ظل أداء رأس المال العامل للشركات في الإمارات مستقرا خلال عام 2023، إذ بلغ متوسط دورة رأس المال العامل 83 يوما خلال العام الماضي، وهو نفس متوسط عام 2022، وفقا لدراسة رأس المال العامل في الشرق الأوسط (بي دي إف) التي أجرتها مجموعة “بي دبليو سي”. جاء هذا الأداء المستقر في أعقاب الإجراءات التصحيحية الجذرية التي اتخذت خلال عام 2022، وأدت إلى عكس التراجع في إدارة رأس المال العامل للشركات أثناء الجائحة.
ماذا نقصد بدورة رأس المال العامل؟ هو مقياس للمدة المطلوبة للشركات لتحويل صافي أصولها إلى إيرادات، ويستخدم لتقييم سيولة الشركات وكفاءتها التشغيلية ومخاطرها المالية قصيرة المدى.
جاء هذا الأداء المستقر مصحوبا بتقلبات طفيفة في معدل أيام دوران المبيعات ومعدل أيام دوران الذمم المدينة ومعدل أيام دوران المخزون، إلا أن هذه التقلبات ألغت بعضها بعضا، ما أثمر عن استقرار الأداء بشكل عام.
يركز المستثمرون على رأس المال العامل في صفقات الدمج والاستحواذ: تركز الشركات الإماراتية الآن على تحسين تدفقاتها النقدية وتنفيذ استراتيجيات تمويل جديدة، إذ يضغط المستثمرون والمساهمون لتحسين إدارة رأس المال العامل. وقد أدى هذا الضغط إلى خلق توجه عام صوب إجراء إصلاحات داخلية كبرى، خاصة بعد أن أصبح رأس المال العامل عنصرا رئيسيا في صفقات الدمج والاستحواذ الأخيرة، بحسب التقرير.
المشهد الإقليمي: شهدت شركات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا انخفاضا في ربحيتها للعام الثاني على التوالي خلال عام 2023، على الرغم من النمو القوي في الإيرادات. ويعزى هذا التراجع إلى ارتفاع التكاليف، حيث أثر انخفاض أسعار النفط على هوامش الأرباح في قطاع الطاقة، بالإضافة إلى زيادة المنافسة بين الشركات للحصول على العقود الحكومية. علاوة على ذلك، أصبحت شركات المنطقة معرضة للتضخم العالمي بسبب اعتمادها على الواردات، فضلا عن ارتفاع التكاليف اللوجستية بسبب اضطرابات سلاسل التوريد والتوترات الجيوسياسية في المنطقة.
استجابة لذلك، كثفت الشركات جهودها لتعزيز تدفقاتها النقدية من خلال خفض التكاليف غير المباشرة وتحسين إدارة رأس المال العامل لديها. ففي أعقاب جائحة الكورونا، شهد السوق هبوطا ملحوظا في تكاليف البيع والتكاليف العامة والإدارية، حيث انخفض متوسطها من 9.4% في عام 2022 إلى 7.8% في عام 2023.
إلا أن هناك نحو 50 مليار دولار من السيولة ما تزال “عالقة في ميزانيات الشركات”، خاصة في القطاعات ذات الأداء الضعيف، بحسب تقرير “بي دبليو سي”. وتحرير هذه السيولة العالقة من خلال الاستراتيجيات المستدامة لتحسين رأس المال يمكن أن يؤدي إلى نمو ملحوظ على صعيد السوق الإقليمية.
لكن انتبه: رغم تحسن كفاءة إدارة رأس المال العامل لشركات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بوجه عام، ما زال الكثير منها يعتمد على تدابير قصيرة الأجل لا يمكنها معالجة أوجه القصور الداخلية التي تعرقل تحسين رأس المال العامل.
لا مفر من تطبيق سياسات صارمة فيما يخص إدارة رأس المال العامل، خاصة في ظل توقعات ارتفاع تكاليف الاقتراض بسبب الزيادة المرتقبة في أسعار الفائدة على مدى ما يلي من 3 إلى 5 سنوات، بحسب تقرير “بي دبليو سي”. فمع ارتفاع تكاليف الاقتراض، هذا القصور في استغلال رأس المال العامل يمكن أن يتسبب في استنزاف رأس المال الذي يمكن استخدامه بدلا من ذلك في صفقات الدمج والاستحواذ، أو خطط التوسع، أو دفع عوائد المساهمين.
وفي عام 2023، وصلت نفقات الفوائد المستحقة على الشركات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى مستويات قياسية، حيث ارتفعت بنسبة 37% على أساس سنوي، رغم ارتفاع إجمالي ديون الشركات بنسبة 4% على أساس سنوي. كما ارتفعت تكاليف الدين بمقدار 120 نقطة أساس بين عامي 2022 و2023.
التوقعات المستقبلية: تتوقع “بي دبليو سي” أن تواصل تكاليف الاقتراض ارتفاعها، كما تتوقع بلومبرغ أن يظل سعر الفائدة القياسي بالدرهم الإماراتي — أي سعر الفائدة المعروض بين البنوك الإماراتية (إيبور) – أعلى من 4 خلال السنوات الخمس المقبلة.