثير من موظفينا الشباب حديثي التخرج، وإن ظنوا أنهم هم من يتعلمون مني.

كل صباح، أحب أن أتمشى وسط الطبيعة. لقد أدركت مؤخرا قوة الشفاء الذاتي الكامنة في الطبيعة، وكيف يمكنها مساعدتنا في تشكيل وتوجيه حياتنا. بعدها أختار مكانا مناسبا وأمارس اليوغا لمدة 30 دقيقة. ممارسة اليوغا في مكان مناسب وسط الطبيعة تساعدك على الإنصات إلى ذاتك الداخلية، وهو ما يجعلك أكثر وعيا بروحك، وينعش تفكيرك، ويجعلك أكثر إيجابية.

أحاول أيضا قضاء الوقت مع مجتمع الصيادين في قريتي بولاية كيرالا. ففي الولاية مجتمع كبير من الصيادين، وأبذل قصارى جهدي لمساعدتهم بأي معارف أو مهارات امتلكها.

ثمة شيء ثابت في يومي، ألا وهو زوجتي. طبيعة عملي كاستشاري تقتضي سفري كثيرا، لكنني دائما ما أجد وقتا أقضيه معها. وكل صباح، أهاتفها لما لا يقل عن نصف ساعة أو ساعة، وأكثر من ذلك في العطلات، وهو ما يحافظ على صحتي ويبقيني متوازنا. وإن لم أفعل فإنني أشعر بأن شيئا ما ينقصني.

قد يظن الجميع لأسباب مفهومة أن لدي فريق عمل ضخم يساعدني، لكنني أخطط يومي وجدول أعمالي بنفسي. يجعلني هذا أتحلى بالمرونة طوال الوقت، لأن الظروف قد تتغير حسب الاجتماعات واللقاءات، ويحافظ ذلك أيضا على لمستي الشخصية حين أرتب الاجتماعات مباشرة مع العملاء والزملاء.

وأنا شخص يركز على النتائج، وليس المهام. لذا أيا كان ما أفعله، فأنا دائما ما أقيم النتائج المحتملة. والميزة في ذلك أنني لا أندم على أي شيء فعلته، إذ دائما ما تكون لدي توقعات واضحة عن نتائجه.

أود حقا فعل شيء يمكنني من خلاله المساهمة في المجتمع، باستخدام الخبرة التي اكتسبتها في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والسلوك البشري، إضافة إلى العلاقات والثقة التي بنيتها. والفكرة التي لدي ربما تبدو عادية، لكنها غير موجودة في العالم كله؛ لا توجد منظمة خيرية جميع أنشطتها شفافة ومعروفة للجميع، لذا أرغب في إنشاء منظمة خيرية قائمة على الشفافية والثقة، لأنني أعرف الكثير من الناس الذين يرغبون في التبرع، لكنهم لا يثقون في المنظومة.

الشغف هو السر وراء تحقيق التوازن بين العمل والحياة. فإن كانت وظيفتك هي شغفك ستظل مع ذلك تحتاج إلى الترفيه والاسترخاء، لكنك لن تشعر بالضيق أثناء العمل. والحديث عن التوازن بين العمل والحياة يشي بأنك لا تحب عملك، وبالتالي تحتاج إلى الموازنة، إلا أن هذا لن يحدث في حال كنت شغوفا بما تعمل.

ولأسترخي، أحيانا ما أقضي ساعة كاملة دون فعل أي شيء. كما أنني أستمع إلى الموسيقى وأقرأ. أقرأ حاليا كتاب يوفال نوح هراري الجديد "21 درسا من القرن الحادي والعشرين". يا له من كتاب مثير للجدل، إذ يتحدث عن اعتقادنا بأننا سنسيطر على البيئة. أؤمن بالطبيعة، ولا أعتقد أننا يمكن أن نسيطر عليها، وهو ما يراه هراري أيضا، لكن كتابه يقول إن البشر يعتقدون أنهم قادرون على ذلك.

نصيحة والدي لي كانت ألا أكون طموحا، بل شغوفا. كان هذا عندما كنت أدرس لامتحان القبول في تخصص الهندسة، الذي يعد تنافسيا للغاية في الهند، وكان يلاحظ أنني قلق للغاية. الفكرة في حالة الشغف أنه لا بأس من ارتكاب الأخطاء، لأن بإمكانك أن تتعلم منها. لكن الطموح يخيفك من أخطائك ومن عجزك عن إحراز التقدم. واستغرق الأمر مني الكثير من الوقت حتى أدركت هذا الاختلاف حقا.