يشهد قطاع تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة نقلة نوعية. فقد زاد الإقبال على استخدام البيانات البديلة بدلًا من الطرق التقليدية التي كانت في الأغلب لا تركز على الأداء المالي المميز للمشروعات الصغيرة. ويبشر هذا التحول بتلبية الاحتياجات الفريدة من نوعها للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بشكل أكثر فعالية، وتجاوز الممارسات القديمة التي أصبحت غير مستخدمة مع مرور الوقت نظرًا لعدم قدرتها على مواكبة التطورات لتستوعب الإمكانات الحقيقية لتلك المشروعات.
لم تعد القوائم المالية بشكلها التقليدي قادرة على التكيف مع المتطلبات الجديدة. على عكس المؤسسات العملاقة التي يمكنها الاستفادة من خدمات كبرى شركات التدقيق، فلا تخضع حسابات العديد من المشروعات الصغيرة والمتوسطة للتدقيق، أو قد تعتمد في بعض الأحيان على مدققي حسابات محليين قد لا تتماشى تقاريرهم مع المعايير الدولية للتدقيق والمراجعة. وبالتالي، يمكن أن يؤدي الاعتماد على القوائم المالية التقليدية إلى تكوين صورة غير مكتملة وغير واقعية عن الوضع المالي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وللتصدي لهذه التحديات، لجأ المشرق إلى البيانات البديلة. فتقدم المشروعات الصغيرة والمتوسطة كشوف حساباتها البنكية لآخر ستة أشهر، ليقوم بعد ذلك المحرك التحليلي بمعالجة البيانات وتحليلها، من خلال جمع البيانات من حسابات متعددة مما يثمر عن ملخص تفصيلي مكوَّن من 20 سطرًا يشمل رؤى متعمقة تفوق بيانات الأرباح والخسائر التقليدية. فيكشف الملخص التفصيلي عن معلومات شاملة ومتكاملة حول معدلات دوران رأس المال، وطبيعة العلاقة بين المشترين والمُورّدين، ومدى انتظام عمليات الدفع، بالإضافة إلى نسبة الشيكات المرتجعة.
يمثل هذا التحول انطلاقة جديدة بعيدًا عن الممارسات التقليدية. فمن خلال تحليل بيانات المعاملات، يمكن للبنوك فهم طبيعة العمليات التشغيلية والأداء المالي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة. ومن جانب آخر، تعزز هذه الطريقة دقة التقييم الائتماني وتزيد من إمكانية حصول تلك المشروعات على التمويل، في حين قد يتم رفض تمويلها في حال اتباع الممارسات التقليدية نظرًا لعدم اكتفاء البيانات المالية.
من ناحية أخرى، أنظمة المحاسبة السحابية تُحدِث ثورة في مجال التمويل. في ظل اعتماد المزيد من الشركات الناشئة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة على الحلول السحابية، يمكن للبنوك الوصول في الوقت الفعلي إلى بيانات مالية شاملة. تخيل عالماً حيث يتم اتخاذ قرارات التمويل استنادًا إلى الوصول المباشر إلى الأنظمة المحاسبية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، مثل برنامج زيرو Xero. بهذه الطريقة يمكن للبنوك أن تراجع بشكل فوري كشوف الرواتب والمدفوعات والحسابات مستحقة الدفع وغيرها من المقاييس الهامة والحاسمة، مما يسهل اتخاذ قرارات تمويلية سريعة وأكثر استنارة.
تمتد فائدة البيانات البديلة لتشمل ما هو أكثر من المقاييس المالية التقليدية. على سبيل المثال، توفر البيانات التي يتم الحصول عليها من المتاجر الإلكترونية مثل موقع نون.كوم رؤى ذات قيمة حول مبيعات المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتقييمات العملاء وآرائهم ونسبة المرتجعات والمخزون. ومن خلال هذه البيانات المُفصّلة، يمكن للبنوك أن تقيم المشروعات الصغيرة والمتوسطة بشكل أكثر دقة، مما يقلل من مخاطر التمويل ويعزز نظامًا ماليًا أكثر شمولًا.
عمليات التقييم التقليدية أصبحت بالية. فالبنوك التي ستستمر في إجراء عمليات التقييم التقليدية ستجد مشقة عندما ترغب في توسيع نطاق تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة. ومن خلال اللجوء إلى البيانات البديلة، يمكن للبنوك التخفيف من مخاطر الائتمان وإتاحة فرص نمو جديدة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة. ويمثل هذا التحول محطة تاريخية في تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، حيث يتلاقى الإبداع والتطور التكنولوجي مما يساهم في إعادة تعريف تقييم الجدارة الائتمانية وتوسيع نطاق الشمول المالي.
وبينما تقود مؤسسات مصرفية كبرى مثل المشرق استراتيجية التحول، يستعد القطاع لنقلة نوعية من شأنها أن تجعل عملية التمويل أكثر سهولة ودقة وإنصافًا للمشروعات الصغيرة والمتوسطة في جميع أنحاء العالم.
راجيف تشاليسغاونكار، رئيس الخدمات المصرفية للشركات ومنصة NEOBIZ في المشرق.