مقابلة مع أحمد بدر الرئيس التنفيذي لرينيسانس كابيتال بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خصنا بها قبل توجهه لحضور المؤتمر السنوي الثالث للاستثمار في مصر المنعقد في جنوب أفريقيا اليوم وغدا، للحديث عن رؤيته للاستثمار في مصر والسعودية، والصناعة المالية بعد تطبيق قواعد "ميفيد 2".
لا تخافوا من تراجع استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية: نعتقد أن البنك المركزي سيخفض أسعار الفائدة بنحو 200 إلى 300 نقطة أساس إضافية من الآن وحتى نهاية العام، بعد أن خفضها بمقدار 200 نقطة أساس. ولا داعي للخوف من تراجع استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية. عندما تنظر إلى عائدات سوق السندات في أي مكان في العالم، لن تجد الكثير من الفرص الجاذبة. حتى مع تخفيض أسعار الفائدة في مصر، تبقي السوق المصرية جاذبة لمستثمري الدخل الثابت. بالطبع، سنصل إلى نقطة ستنحسر فيها تجارة الفائدة، وهو أمر ستسعى إليه الحكومة نفسها في وقت ما. ولكن الأمر يتعلق بالأساس بالتحول من الاعتماد على الأموال الساخنة ومستثمري المحافظ الأجنبية الذين يشترون سندات الخزانة أو من يضعون أموالهم في أي أداة مالية متاحة، والتوجه في المقابل نحو الاستثمارات الأجنبية المباشرة. نحن في تلك المرحلة الانتقالية الآن، وهي مرحلة أساسية وإيجابية بشرط أن يكون هناك مناخ جاذب للمستثمرين المحليين أو الأجانب.
هل مصر متواجدة في الصورة بالنسبة للمستثمرين على المستوى الاستراتيجي؟ بالطبع. هناك الكثير من الاهتمام من العملاء الذين لم يكونوا متابعين لمصر من قبل. في الواقع، سنستضيف مجموعة كبيرة من المستثمرين في القاهرة خلال الأسابيع القليلة المقبلة.
وهذا الاهتمام يشمل جميع القطاعات. البنوك لا تزال جذابة للغاية. الجميع يفضل البنوك حتى ولو كانت استثمارا تقليديا للغاية. نرى أيضا اهتماما بالقطاع الاستهلاكي، وهو الأمر الذي أعلناه من قبل في يناير 2017 عندما قلنا إن شركات القطاع الاستهلاكي ستؤدي بشكل أفضل مما يتوقعه الناس بسبب الاقتصاد غير الرسمي. قطاع الرعاية الصحية يجذب مزيد من الاهتمام، رغم استمرار التحديات التشريعية أمام المستثمرين الأجانب في هذا القطاع. ومع ذلك، فإن مستثمرين في قطاع الرعاية الصحية بجنوب أفريقيا سيحضرون المؤتمر السنوي الثالث للاستثمار في مصر للمرة الأولى منذ عامين. وبعد ذلك هناك اهتمام بقطاع التعليم، على الرغم من وجود نفس التحديات أمام دخول المستثمرين الأجانب في هذا القطاع بسبب المناخ التشريعي. وبناء عليه، لا نعتقد أن الاستثمار الأجنبي في قطاع التعليم سيشهد انطلاقة هذا العام، ولكن ذلك قد يحدث اعتبارا من عام 2019.
القطاع العقاري قد لا يكون جذابا بما يكفي في الفترة المقبلة: الجميع لديه توقعات إيجابية بشأن القطاع العقاري بما في ذلك أنا. ولكن ليس بنفس القدر الآن. أداء السوق العقارية سيكون جيدا على المدى القصير مع تراجع أسعار الفائدة وتوجيه المواطنين لنقودهم نحو العقارات. ومع ذلك، فإنني أشعر بالقلق، لأن على مدى الأعوام العشرة الماضية، كان الناس يحولون أموالهم من البنوك إلى العقارات، وهو ما رفع الأسعار إلى نقطة جعلت الناس بالفعل يشترون بما يفوق قدراتهم المادية. ويبقى هناك طلب حقيقي، ولكن الأسعار تدفع السوق نحو الراغبين في الاستثمار العقاري وليس الراغبين في السكن.
وأرى أيضا أن اتجاه المطورين الأصغر حجما لمد فترات السداد إلى ما بين 8 و10 سنوات أمر يبعث على القلق. لن نرى انهيار للأسعار لأن السوق المصرية سوق نقدية. ما قد يحدث عندما تكون هناك بوادر فقاعة في سوق من هذا النوع هو أن تتوقف عمليات البيع والشراء نهائيا. وأرى أن هذا الركود قد يبدأ في الأشهر الـ 12 المقبلة. من المحتمل أن ترتفع الأسهم العقارية على المدى القصير، ولكن على المدى الطويل أرى أن القطاع سيواجه صعوبات. ولذلك أتفهم لماذا يمكن أن تكون صفقات مثل الدمج المحتمل بين مدينة نصر للإسكان والتعمير وسوديك أمرا منطقيا بالنسبة للجانبين.
القطاع الذي لا نفضله هو الأسمنت، والسبب هو التشبع الكبير في السوق. حتى مع ازدهار السوق العقاري، فإن فائض المعروض مستمر في تهديد السوق بالتآكل، ويجعل بعض الشركات الأجنبية تدرس الخروج بسبب هذا الفائض في العرض. ناهيك عن حقيقة أن أسواق التصدير التقليدية تعيش أوقاتا صعبة.
من وجهة نظر إقليمية، فإن مصر والسعودية هما السوقان الوحيدتان اللتان أفضلهما، وأعتقد أن أداءهما سيكون جيدا مقارنة مع منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأكملها. البلدان يمتلكان قصص الإصلاح الوحيدة في المنطقة في الوقت الراهن، وهي خطط إصلاح طويلة المدى في كلا البلدين. ولا أحمل نفس نظرة التفاؤل على الإطلاق بالنسبة لقطر أو الإمارات، ويمكنك أن ترى أن مستوى السيولة في تلك الأسواق قد انحسر. ونحن ننصح عملاءها بالنظر بمزيد من الاهتمام إلى السعودية ومصر، وألا يركزوا كثيرا على الإمارات وقطر. هذا هو التوجه خلال 2018.
المشاكل السياسية انتهت الآن، ولكن الأمر الأهم هو الترقية المحتملة للسوق السعودية إلى مرتبة الأسواق الناشئة بمؤشر "إم إس سي آي" التي قد تحدث نهاية مايو المقبل. وعلى خلفية ترقية السوق على مؤشر فوتسي إلى مرتبة الأسواق الناشئة، تروج بنوك الاستثمار للسوق السعودية بجدية باعتبارها أكثر الأسواق الجاذبة. وعندما يتحقق أثر الترقية المحتملة على مؤشر "إم إس سي آي" بالكامل في مايو 2019، سيكون من المحتمل جدا أن تجذب السوق تدفقات بقيمة 14 مليار دولار تتبع فقط المؤشر، وهذا تقدير متحفظ جدا. وأعتقد أن السوق من الممكن أن تجذب أكثر من ذلك.
السوق السعودية هي سوق استهلاكية ضخمة. التحدي الأساسي هو أن القوة الشرائية كانت تسير في نفس طريق تراجع أسعار النفط، ولكن هذا تحول مع ارتفاع أسعار النفط مرة أخرى واقترابها من 70 دولارا للبرميل. المملكة العربية السعودية مصرة على دفع أسعار النفط إلى أعلى، وأوبك أيضا عازمة على ذلك. ليس من الضروري أن تصل إلى مستوى الـ 80 دولار كما يقول بعض المحللين. الحفاظ على ثبات الأسعار حول المستويات الحالية أمر جيد جدا للمملكة. السعودية لا تقدم فقط قصة إصلاح يتحول فيها الاقتصاد من الاعتماد على الهيدروكربون إلى عدم الاعتماد عليه، ولكنها أيضا قصة إصلاح تحصل على دفعة قوية من ارتفاع أسعار النفط.
هل نشهد تراجع في مديونيات الشركات في مصر؟ ليس بالنسبة للقطاع الخاص حتى الآن. كانت الشركات في السابق تبحث عن الاقتراض، ولكن أسعار الفائدة كانت مرتفعة إلى حد يجعل الاقتراض غير مجدٍ. وحتى لو توجهت الشركات حينها إلى أسواق المال العالمية، لكانت النتيجة واحدة. الآن أسعار الفائدة المحلية تتراجع، وأصبح من السهل الحصول على قروض بالدولار بالنسبة للشركات المصرية. هناك مزيد من الثقة في الاقتصاد ومزيد من الثقة في العملة. بل هناك بالفعل طلب على الديون بالعملة المحلية، وهو أمر نستكشفه ولم يحدث منذ وقت طويل جدا. ونقوم حاليا بتقديم استشارات للعديد من إصدارات الدين بالدولار، ونبحث تقديم استشارات لإصدارات دين بالعملة المحلية.
هناك إقبال من الشركات المحلية للتوجه إلى سوق الديون الآن، ولدينا طلبات يتم تنفيذها الآن بينما نتحدث، أحدها من المتوقع أن يستكمل في مايو، ويمثل ذلك ما يسمى باستشارات المواقف الخاصة لدى رينيسانس كابيتال التي تمتلك فريق متخصص في هذا النوع من الصفقات، وتقوم حاليا بإدارة عدد منها.
وحول أثر تطبيق قانون الاتحاد الأوروبي المعدل للإشراف على أدوات الأسواق المالية (ميفيد 2) على الصناعة المالية، أستطيع أن أقول إن "ميفيد 2" بشكل عام غيرت وجه صناعة البنوك بشكل كبير. مثل أي تغيير كبير، تطبيق "ميفيد 2" كان صعبا والصناعة في طريقها للتكيف مع تلك القواعد الجديدة. هناك أيضا فوائد واضحة ومن بينها أن القواعد الجديدة تقدم للإدارات صورة واضحة، إذ يرتفع الطلب على التقارير البحثية بين المستثمرين، ويمكن الاستفادة ماديا من تلك البحوث و/أو تحسينها. عندما تكون لاعبا متخصصا مثل رينيسانس كابيتال، تركز على الأسواق المبتدئة بأوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، فإنك تكون في مكانة أفضل. التحدي هو أننا نريد أن نستمر في كوننا متخصصين، ولذا سنستمر في التركيز على أسواق مثل مصر. وعندما تنظر إلى منافسينا العالميين، تراهم لا يقتربون من أماكن مثل مصر.
وبالنسبة لنشاطنا في مصر فإننا حصلنا على التراخيص اللازمة قبل 5 أشهر، والافتتاح الرسمي لمكتبنا سيكون الشهر المقبل. ونمتلك حاليا التراخيص الأساسية لترويج وتغطية الاكتتابات. ونخطط أن نصبح بنكا استثماريا لديه كل تراخيص الخدمات المالية لجميع العمليات في مصر، باستثناء خدمات الوساطة في الأوراق المالية. نحن مصرون على الحفاظ على استثمارنا في البشر. على صعيد التقارير البحثية، نقوم بتكوين فريق من ثلاثة محللين بقيادة أحمد حافظ. ولدينا حاليا اثنان في فريق الترويج وتغطية الاكتتابات ونتوقع أن ينمو الفريق إلى خمسة أشخاص في نهاية يونيو. ويتماشى إطلاق عملياتنا في مصر مع استراتيجيتنا للتوسع في تغطية الأسواق المبتدئة والتي أثبتت نجاحها. وأمس فقط أعلنت رينيسانس كابيتال نتائج أعمالها لعام 2017، والتي شهدتنمو صافي الربح بنسبة 43%على أساس سنوي ليبلغ 15.6 مليون دولار، جاء نتيجة زيادة النشاط في أسواقنا الناشئة والمبتدئة الأساسية.
وحتى بهذا الحجم الصغير استطعنا أن نجعل فريقنا المحلي على نفس معاييرنا العالمية. أعمالنا في مصر ستكملها مكاتبنا العالمية في أماكن مثل موسكو ولندن ونيويورك. تلك الخبرة العالمية هي حقا ما يصنع الفارق بيننا وبين الشركات المحلية والإقليمية. حتى وإن كان لدى فريقنا المحلي قوة دولية خلفه، فإن ذلك لن يمنعنا من العمل مع بنوك الاستثمار المحلية أيضا.
وفي النهاية كان لدينا الفضول لنسأل أحمد بدر عن آخر قراءاته ومشاهداته وكانت إجاباته مرضية تماما لفضولنا: بدأت لتوي في قراءة كتاب جوردان بلفورت "طريق الذئب"، الذي يتحدث عن كيف حول مجموعة من الأشخاص محدودي الموهبة إلى عباقرة في المبيعات. إنها ليست مثل قصة ذئب وول ستريت ولكنها عن كيفية تحويل أي شخص لبائع ماهر. إنه كتاب خطير، لأن كاتبه نصف مجنون، ولكنه كتاب جيد ومسلي للغاية. أكثر الأفلام المثيرة للاهتمام التي شاهدتها مؤخرا كان فيلم "الساعة الأكثر ظلمة" الذي يروي جانبا من حياة ونستون تشرشل. يقول تشرشل في الفيلم "هؤلاء الذين لا يغيرون رأيهم أبدا، لا يتغيرون أبدا"، وهي مقولة أراها ملائمة جدا لمجالنا.
مرتبط