صباح الخير قراءنا الأعزاء، يسعدنا اليوم أن نطلق العدد الأول من سلسلتنا الخاصة المكونة من أربعة أجزاء “قصة المتحف”. كثيرا ما نتعامل مع كنوزنا الأثرية العظيمة كأمر مسلم به، إلى أن يأتي حدث ثقافي عالمي بحجم افتتاح أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة، ليذكر بأن مصر حقا مكان ساحر، وأنها ليست كأي حضارة.
في سبتمبر 2017، كانت إنتربرايز من بين أوائل الذين أتيحت لهم فرصة الاطلاع المسبق على المتحف. ومنذ ذلك الحين لم نكف عن الانبهار به. يمكنكم قراءة قصتنا آنذاك بعنوان “يوم في المتحف المصري الكبير” هنا. في ذلك الوقت، أشرنا إلى أن المتحف الذي بلغت تكلفته نحو مليار دولار كان من المستهدف افتتاحا تجريبيا في منتصف 2018 ثم افتتاحا كاملا في 2022. لكن الموعد الأول تأجل، ثم جاءت جائحة كورونا عام 2020 وأجلت خطط العالم بأسره.
مع نهاية عام 2022، بدأ العالم — والمتحف المصري الكبير — يعودان تدريجيا إلى الحياة. في تلك الفترة، استضفنا منتدى إنتربرايز للمناخ أول فعالية نعقدها حول تمويل المناخ، وثاني حدث يقام على الإطلاق داخل المتحف. ومنذ ذلك الحين، بدأ المتحف يفتح أبوابه تدريجيا أمام الجمهور، مستضيفا مؤتمرات ومعارض فنية وحفلات عشاء وأداءات أوبرالية، فيما التقط الزوار مئات الآلاف من الصور أمام تمثال رمسيس الثاني — وهذه مجرد البداية.
في انتظار الافتتاح
الافتتاح المنتظر بشدة في مصر والعالم من المتوقع أن يشهد حضور ملوك وقادة ورؤساء ووفود رفيعة المستوى من نحو 60 دولة، من بينها إسبانيا وبلجيكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وتركيا والنرويج واليابان وقطر والإمارات.
وكان رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي قد أعلن أن يوم السبت 1 نوفمبر، يوم الافتتاح، سيكون إجازة مدفوعة الأجر للعاملين بالدولة.
وفي حديثه مع إنتربرايز، وجه العالم الأثري ووزير الآثار الأسبق زاهي حواس الدعوة للزوار الأجانب لزيارة المتحف ليكونوا شاهدين على تاريخ الحضارة، قائلا “إنه سيخطف المتحف قلوبكم سواء أطفال أو كبار”. وأضاف حواس أن الملك رمسيس الثاني سيكون في استقبال مهيب لكل الحضور من العالم ليشاهدوا عظمة الحضارة والإبداع مجتمعين تحت سقف واحد
وقال مصطفى وزيري الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للآثار لإنتربرايز إن من المتوقع أن يزور المتحف نحو 4-5 ملايين سائح سنويا بمجرد افتتاحه رسميا. وأشار الوزيري إلى أنه إلى جانب كنوز توت عنخ آمون، سيشهد المتحف الكبير للمرة الأولى عرض 31 تابوت ملون مكتشف في خبيئة العساسيف، إضافة إلى حفائر جرى اكتشافها في منطقة سقارة وستظهر للجمهور للمرة الأولى.
ومن المقرر أن يشهد حفل الافتتاح مؤلفا موسيقيا بعنوان “رسالة للسلام” من تأليف الموسيقار هشام نزيه وقيادة الأوركسترا للمايسترو ناير ناجي وبمشاركة 121 فنانا مصريا إلى جانب موسيقيين من 70 دولة من المنتظر مشاركته في الحفل.
واحتفالا بالافتتاح، سيجري إصدار 6 عملات تذكارية ذهبية وفضية، وقد صممت لتجسيد رموز وعناصر أثرية فريدة من مقتنيات المتحف، تحتفي بالحضارة المصرية العريقة، وفق ما ذكره شريف حازم منصور مستشار وزير المالية للشؤون الهندسية لإنتربرايز أنه. وستكون العملات الجديدة من فئات مختلفة : فئة واحد وخمسة وعشرة و50 و100 جنيه وسيجري إنتاج 500 وحدة من كل فئة ستسمح ببيعها كهدايا للزوار وفي الخطة المستقبلية سيجري إنتاج عملات معدنية للتداول الجماهيرى تخلد تلك الذكرى.
في عددنا اليوم — نحكي القصة وراء إنشاء المتحف، والرحلة الطويلة التي خاضها حتى وصل إلى افتتاحه المنتظر، والعبقرية الهندسية وفلسفة التصميم التي يجسدها، وكيف يرى علماء المصريات فيه فرصة جديدة لمصر لتروي سرديتها التاريخية من جديد.
قبل نحو 33 عاما، أدى تعليق عابر إلى إحياء فكرة إنشاء المتحف المصري الكبير. ففي عام 1992، كان وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني في زيارة إلى فرنسا عندما سأله فنان إيطالي: “ماذا ستفعلون بالمخزن الذي لديكم؟” شعر حسني بالاستفزاز فأجابه على الفور: “سنشيد أكبر متحف في العالم.” لم تكن إجابته وليدة اللحظة، إذ كان يفكر في الفكرة منذ زمن، لكن كلمات الإيطالي دفعته إلى التصريح بها علنا.
كان حسني يدرك أن المتحف المصري في ميدان التحرير أصبح أقرب إلى مخزن للآثار، غير مؤهل لعرض التماثيل الضخمة، وضيق المساحة لاستيعاب الكم الهائل من القطع الأثرية، ويفتقر إلى تجربة العرض التي تليق بحضارة مصر القديمة. طرح حسني الفكرة على الرئيس الراحل حسني مبارك والذي منحه الضوء الأخضر ليبدأ رحلة إنشاء المتحف المصري الكبير.
اختار حسني موقع المتحف على بُعد كيلومترين فقط من أهرامات الجيزة ليمنح الزوار تجربة استثنائية. وفي عام 1993، دعت وزارة الثقافة المصرية الجانب الإيطالي للمشاركة في المشروع، وشُكلت لجنة مصرية إيطالية مشتركة. وبعد أعوام قليلة، أنجز الجانب الإيطالي دراسة جدوى شاملة في ثمانية مجلدات.
وفي عام 2002 وُضع حجر الأساس للمتحف المصري الكبير بالجيزة، وبدأت أعمال الإنشاء في عام 2005. وبمشاركة منظمة اليونسكو والاتحاد الدولي للمعماريين، أُطلقت مسابقة معمارية دولية لاختيار تصميم المتحف. من بين 1,557 مقترحا من 83 دولة، اختارت لجنة التحكيم التصميم الفائز لمكتب هينيجان بنج المعماري الأيرلندي، الذي تخيّل المتحف في هيئة مخروطية تتماشى مع أشعة الشمس المنبعثة من قمم الأهرامات الثلاثة.
وفي عام 2006، أنشأت مصر أكبر مركز لترميم الآثار في الشرق الأوسط، مخصصا لترميم وصون وتجهيز القطع الأثرية المخصصة لقاعات العرض بالمتحف، وافتُتح رسميا في عام 2010.
ثم أطلقت مصر في عام 2012 المرحلة الثالثة من المشروع، والتي شملت بناء المبنى الرئيسي، والذي يضم قاعات العرض والمسارح والمعامل التعليمية والثقافية ومختبرات الترميم، إضافة إلى بنية تحتية متطورة لتقنيات المعلومات والاتصالات.
وفي عام 2016، قررت الحكومة إنشاء هيئة عامة للمتحف وجرى إسناد مهمة الإشراف على التنفيذ إلى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وهو ما ساهم في تسريع وتيرة الإنجاز خلال السنوات التالية.
اليوم يمتد المتحف على مساحة إجمالية تبلغ نحو 500 ألف متر مربع — أي ما يعادل مساحة 70 ملعب كرة قدم أو ضعف مساحة متحف اللوفر — ليصبح أحد أضخم المشاريع الثقافية في العالم. ومن أبرز مكوناته:
27 ألف متر مربع: ساحة المسلة المعلقة — المدخل الرئيسي للمتحف.
6 آلاف متر مربع: الدرج العظيم الذي تصطف على جانبيه 87 تمثالا ضخما يقود الزوار نحو قاعات العرض.
7.5 آلاف متر مربع: قاعة توت عنخ آمون التي تضم 5 آلاف قطعة تُعرض معا لأول مرة منذ اكتشافها عام 1922 على يد هوارد كارتر.
18 ألف متر مربع: قاعات العرض الدائمة التي تعرض آلاف القطع الأثرية عبر معارض متعددة.
1.4 ألف متر مربع: متحف مراكب الشمس الذي يعرض سفينتي الملك خوفو بعد ترميمهما.
أما مركز الترميم — الأكبر في الشرق الأوسط — فيقع على عمق 10 أمتار تحت الأرض ويمتد على مساحة 12.3 ألف متر مربع، وتبلغ مساحة المخازن 3.4 آلاف متر مربع تستوعب نحو 50 ألف قطعة أثرية مزودة بأحدث أنظمة التحكم في المناخ والأمن.
وتعد الوكالة اليابانية للتعاون الدولي أكبر ممول للمتحف المصري الكبير، إذ قدمت قرضين في عامي 2008 و2016 بقيمة إجمالية بلغت 800 مليون دولار، شملت أيضا اتفاقيات للتعاون الفني وتدريب المرمّمين العاملين في مركز الترميم المتطور بالمتحف.
كما تقدم قرضا بقيمة 733 مليون دولار أمريكي لتمويل إنشاء الخط الرابع لمترو القاهرة، الذي سيربط قلب العاصمة بالجيزة مرورا بالأهرامات والمتحف المصري الكبير، مما سيسهم في تعزيز سهولة الوصول إلى المتحف.
يعد بناء المتحف المصري الكبير في حد ذاته معجزة هندسية، تستلهم روح الحضارة المصرية القديمة في كل تفصيل من تفاصيلها. تحدثت إنتربرايز مع اثنين من مهندسي المشروع الرئيسيين: جورج كيرلس، مدير مشروع المتحف المصري الكبير في أوراسكوم كونستراكشون ويوريس دي كيندر، مدير المشروع ومدير المنطقة في بيسكس.
قادت أوراسكوم كونستراكشون وبيسكس (المملوكة لأوراسكوم كونستراكشون بنسبة 50%) معا تنفيذ المشروع بالكامل، بدءا من الأعمال الإنشائية وأنظمة الميكانيكا والكهرباء المعقدة وصولا إلى إنشاء بيئات مُتحكم فيها مناخيا لأكثر من 20 ألف قطعة أثرية. إنجاز هندسي وتنظيمي على مستوى نادر في حجمه وتعقيده.
إنتربرايز: ما أبرز التحديات اللوجستية أو التنسيقية التي واجهتموها خلال التنفيذ؟
دي كيندر: تصميم المبنى معقد للغاية. فالمتحف ليس مجرد صالة عرض، بل هو أيضا مركز مؤتمرات، وساحة دخول، ومكتبة، ومتحف للأطفال، وتجربة ثلاثية الأبعاد، ومبنى للتذاكر، ومجموعة من المطاعم.
كان علينا إدارة عدة واجهات عمل في وقت واحد ضمن مساحة محدودة، مع تنسيق عمليات النقل والإمداد لجميع المناطق. كان هناك محطة خلط خرسانة داخل الموقع وورش للنجارة والحديد، وكان علينا تسليم كل شيء في مواعيده المحددة.
الحرب في أوكرانيا وجائحة كوفيد أثرتا على سلاسل التوريد، إذ كانت العديد من المواد — خاصة أنظمة التبريد والتكييف — تستورد من الخارج.
لكن جميع الأحجار — أكثر من 200 ألف متر مربع (ما يعادل 40 ملعب كرة قدم) — كانت محلية المصدر من أسوان وسيناء، مما ساعد في الحد من آثار الاضطرابات العالمية. استخدمت هذه الأحجار في الأرضيات والكسوات الداخلية والخارجية.
إنتربرايز: التصميم الهندسي للمتحف معروف بتعقيده، كيف أثر ذلك على التنفيذ؟
دي كيندر: المعماري صمم المبنى بحيث تتماشى محاوره مع قمم الأهرامات، وبزاوية مائلة نحو وسط القاهرة. لذا لا يوجد أي جزء مواز أو متعامد — كل حجر، وكل عمود، وكل كمرة فريدة من نوعها.
كان علينا القيام بمسح هندسي مستمر لضمان دقة التنفيذ، لأن هذا التعقيد الهندسي انعكس على جميع المراحل — من الحفر والهيكل إلى التشطيب وأنظمة الميكانيكا والكهرباء. النتيجة كانت رائعة لأنها تربط مصر القديمة بمصر الحديثة، لكنها جعلت المشروع أكثر صعوبة. حتى أعمال اللوجستيات تأثرت، إذا تأخر تسليم شحنة واحدة من الأحجار، لم يكن من الممكن استبدالها، لأن كل قطعة فريدة لا مثيل لها
إنتربرايز: من الناحية الهندسية، ما أبرز التقنيات أو الوسائل الإنشائية الفريدة التي استخدمتموها؟
دي كيندر: كان هذا أول مشروع في مصر يستخدم فيه نظام النمذجة المعمارية ثلاثية الأبعاد بهذا الحجم. هذا النظام مكّننا من تنسيق جميع الأنظمة الفنية وتفادي أي تعارض بين المواسير والكابلات والممرات، مع ضمان المساحات الكافية أسفل الأسقف المستعارة. ومع تعقيد المبنى، كان هذا النظام أداة لا غنى عنها.
كيرلس: في وقت ما، كان لدينا 64 مهندسا يعملون فقط على هذا النظام. كان أمرا ثوريا حينها، واليوم أصبح معيارا في المشاريع الكبرى. وبسبب حجم المشروع، قسمناه إلى أربعة قطاعات، لكل منها مدير مشروع مستقل. أما المنطقة المركزية — التي تعرف الآن بـ”الدرج العظيم” — فكانت في الأصل مجرد طريق لعبور المعدات الثقيلة.
كما نصبنا 16 رافعة برجية مزودة بأنظمة منع تصادم، تعمل جميعها ضمن نظام تحكم مركزي يراقبه المهندسون على الشاشات لضمان سلامة العمليات في الموقع.
إنتربرايز: كيف أثرت الحضارة المصرية القديمة على اختيار المواد المستخدمة؟
كيرلس: المواد الخام الأساسية — الجرانيت الأسواني والترافرتين السيناوي — هي نفس الأحجار التي استخدمها المصريون القدماء. التصميم اشترط استخدامها في الكسوات والأرضيات لتجسيد روح العمارة المصرية القديمة. استخدمنا الترافرتين في الكسوات والأرضيات، والجرانيت في الأرضيات وأحيانا في الحمامات والمطاعم.
إنتربرايز: هل تعاملتم مع أي قطع أثرية خلال المشروع؟
كيرلس: الأقرب كان المسلة المعلقة. تسلمناها في أربع قطع وقمنا بتجميعها لتصبح المسلة الوحيدة المعلقة في العالم. عادة ما تُغرس المسلة في الأرض وترتفع نحو السماء، أما هذه فمعلقة بحيث يتمكن الزوار من رؤية خرطوش الملك أسفلها.
دي كيندر: كما قمنا بنقل مركب الشمس — أقدم قطعة خشبية في العالم، عمرها 4,500 عام — من منطقة الأهرامات إلى المتحف المصري الكبير.
نُقلت في حاوية مغلقة ومتحكم في مناخها للحفاظ على الخشب وتنظيم الحرارة والرطوبة قبل تركيبها في موقعها الجديد. كان ذلك أقرب ما وصلنا إليه من التاريخ المصري القديم نفسه.
إنتربرايز: ما الابتكارات أو التقنيات الأخرى التي تميز المشروع؟
دي كيندر:من أوائل التقنيات المستخدمة في أفريقيا كانت الواجهة الزجاجية المزدوجة المدعومة بكوابل مسبقة الشد في نهاية مبنى المعارض المطلة على الأهرامات، لتوفر إطلالة بانورامية مذهلة. كما استخدمنا خرسانة سابقة الإجهاد مع كابولات معلقة بطول يزيد عن 26.5 مترا، وسقوفا بارتفاع يصل إلى 33 مترا لاستيعاب التماثيل الضخمة.
أكثر الأجزاء تعقيدا كانت الأسقف المطوية على شكل أهرامات صغيرة، كل واحدة تختلف في الارتفاع والميل والعرض والطول. صُبت باستخدام خرسانة بيضاء مزخرفة من الأسفل، وكان على كل قالب أن يُصنع خصيصا لموضع واحد فقط.
كيرلس:كل “هرم” في السقف كان مختلفا، لذا كان علينا تصنيع القالب لكل شكل ثم تفكيكه وإعادة بنائه للذي يليه، فكان عملا هندسيا دقيقا ومتقنا للغاية.
إنتربرايز: إلى مدى كانت هناك مشارك دولية معكم في المشروع؟
كيرلس: كان لدينا ما يقارب ألف مقاول ومورد، بينهم شركات دولية من ألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا وإسبانيا وتركيا.
إنتربرايز: بعد 14 عاما من العمل في الموقع، ما أبرز اللحظات التي لا تُنسى بالنسبة لكم؟
كيرلس: من أكثر اللحظات التي لا تنسى كانت نقل تمثال رمسيس الثاني من ميدان رمسيس إلى المتحف في عام 2018. كان علينا إدخاله أولا ثم بناء المتحف حوله. يمتد سقف هذه المنطقة لمسافة 100 متر دون أعمدة، فقمنا برفع هيكل فولاذي ضخم فوق التمثال وأحطناه بكتل خرسانية لحمايته أثناء الإنشاء.
اتبع مركب الشمس نفس النهج: وضعنا الأثر أولا ثم بنينا الهيكل حوله.
إنتربرايز: كيف جرى تصميم المتحف ليصمد لأجيال مقبلة؟ وما أبرز أنظمة الاستدامة الذكية فيه؟
كيرلس: يضم المشروع 45 نظاما كهروميكانيكيا متطورا، من بينها مركز طاقة ضخم يقع بعيدا عن المبنى الرئيسي ويتصل به عبر أنفاق، ويضم أنظمة التبريد والمولدات ومضخات المياه ومضخات الحريق ومحطات الكهرباء ولوحات التحكم.
دي كيندر: كان نطاق عملنا يشمل كل شيء باستثناء التعامل المباشر مع القطع الأثرية. كل واجهة عرض بالمتحف تمتلك نظام تحكم مناخي دقيق بدرجات حرارة ورطوبة محددة، وجميعها مرتبطة بنظام إدارة المباني المركزي الذي يراقب الظروف في الوقت الفعلي.
في حال حدوث أي خلل — مثل تسرب أو تغير في الحرارة أو حتى لمس واجهة العرض — يصدر النظام إنذارا فوريا للفريق المختص. نظام ذكي للغاية يضمن الحفاظ على القطع الأثرية في ظروف مثالية لأجيال قادمة.
إنتربرايز: ما هو أكثر جزء بالمتحف تنصح الزوار بالتأمل فيه عن قرب؟
كيرلس: علينا أن نتحدث عن جدار الهرم — أحد أبرز معالم المتحف. في التصميم الأصلي كان جدارا مصمتا، ما كان سيكلف مبالغ ضخمة. أما الآن فهو يتألف من ثلاثة عناصر: الجدار الخلفي، الواجهة الزجاجية، والجدار الرئيسي، بطول إجمالي 800 متر وارتفاع يتراوح بين 7.5 و47.5 مترا. كل حجر فيه فريد — صُنع خصيصا وفق أبعاد دقيقة ليتكامل مع القطع الأخرى. كما تتخلل الجدار وحدات إنارة خفية لإضاءة ليلية مبهرة.
وطبعا هناك قاعة توت عنخ آمون — جوهرة المتحف — التي تضم أكثر من 5 آلاف قطعة مؤمنة بقيمة تقديرية تبلغ 25 مليار دولار. تنقسم القاعة إلى قسمين (A وB) وخمسة محاور:
حياة توت عنخ آمون اليومية
بعثه من جديد
جنازته
هويته الملكية
الأدوات التي أعدت لرحلته إلى العالم الآخر
وهذه هي القاعة الوحيدة التي لم تكشف بعد وستفتتح رسميا مع الافتتاح الكبير للمتحف المصري الكبير في 1 نوفمبر.
عندما يفتح المتحف أبوابه الأسبوع المقبل، سينطلق الزوار في رحلة هي أكبر بكثير من مجرد زيارة متحف أثري. سيسيرون في رحلة منسقة بعناية تبدأ قبل وقت طويل من دخولهم المبنى، رحلة تربط حرفيا سهل النيل القديم بهضبة الأهرامات، وتربط مجازيا عالم الأحياء بعالم الموتى.
تطلب المتحف المصري الكبير تعاونا غير مسبوق بين مهندسي المناظر الطبيعية ومصممي المعارض لإنشاء متحف يحتفي بالحضارة المصرية القديمة وبالابتكار المعاصر. هذا الاندماج بين المناظر الطبيعية والسرد هو نتيجة تعاون استثنائي بين استوديوهات تصميم عالمية المستوى، ومنها “ويست 8” الهولندي، وأتيليه بروكنر الألماني، وبورو هابولد البريطاني.
عملت هذه الشركات جنبا إلى جنب مع المصممين المعماريين بمكتب هينجان بنج وفريق متنوع من الخبراء المصريين والدوليين لحل مشكلة فريدة من نوعها: كيف تنشئ متحفا لخمسة آلاف عام من الحضارة في موقع تراث عالمي لليونسكو، مصمم لاستيعاب ملايين الزوار سنويا، دون الإخلال بالهضبة الجيولوجية التي بنيت عليها الأهرامات نفسها؟
يقول المعماري أدريان خوز، الشريك المؤسس والمدير الفني لشركة “ويست 8″، إن فكرة التصميم بدأت بفعل “جريء من ضبط النفس”. فبدلا من فرض مبنى ضخم على المشهد الطبيعي، اختار الفريق غرس المتحف داخل الهضبة نفسها، حتى لا يتأثر التكوين الجيولوجي الذي بنيت عليه الأهرامات. ويشرح خوز أن الواجهة الواسعة للمتحف أصبحت أشبه بحافة جرف صخري طبيعية، تمثل الامتداد المعماري للطبيعة الأصلية للهضبة عند سهل فيضان النيل القديم.
لم يكن هذا مجرد حل هندسي، بل كان بيانا معماريا عن علاقة مصر بتراثها وتاريخها. فالواجهة الممتدة بطول 800 متر أصبحت امتدادا طبيعيا لجرف الهضبة، بينما تحكي الساحة الأمامية الواسعة والمزروعة بالأشجار قصة سهل فيضان النيل القديم الذي كانت تنقل عبره حجارة الأهرامات بالسفن. تنتشر أشجار النخيل في مساحة العرض الخارجية البالغة 5 هكتارات، لتكون ما تصفه شركة ويست 8 بأنه “طبيعة ثانية” تربط بين تقاليد الزراعة القديمة ومفاهيم التصميم المستدام الحديثة.
المدخل نفسه أشبه برحلة اكتشاف أثري. يدخل الزوار تحت الواجهة المائلة إلى القاعة الكبرى المثلثة الشكل، مرورا بمسلات ونقاط تفتيش مظللة تُنظم حركة الحشود مع الحفاظ على هيبة الدخول إلى أحد أهم المواقع الثقافية في العالم.
ومن أكثر العناصر اللافتة أن تصميم المشهد الطبيعي يضم ما يسميه خوز “نباتات التحنيط الأصلية”، التي جرى تحديدها بالتعاون مع علماء الآثار من خلال تحليل حبوب اللقاح والحمض النووي. وفي “الحدائق الفرعونية”، التي تضم برك بردي وحدائق معابد أسفل الجدران الممتدة، تعمل هذه الأنواع كنماذج عرض حية تُمكّن الزوار من رؤية النباتات التي استُخدمت فعلا في عمليات التحنيط القديمة، وكل ذلك بإطلالة مباشرة على الأهرامات.
من لوحة الرسم إلى الواقع: يقول خوز إن “من العناصر التي ما زالت حاضرة بوضوح من التصاميم الأولى للمتحف نقل تمثال رمسيس الثاني البالغ ارتفاعه 11 مترا من ميدان رمسيس بالقاهرة، إلى جانب هذه الحدائق الفرعونية المظللة”. ويضيف أن المشروع صمد عبر تحولات سياسية وتحديات اقتصادية وجائحة عالمية.
وإذا كانت شركة ويست 8 قد أرست الأساس المادي والرمزي للمتحف، فإن شركة أتيليه بروكنر هي من بنت المسرح الذي تعرض عليه خمسة آلاف عام من الحضارة. بالنسبة لشيرين فرنجول-بروكنر، الشريكة المؤسسة والمديرة التنفيذية للشركة الألمانية، لم يكن التحدي مجرد عرض مقتنيات، بل ابتكار “عمارة سردية” تحوّل المحتوى نفسه إلى بنية معمارية.
ويتجلى هذا المفهوم بوضوح في قاعة توت عنخ آمون، حيث واجهت الشركة تحديا غير مسبوق: عرض كامل مجموعة توت عنخ آمون معا للمرة الأولى في التاريخ. وعلى عكس المعارض التقليدية التي تُعرض فيها القطع الأبرز فقط، كان لابد من عرض كل شيء. غير أن الفريق رأى في ذلك فرصة ليروي القصة الكاملة للملك الصغير وعالمه ومعتقداته التي شكّلت الحضارة المصرية القديمة.
جاء الحل بسيطا في شكله وعميقا في معناه. عنصران فقط ينظمان الرحلة بأكملها: “المسار الأمين”، وهو شريط أرضي أسود متصل يحمل جميع القطع، و”مسار الشمس”، وهو شريط ضوئي على السقف يوجه حركة الزوار. استوحي مسار الشمس من الأساطير المصرية القديمة ليجسد دورة الحياة والموت والبعث. تقول فرنجول-بروكنر: “هذان الخطان ينظمان الرحلة عبر القاعة، رابطين بين الحياة والموت والعالم الآخر. أردنا أن يشعر الزائر بأن المعرض أشبه بقطعة من الفسيفساء المزروعة داخل العمارة الضخمة، يحكي القصة بإيقاع الضوء والمساحة.”
الضوء نفسه أصبح العنصر المركزي في التصميم، رمزا ومادة في آن واحد. ففي الميثولوجيا المصرية يمثل الضوء والشمس التجدد والخلود، ما جعله الإطار الأمثل لعرض قطع لا تقدر بثمن. هذه المقاربة أثبتت بصيرتها المبكرة، إذ ظلت صالحة رغم مرور أكثر من عقدين وتطور تقنيات المتاحف منذ 2003 وحتى 2025.
وبين مشهد ويست 8 الطبيعي وقاعات أتيليه بروكنر، يكمن عنصر آخر لا يقل روعة، لكنه غالبا ما يغيب عن أنظار الزوار: غلاف المبنى نفسه. هنا يبرز دور مهندسي بورو هابولد الذين جعلوا من التصميم البيئي حارسا صامتا يحمي المقتنيات ويهيئ تجربة الزائر. يقول ستيفن جولي، مدير المشاريع الثقافية بالشركة: “كان التحدي الرئيسي أن يكون المبنى بارزا بصريا أمام خلفية الأهرامات الأسطورية، وفي الوقت نفسه نموذجا للتصميم المستدام”.
تمثل الحل في ما يسميه جولي “النهج السلبي” في التصميم البيئي: صندوق حراري ثقيل مدمج في ضفة سهل فيضان النيل ومحمي بالظل من كل الجهات ليبقى بعيدا عن الحرارة. الواجهة الشفافة والسقف المعدني المتموج يشكلان نظام عزل متكامل يسمح بأن تصل حرارة السطح إلى أكثر من 70 درجة مئوية بينما تبقى القاعات الداخلية عند درجة 23 مئوية.
هذا البناء الواعي بالبيئة يجعل العمارة نفسها تحمي القطع الأثرية من عوامل التعرية والضوء الزائد مع تقليل استهلاك الطاقة بشكل كبير، وهو مبدأ طورته بورو هابولد على مدى نحو 50 عاما من خبرتها في المناخات الحارة في الشرق الأوسط، وبلغ ذروته في تصميم المتحف المصري الكبير.
ولا يقتصر التصميم السلبي على ضبط الحرارة فقط، فكل جزء من تجربة الزائر يعكس التفكير البيئي: مداخل التذاكر مظللة، والنوافير موضوعة لتبريد الجو، والساحات محمية من الرياح والشمس، ويعاد استخدام الهواء المبرد من القاعات لزيادة الراحة في المسارات الداخلية.
حتى الألواح الزجاجية المعلقة على الدرج الكبير تؤدي دورا مزدوجا: عنصر فني وحاجز حراري، مما يسمح بتبريد الهواء دون إغلاق الأبواب بين الساحات والقاعات. يقول جولي: “من النادر أن يتاح لمتحف أن يترك أبوابه مفتوحة للهواء الخارجي ويحافظ في الوقت نفسه على الظروف المثالية لعرض القطع، وهذا إنجاز معماري حقيقي”.
وشملت التحديات الهندسية سلامة الزوار أيضا. ففي القاعة الرئيسية الواسعة طور فريق الحماية من الحرائق في الشركة استراتيجية أداء تضمن إخلاء الجميع بأمان، مع استخدام تجاويف السقف لشفط الدخان في حال الطوارئ — نوع من التفكير المتكامل يجعل الهندسة غير مرئية لكنها جوهر التجربة.
عمارة التعاون: تشدد المكاتب الثلاثة على أن نجاح المتحف المصري الكبير يعود إلى عملية تعاون غير تقليدية. فبعد مسابقة عام 2002، تشكل فريق دولي ضخم بقيادة الدكتور ياسر منصور ضم مؤرخين وعلماء آثار وخبراء سياحة وأمن ومصممي معارض ومهندسين ومخططين ومعماريين مصريين من بينهم مكتب سايتس. وكان الفريق يجتمع تقريبا كل ثلاثة أسابيع على مدار عقدين لإدارة التعقيد الهائل للمشروع.
كان الدمج بين التخصصات المختلفة منذ المراحل الأولى أمرا حاسما؛ إذ ضمن بورو هابولد الانتهاء من مركز الحفظ الأثري ومركز الطاقة قبل افتتاح المتحف بسنوات، بحيث يمكن استقبال القطع الأثرية ومعالجتها وتخزينها مؤقتا قبل عرضها في القاعات الجديدة.
انضم أتيليه بروكنر للمشروع عبر عملية اختيار دولية في أواخر 2016، وشكل بسرعة فريقا من 25 خبيرا أتم المفهوم والتصميم خلال ستة أشهر فقط — وهي مهمة تستغرق عادة سنوات. تقول فرنجول-بروكنر: “ما مكننا من تحقيق هذا الجدول الزمني المستحيل هو التفاني المشترك وروح التعاون المتميزة مع زملائنا المصريين. كانت هناك ثقافة أساسية من التعاون، وهذا ما صنع الفارق”.
أما بالنسبة لخوز، فقد امتد هذا التعاون إلى حل المشكلات التقنية أسبوعيا: من تصميم حركة المرور والظل وإدارة الحشود إلى تأمين المياه وري الأشجار وصيانة المساحات الخضراء. ورغم كل ذلك ظلت الشبكة المثلثة وخطوط الرؤية نحو الأهرامات ثابتة كأساس للتصميم.
ورغم التوقفات التي شهدها المشروع — من ثورات إلى أزمات مالية ومعايير استدامة متغيرة — إلا أن الفريق ظل متمسكا برؤيته. يقول جولي: “كانت الانقطاعات في عملية التصميم تحديا كبيرا، لكن قوة المفهوم وتكامله ضمنا أن يأتي البناء النهائي وفيا للرؤية الأصلية”.
معلم ثقافي وبيئي للقرن الحادي والعشرين: بينما تسعى مصر لجذب 30 مليون سائح بحلول 2028، فإن المتحف المصري الكبير يمثل أكثر من مجرد صرح لحفظ الآثار — إنه نموذج لكيف يمكن للدول أن تكرم تراثها الثقافي وتبني مستقبلها الاقتصادي في الوقت نفسه مع احترام البيئة. يقول جولي: “يمثل المتحف ذروة العمارة الحديثة التي تجمع بين العراقة والدقة في البناء، ومن منظورنا فهو أيضا مثال رائع على دمج الاستدامة والتصميم البيئي منذ المراحل الأولى للإنشاء”.
يُظهر تصميم المتحف أن أكثر المشاريع الثقافية طموحا تحتاج إلى أكثر من عبقرية معمارية؛ تحتاج إلى صبر وتعاون عبر التخصصات والثقافات والأجيال. يبرهن المشروع أن الهندسة ليست مجرد مرحلة لاحقة، بل جزء أساسي من الفكرة المعمارية منذ البداية، وأن التصميم السلبي القائم على المبادئ الكلاسيكية يمكن تعزيزه بالتكنولوجيا الحديثة، وأن تصميم المتاحف المستدامة في المناخات القاسية ليس ممكنا فقط، بل مثاليا.
قد تكون القطع الأثرية قديمة، لكن المسرح الذي تعرض عليه حديث تماما، بناه مصممون ومهندسون أدركوا أن تكريم الأبدية يبدأ بالاستثمار في الوقت الحاضر، وبالتزام بالاستدامة يضمن بقاء المتحف لأجيال قادمة.
يختم جولي قائلا: “نأمل أن يكون نهج الحفظ منخفض الكربون الذي اعتمدناه في المتحف نموذجا يحتذى به في علم حفظ التراث”. وهي رؤية تليق بمتحف يثبت أن مستقبل التراث الثقافي يعتمد على احترام حكمة الماضي والوعي ببيئة الغد.
افتتاح المتحف المصري الكبير يمثل علامة فارقة في مسيرة الثقافة، من شأنها أن تعيد رسم ملامح علم المصريات والسياحة والتراث الوطني في مصر. تحدثت إنتربرايز إلى ثلاثة من أبرز علماء المصريات في العالم للتعرف على رؤيتهم لمعنى هذا الافتتاح المنتظر، وما يأملون أن يتحقق مع بداية هذا الفصل الجديد من تاريخ مصر الثقافي.
فايزة هيكل
فايزة هيكل هي عالمة مصريات مصرية وأستاذة فخرية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وتعد من الرائدات في مجالها؛ إذ كانت أول امرأة مصرية تحصل على درجة الدكتوراه في علم المصريات من جامعة أكسفورد عام 1965، وأول مصرية تعمل في النوبة ضمن حملة اليونسكو لإنقاذ الآثار المهددة بالغرق بسبب بناء السد العالي بأسوان، كما كانت أول امرأة تتولى رئاسة الرابطة الدولية لعلماء المصريات عام 1988.
شاركت هيكل كعضو نائب في لجنة التحكيم الدولية التي اختارت التصميم الفائز بالمتحف في أوائل الألفية الجديدة، ثم شاركت لاحقا في التخطيط الأكاديمي للمتحف، بما في ذلك عملية نقل بعض المقتنيات وطريقة عرضها.
تقول هيكل: “المتحف مفتوح منذ زمن دون أن يُفتتح رسميا. كثيرون أتيحت لهم فرصة مشاهدة بعض قاعاته بالفعل. لا شك أن العمارة الحديثة والتكنولوجيا واتساع المساحة شيء مدهش، وهناك مجال لمزيد من التوسعات، وهذا بالضبط ما كان المقصود من إنشائه — فمصر لا تزال تخبئ الكثير تحت الأرض.”
وتضيف أن قضية استرداد الآثار تبقى مسألة سياسية شائكة يصعب حلها في المدى القريب سواء بوجود المتحف أو بدونه.
“علينا أن نضمن أن يشعر المصريون بأنهم جزء من الحكاية. العالم كله يشاهدنا وسنستقبل مزيدا من الزوار بفضل هذا الإنجاز العظيم، لكن لا يجب أن نغفل أن هذه قصة مصرية في الأساس، ويجب ألا يشعر المصريون العاديون بأنهم مستبعدون منها. إذا نجح المتحف في غرس شعور بالفخر لدى المصريين وإثارة فضولهم للتعرف أكثر على تاريخهم القديم، فذلك سيكون إنجازا حقيقيا”.
سليمة إكرام
سليمة إكرام عالمة آثار باكستانية بارزة شاركت في العديد من المشاريع الأثرية في مصر وتركيا والسودان واليونان والولايات المتحدة. وتشغل حاليا منصب أستاذة مصرية متميزة لعلم المصريات في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وزميلة بحث في متحف التاريخ الطبيعي التابع لمؤسسة سميثسونيان. تشمل اهتماماتها البحثية علم الآثار الجنائزية (وخاصة التحنيط)، ودور الحيوانات في مصر القديمة، والحياة اليومية، وفن الصخور، وحماية التراث والمتحفية.
تلفت إكرام إلى جانبين أساسيين في المتحف: الأول هو معرض توت عنخ آمون، والثاني هو معامل الحفظ والبحث العلمي.
“سيُعرض كامل مقتنيات توت عنخ آمون في مكان واحد للمرة الأولى، ما سيسمح للزوار بتجربة ثراء المقبرة وفهم ما كان يعتبره الفرعون مهما — من الأشياء الفخمة إلى البسيطة — وكيف كانت ملامح حياته اليومية. هذه التجربة تنقلنا من الأساسيات إلى أوج الفهم الديني.”
أما عن معامل المتحف، فتقول إكرام إنها استخدمت هذه المعامل بنفسها منذ افتتاحها عام 2010 أثناء عملها مع عالم الآثار الهولندي أندريه فيلدمير على بعض مواد توت عنخ آمون.
تُستخدم في المعامل أحدث التقنيات والأجهزة، على غرار تلك المتوفرة في مؤسسات كبرى مثل متحف المتروبوليتان ومتحف بريطانيا، ما أتاح للباحثين فرصة الغوص أعمق في دراسة المواد واكتشاف قصص جديدة عن شبكات التجارة والأيديولوجيا الدينية والحياة اليومية في مصر القديمة.
“المقتنيات المعروضة حتى الآن مذهلة، والإضاءة تجعل مشاهدتها أسهل وأكثر متعة، لذلك كانت تجربة رائعة أن أستمتع وأقدّر بعضا من أروع الأعمال الفنية المصرية القديمة.”
وفيما يتعلق بقضية استعادة الآثار والأرشيفات المصرية، ترى إكرام أن المواد الأرشيفية يجب ألا تُجمع كلها في مكان واحد “لأن ذلك يشكل خطرا كبيرا”، وتقترح أن تُرسل نسخ رقمية منها إلى مصر إن لم تكن متاحة عبر الإنترنت. أما عن عودة الآثار، فتقول: “الأمر يعتمد على نوع القطعة؛ فبعضها يجب أن يبقى في مكانه لأنها أفضل سفراء لمصر اجتماعيا واقتصاديا، لكن هناك قطع معينة مثل تمثال رأس الملكة نفرتيتي في ألمانيا يجب أن تُعاد.”
وتضيف: “آمل أن يصبح المتحف ليس فقط مكانا لمشاهدة القطع الأثرية، بل مركزا للتعاون اليومي بين الزملاء المصريين والأجانب للكشف عن مزيد من أسرار هذه الحضارة الاستثنائية.”
مونيكا حنا
مونيكا حنا عالمة آثار ومصريات مصرية بارزة وناشطة في مجال حماية التراث الثقافي، معروفة بدعوتها القوية إلى تفكيك الطابع الاستعماري لعلم المصريات واستعادة القطع المصرية المهمة من المتاحف الأجنبية. وهي مؤلفة كتاب مستقبل علم المصريات الذي تقدم فيه رؤية لإعادة إحياء التراث المفقود. حنا حاصلة على بكالوريوس في علم المصريات والكيمياء الأثرية من الجامعة الأمريكية بالقاهرة ودكتوراه في الآثار من جامعة بيزا في إيطاليا، وتشغل حاليا منصب عميدة كلية الآداب والعلوم في الجامعة الأمريكية ببغداد.
تعمدت حنا ألا تزور القاعات المفتوحة في المتحف خلال العام الماضي لأنها تريد أن تشاهد كل شيء “بعين جديدة” وتخوض التجربة كاملة عند الافتتاح.
تقول حنا: “العالم يعرف عن حضارتنا القديمة أكثر مما نعرف نحن، وهذا يجب أن يتغير. الأمر يتطلب سياسة مختلفة تجاه إدارة التراث والماضي، وهو ليس دور المتحف وحده. سيستغرق الأمر خمس سنوات على الأقل بعد الافتتاح لنتمكن من تقييم الأثر الحقيقي. هل سيكون المتحف مجرد عرض جميل للسياح؟ أم سيكون فضاء عاما مصريا تُناقش فيه هوية التراث ويلتقي فيه الماضي بالحاضر عبر الفن والمعارض والبحث الأكاديمي؟”
ورغم انبهارها بجمال المعروضات وضخامة المساحة، إلا أنها تتحفظ قبل إصدار حكم نهائي: “كباحثة، أنتظر أن أرى مدى إتاحة المتحف للباحثين”.
وترى أن وجود مؤسسة مثل المتحف المصري الكبير يقوّي موقف مصر في ملف استعادة الآثار، لكنها تشدد: “نحن لا نريد فقط عودة القطع، بل نريد استعادة حق المصريين في إنتاج المعرفة عن ماضيهم، فالمعرفة أغلى من الذهب”.
وتضيف: “أود أن أرى المتحف مساحة لإنتاج المعرفة، ليس فقط من خلال الأبحاث، بل أيضا عبر محاضرات عامة أسبوعية عن جوانب مختلفة من مصر القديمة، ومعارض تربط بين الفن والآثار وتصل بين مصر القديمة والحديثة، بالإضافة إلى تسهيل دخول المصريين من خلال تسعيرة مناسبة — مثل جعل الدخول مجانيا ليوم واحد شهريا”.