تداول وهيئة السوق المالية تدفعان السوق السعودي للريادة عالميا: على مدار السنوات العديدة الماضية، “شهدت أسواق المال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحولا كبيرا — من كيانات صغيرة محلية إلى مراكز عالمية كبرى أصبحت مكونا متناميا لمؤشر إم إس سي أي للأسواق الناشئة”، حسبما قال الرئيس التنفيذي لـ “إي إف جي القابضة” كريم عوض، خلال مؤتمرها الاستثماري السنوي الذي انعقد في لندن في وقت سابق من هذا الأسبوع. وأشار عوض إلى أن هذا التحول كان أكثر وضوحا في السوقين السعودي والإماراتي اللذين “أظهرا صلابة كبيرة حتى في خضم الاضطرابات العالمية والإقليمية، مع تدفق الطروحات العامة التي تعد من بين الأكثر نشاطا على مستوى العالم مؤخرا”.
أسواق المال السعودية بالأخص شهدت نموا ملحوظا بدعم من استراتيجية النمو والتنظيم التي تهدف إلى الوصول بالمملكة إلى الريادة العالمية، حسبما قال الرئيس التنفيذي لسوق الأسهم السعودية تداول، محمد الرميح، وعضو مجلس إدارة هيئة السوق المالية، عبد العزيز عبد المحسن بن حسن، في حوار مفتوح على هامش المؤتمر.
“شهدنا نموا هائلا في كافة المؤشرات خلال السنوات الخمس الماضية”، حسبما قال بن حسن، مشيرا إلى الزيادة في أعداد المستثمرين الأجانب المؤهلين، وحجم قطاع إدارة الأصول، وسوق الديون، وأعداد المؤسسات المالية.
السؤال الأهم كان يتعلق بما ينقص المستثمرين من حوافز — والعمل على توفيرها لهم، حسبما قال بن حسن. “عندما بدأ أول برنامج للمستثمر المالي المؤهل في 2017، كان المستثمرون يواجهون الكثير من العقبات. ومنذ ذلك الحين، عملت هيئة السوق المالية على تخفيف اللوائح التنظيمية لاستيعاب المزيد من المستثمرين الأجانب المؤهلين. فعلى سبيل المثال، لم يعد شرطا أن يكون المستثمر الأجنبي المؤهل مؤسسة مالية”، بحسب بن حسن. وبدلا من ذلك، تسمح الجهات التنظيمية الآن لأي مؤسسة بالوصول إلى السوق السعودي، شريطة أن تدير أصولا بقيمة 500 مليون دولار. وأشار بن حسن إلى أن الجهات التنظيمية سهلت أيضا على المستثمرين الأجانب غير المقيمين دخول سوق “نمو” الموازي لسوق تداول، دون الحاجة إلى تلبية متطلبات المستثمر المالي المؤهل.
“نواصل التفكير في سبل التيسير على المستثمرين وتنفيذها”، حسبما قال بن حسن.
بنفس المنطق، شجعت السعودية إصدار أوراق مالية جديدة، بحسب الرميح، الذي تحدث عن نمو عمليات الإدراج في سوق تداول على مدى السنوات الماضية. “شهد العام الماضي كله إدراج 35 شركة. أما هذا العام فقد شهد إدراج 35 شركة حتى اليوم، ونتوقع أن يتجاوز العدد عتبة الخمسين بحلول نهاية العام. قارن هذا بعام 2018، الذي شهد إدراج 5 شركات فقط”.
بالإضافة إلى نمو الإدراجات، فإنها تتميز بالمزيد من التنوع من حيث الصناعات والأحجام والأسواق، بالإضافة إلى إتاحة أدوات مثل صناديق المؤشرات المتداولة والصناديق المغلقة وصناديق الاستثمار العقاري، حسبما أشار الرميح. وجاء النمو في نشاط الإدراجات على خلفية برنامج تطوير القطاع المالي بقيادة هيئة السوق المالية، الذي ركز على زيادة عدد الإدراجات في السعودية.
“كان لدينا حوالي 100 شركة مدرجة في عام 2017، وهو رقم هزيل بالنسبة لاقتصاد دولة بحجم السعودية”، حسبما قال الرميح.
ركز البرنامج في المقام الأول على معالجة أسباب عدم اهتمام الشركات بطرح أسهمها للاكتتاب العام، حسبما قال الرميح. “أبدت الشركات أسباب وجيهة – فالإدراج يسفر عن إفصاح الشركات عن كثير من معلوماتها، دون جني مكاسب كبيرة. ورغم توافر السيولة على الدوام، لم يكن لدى الشركات الأدوات اللازمة للحصول على السيولة اللازمة لتنمية أعمالها”. وفي 2017، لم يكن لدى أسواق المال السعودية قاعدة المستثمرين المتنوعة التي نشهدها اليوم. أما اليوم، فإن معظم الشركات التي لم يكن لديها مستثمرين أجانب في السابق أصبحت 5-10% من أسهمها مملوكة لمستثمرين أجانب.
ثم ظهر سوق “نمو” إلى النور: أرادت بعض الشركات إدراج أسهمها، لكن بمتطلبات أقل، ولهذا الغرض أنشأت الجهات التنظيمية سوق “نمو”، وبحثت في السبل مختلفة لدخول السوق، مثل الإدراجات المباشرة — مما قلل من وقت وتكاليف الإدراج، بحسب الرميح.
نصف عقد من النمو الاستثنائي لا يكفي: شهد هذا العام أكثر من 50 طلب إدراج قيد المراجعة حتى الآن، “وهذا مؤشر صحي أن يكون لدينا هذا العدد من الطلبات قيد المراجعة، وسيزيد باستمرار إذ نعمل على إتاحة المزيد من الطرق لإدراج الشركات”، بحسب الرميح. “طموحنا لا يقتصر على أن نصبح مركزا ماليا، بل نسعى إلى حجز مكان بين أهم المراكز المالية في العالم”، حسبما قال بن حسن.
ستعلن هيئة السوق المالية اليوم عن استراتيجية جديدة للسنوات الثلاث المقبلة، تتضمن خططا لمواصلة تطوير أسواق المال في البلاد، بحسب بن حسن. ومن أهم الأولويات المستقبلية للجهات التنظيمية مواصلة “تحسين وتطوير السوق باستمرار”، وزيادة الكفاءة واعتماد أفضل الممارسات الدولية وتحسين البنية التحتية، وفقا لما قاله بن حسن والرميح.
إمكانات هائلة في سوق الديون: “إذا تحدثنا عن أسواق الأسهم — أي صناديق المؤشرات المتداولة وإدارة الأصول وغيرها — فقد وصلنا إلى درجة من النضج نسبيا، ولكن أهم ما نعمل عليه في هيئة السوق المالية بالتعاون مع شركائنا في القطاع المالي هو سوق الديون”، حسبما أفاد بن حسن. وأوضح الرميح أن تطوير سوق الديون في البلاد سيعزز أيضا من قيمة إدراج الشركات في الأسواق. “سيمكن للشركات المدرجة الحصول على تمويلات أكثر — أو أفضل، وهذا أمر بالغ الأهمية للشركات في أطوار النمو”، بحسب الرميح.
تقدر قيمة سوق الديون السعودي بنحو 700 مليار ريال سعودي، وهو سوق ضخم — “ولكننا، مثلما كنا في أسواق الأسهم قبل بضع سنوات، بعيدون عن المستوى المعياري عند مقارنة السوق بحجم الاقتصاد”، حسبما قال الرميح. وبينما تمثل أسواق الديون 30-40% من الناتج المحلي الإجمالي لدول مجموعة العشرين، فإن سوق الديون السعودي يمثل 18% فقط من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، ما يشير إلى وجود “مساحة للنمو”، بحسب الرميح.
ما الذي يمنع الشركات من الاستفادة من سوق الديون لتمويل خطط النمو؟ اللوائح التنظيمية تلعب دورا أساسيا في ذلك، حسبما قال الرميح، مشيرا إلى أن هذه اللوائح تخضع حاليا للتحديث “لتقليل المتطلبات والمعلومات غير الضرورية، خاصة إذا كانت الشركة مدرجة، ما يجعلها معروفة بالفعل للمستثمرين”. ويجب أن تسمح اللوائح التنظيمية بالوصول إلى سوق الديون عبر عمليات سهلة سريعة وبتكلفة مقبولة، بحسب الرميح، مضيفا أن “سوق الديون شديد الأهمية للاقتصاد، وبالتالي فهو شديد الأهمية لنا”.
بالإضافة إلى التغييرات التنظيمية، هناك أنظمة جديدة في الطريق: “إلى جانب تحديث قواعد الطرح والإدراج، نخطط لتقديم نظام إدارة رأس المال، بعد أن اختبرناه في السوق الموازي ولاقى نجاحا كبيرا. نتوقع أن تتمكن الشركات التي تستخدم نظام إدارة رأس المال من الوصول إلى مصادر سيولة جيدة بتكلفة مقبولة”، حسبما قال الرميح. ويتوقع المسؤولون أن تساعد هذه التغيرات الشركات على “النظر إلى سوق الديون كمصدر رئيسي للتمويل ومن ثم تكرار النجاح الذي نشهده في سوق الأسهم” في غضون سنتين إلى ثلاث سنوات.
الجهات التنظيمية تستهدف وضع معايير أداء للممارسات البيئية والمجتمعية والحوكمة: تدعم هيئة السوق المالية بالفعل تطبيق لوائح الممارسات البيئية والمجتمعية والحوكمة، إلا أن الأمر “ما زال في مهده”، حسبما قال بن حسن. وتعمل الهيئة مع اللجنة العليا للاستثمار على وضع لوائح موحدة للممارسات البيئية والمجتمعية والحوكمة لتوفير وضوح أكبر للمستثمرين، بحسب بن حسن، مضيفا أن “السنوات القليلة المقبلة قد تشهد تطور مشهد الممارسات البيئية والمجتمعية والحوكمة في المملكة، كجزء من رؤيتها الشاملة”.
رؤية 2030 — التي تشمل الاستدامة كركيزة أساسية — مثلت محركا أساسيا لجهود سوق تداول في تشجيع الشركات على الاستدامة، حسبما أفاد الرميح. “وجدنا أن غالبية الشركات مستدامة بالفعل — إذ تطبق القواعد المتضمنة في مدونة حوكمة الشركات، التي تعد من بين الأفضل عالميا، وتسعى دائما إلى تنفيذ أعمالها بطرق صديقة للبيئة”. وبعد نشر الإرشادات الخاصة بتقارير الممارسات البيئية والمجتمعية والحوكمة قبل عامين، قدمت حوالي 8% من الشركات المدرجة إفصاحات متعلقة بالممارسات البيئية والمجتمعية والحوكمة، وارتفعت النسبة إلى 30% هذا العام، بحسب الرميح، مضيفا أن المنظومة المحيطة تطورت أيضا للحث على إعداد المزيد من تقارير الممارسات البيئية والمجتمعية والحوكمة، مع توافر المزيد من المستشارين الذين يمكن الاستعانة بهم لدعم تنفيذ الممارسات البيئية والمجتمعية والحوكمة وإعداد التقارير الخاصة بها. “نحن متفائلون بشدة بشأن الاتجاه المستقبلي للاقتصاد نحو الاستدامة، وتفاعل شركاتنا مع هذا التحول”.